أبو فراس الحمداني | فارس من الصغر حتى الممات

أبو فراس الحمداني

الكثير منا يردد البيت الشهير ((بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ** ولكن مثلي لا يذاع له سر)) غير أن القليل منا يعرف كاتب هذه القصيدة وهو الأمير والشاعر العريق والقائد العسكري الخطير أبو فراس الحمداني الذي كان له من كنيته نصيبٌ فعاش فارساً باسلاً لا يُشق له غبار ومات مقاتلاً مفترساً مثبتة أقدامه على أرض المعركة بعد أن ترك لنا موروثاً أدبياً من القصائد العربية ذات الألوان الشعرية المتباينة.

متى ولد أبو فراس الحمداني وما هو نسبه ؟

أبو فراس الحمداني هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الربعي، وهو ابن عم أمير الدولة الحمدانية الذي عرف بلقب سيف الدولة الحمداني أو سيف الدولة العباسية، وقد ولد هذا الشاعر في قلب مدينة منبج السورية – وقيل الموصل العراقية – عام 320 هـ في زمن خلافة بني العباس، كان والده آنذاك واحداً من أمراء بني حمدان لكنه اغتيل وصغيره الحارث لم يتجاوز الثالثة من عمره فعطف عليه ابن عمه سيف الدولة – الذي كان يتقلد منصب الإمارة على بلاد الشام في ذلك الوقت – وتكفل برعايته.

أما نسب أبو فراس من ناحية الأم فقيل إنه يعود إلى قبيلة تميم في حين ذكر بعض المؤرخين أن والدته ذات أصول رومية وأنها كانت من سبايا الحروب، على أية حال حتى إن كانت أصول أمه غير عربية فإن هذا لم يؤثر على عروبة أبي فراس إذ كان فارساً عربياً حتى النخاع.

نشأة أبي فراس الحمداني :

ذكرنا أن والد أبي فراس الحمداني قد واجه مصير القتل بينما لم يتجاوز ابنه الحارث عامه الثالث، وهذا يعني أن أبا فراس نشأ يتيماً منذ صغره لكن عناية الله حاوطته وسخرت له ابن عمه سيف الدولة الذي عوضه حنان الأب وأغدقه بالعناية والرعاية حتى صار شاباً يافعاً خلوقاً تظهر عليه أمارات القوة والشجاعة والفروسية والذكاء، وقد حرص سيف الدولة على إرساله إلى البادية لتعلم الفصاحة من البدو مما كان له بالغ الأثر في تقويم لغته ونبوغه في الشعر.

وكان أبو فراس الحمداني محظوظاً بنشأته في بلاط سيف الدولة، إذ أتاح له ذلك فرصة التعلم على يد أكبر العلماء والأدباء والشعراء والأئمة الموجودين في عصره وعلى رأسهم العالم اللغوي ابن خالويه الذي كلفه سيف الدولة بمهمة الإشراف على تحصيل أبي فراس للدروس العلمية، ولم يكتفِ سيف الدولة بتلقين ابن عمه فنون الأدب بل كان إلى جانب هذا حريصاً على تعليمه فنون القتال فاستعان بأمهر القادة لتدريبه كما اصطحبه صبياً في العديد من المعارك القتالية التي خاضها ليتمرس بالفروسية والفنون العسكرية.

وفي هذا السياق يذكر أبو فراس أن سيف الدولة قد اصطحبه في إحدى المعارك وعمره وقتذاك تسعة عشر عاماً، وعندما عاين شجاعته وثباته وإخلاصه ولاه إمارة مدينة منبج السورية تقديراً له، وقد اضطلع أبو فراس بالواجبات والمهام الموكلة إليه على الوجه الأكمل إذ كان – على صغر سنه – يعرف كلام عن الرجولة والشجاعة لا يعرفه حكام اليوم الذين تتخطى أعمارهم الستين والسبعين والثمانين والتسعين.

وقوع أبو فراس في الأسر :

يذكر المؤرخون أن أبا فراس قد وقع في أسر الروم مرتين إحداهما كانت في عام 347 هـ حيث اقتادوه إلى منطقة خرشنة الواقعة على نهر الفرات، ولم يدم أسره في هذه المرة طويلاً إذ استعاد حريته خلال فترة قصيرة بسبب نجاحه في الهرب وقيل بسبب افتداء سيف الدولة له، أما المرة الثانية فكانت في عام 350 هـ عندما سقطت مدينة منبج بيد الروم، حيث اقتادوا أبا فراس إلى القسطنطينية فلبث في الأسر بضع سنين.

ابو فراس الحمداني شعر

ابو فراس الحمداني شعر

ولأن المحن تحمل في طياتها المنح أتاحت هذه السنون – التي بلغت أربع سنوات – لأبي فراس فرصة لتنظيم أجمل القصائد الشعرية التي أطلق عليها فيما بعد اسم الروميات نسبةً إلى مكان كتابتها، وكانت قصيدة أبو فراس الحمداني في الأسر مشحوذة بعاطفة الحنين ومشاعر الحزن والالتياع لفراق الأم ولم تخلُ أيضاً من اقوال عن الوطن مفعمة بحرارة الشوق ومليئة بالتأوه والأنين.

كما كانت بعض قصائد أبي فراس التي نظمها خلال فترة الأسر تحمل لوماً وعتاباً لسيف الدولة الذي تأخر في إنقاذ ابن عمه من أيدي الروم، كالقصيدة الشهيرة التي يقول في مطلعها ((أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ** أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟ ** بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ** ولكن مثلي لا يذاع له سر)).

تحرر أبو فراس الحمداني من الأسر :

في الوقت الذي كان يتذمر فيه أبو فراس الحمداني من طول الأسر ومماطلة ابن عمه في افتدائه وإهماله لأمره كان سيف الدولة يبذل قصارى جهده لإعادة تجهيز جيوشه واسترجاع قوتها للهجوم على الروم الذين استولوا على إمارة حلب، وبالفعل هاجم سيف الدولة الروم عام 354 م وتمكن من إلحاق الهزيمة بهم وأسر عدداً منهم فاسترد إمارته وملكه المسلوب واستطاع أن يفتدي ابن عمه وغيره من الأسرى، لكن المحزن في الأمر أن والدة أبي فراس لم تتحمل فراق وحيدها ففاضت روحها قبل أن يعود إلى أحضانها.

ما هي صفات أبو فراس الحمداني ؟

تحلى أبو فراس الحمداني بالعديد من الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة والخصال النبيلة التي يتجلى أبرزها فيما يلي:-

1) الجرأة في قول الحق دون خوف لومة لائم.

2) الصبر على الشدائد رغم استنزاف طاقته حيث كان لـ ابو فراس الحمداني شعر يقول فيه ((صبور ولو لم تبق مني بقية)).

3) الشهامة والكرم كـ حاتم الطائي إذ كان أبو فراس جواداً مضيافاً.

4) الأمانة وحفظ السر وعدم إفشائه بين الناس.

5) الإخلاص وحفظ الود.

6) الشجاعة والفروسية ومقاومة الأعداء.

7) العفة والعزة ونقاء النفس وعدم الانقياد للرذائل فكان من شعر أبو فراس الحمداني في الفخر قوله ((لئن خلق الأنام لحسو كأسٍ ** ومزمارٍ وطنبورٍ وعود ** فلم يُخلق بنو حمدان إلا ** لمجدٍ أو لبأسٍ أو لجود)).

8) الحكمة والفطنة والذكاء.

ما هي أبرز سمات شعر أبو فراس الحمداني ؟

لكل شاعرٍ من الشعراء العرب سمات مميزة عُرفت بها القصائد التي نظمها، ومن أبرز سمات شعر أبو فراس الحمداني فصاحة الألفاظ وابتكار المعاني وغزارة المادة اللغوية واستخدام أغراض الشعر المتعددة، بالإضافة إلى ندرة السقطات وخلو كلماته من التعقيد واتصافها بالتهذيب والتناسق والانسجام، كما أن شعر أبو فراس الحمداني في الحكمة كان رائعاً لحسن استغلال النزعة العقلية فيه وهذا لا يتنافى مع وجود النزعة العاطفية الحاضرة بقوة لا سيما في الروميات التي عكف على نظمها خلال الفترة التي قضاها في الأسر.

وكان أبو فراس الحمداني ذا خبرة واسعة في مجال الأنساب والتاريخ والقصص وقد أجاد توظيف هذه الخبرة في طيات أبياته، ورغم براعته في تنظيم الشعر إلا أنه لم يسعَ أبداً لاتخاذه وسيلةً للتكسب بل نأى بنفسه وقلمه عن المدح التكسبي لذا غلب على أشعاره طابع الفخر والكبرياء.

ما أشهر القصائد التي كتبها ابو فراس الحمدانى ؟

أشهر قصائد أبي فراس الحمداني هي قصيدة ((أراك عصي الدمع شيمتك الصبر)) و((الشعر ديوان العرب)) و((أقر له بالذنب والذنب ذنبه)) و((أبيت كأني للصبابة صاحب)) و((إن في الأسر لصبا)) و((أبنيتي لا تحزني)) و((يا ضارب الجيش بي في وسط مفرقه)) و((جارية كحلاء ممشوقة)).

بالإضافة إلى قصيدة ((عجبت وقد لقيت)) و((ألا أبلغ سراة بني كلاب)) و((قامت إلى جارتها)) و((وقفتني على الأسى والنحيب)) و((تقر دموعي بشوقي إليك)) وغيرها من القصائد الأخرى التي نُظم معظمها خلال فترة الأسر وكانت سبباً في شهرته.

كيف كان شعر أبو فراس الحمداني في الغزل ؟

كان شعر أبو فراس الحمداني في الغزل يتسم بصدق المشاعر وحرارة العواطف، وقد سار فيه على نهج أسلافه من الشعراء فاستهل أبياته بالوقوف على الأطلال وأكثر من التشبيهات.

مَن هو صاحب الرواية الأولى لـ ديوان ابو فراس الحمداني ؟

صاحب الرواية الأولى لـ ديوان ابو فراس الحمداني هو أستاذه ابن خالويه الذي عمد إلى جمع أشعاره ونشرها في ديوان إذ لم يكن أبو فراس يولي شعره اهتماماً فلم يفكر في تنقيحه أو جمعه، وقد صدرت بعد ذلك طبعات أخرى للديوان كلها مأخوذة عن رواية ابن خالويه.

ما هي الكتب التي تناولت حياة أبو فراس الحمداني وشعره ؟

توجد ترشيحات عديدة لمَن يبحث عن كتاب أبو فراس الحمداني حياته وشعره أبرزها كتاب أبو فراس الحمداني رحلة الحياة ومسيرة الموت مع مختارات شعرية لمنذر الحايك والشاعر الأسير لمحمد رجب البيومي والفارس الأسير أبو فراس الحمداني قراءة جديدة في حياته وشعره لحسين جمعة.

متى توفي أبو فراس الحمداني ؟

توفي الفارس المغوار ابو فراس الحمدانى عام 356 هـ بعد مرور عام واحد على تحرره من قبضة الروم، وقد مات رحمه الله قتيلاً شاهراً سيفه في ميدان المعركة أثناء محاولته الاستيلاء على مدينة حمص وعمره آنذاك لا يتخطى السابعة والثلاثين.

مواضيع ذات صلة

صهيب-الروميصهيب الرومي | صاحب التجارة الرابحة مع الله

قصة نجيب محفوظمن هو نجيب محفوظ | وما أهم مؤلفاته الخالدة حتى الآن؟