أولاد حارتنا | الصراع الأبدي بين الخير والشر

أولاد حارتنا

ربما هي أفكار شيطانية قد جالت بخاطر صاحب نوبل نجيب محفوظ وهو ممسك بأقلامه الحبرية التي سُطرت بها روايته الشهيرة أولاد حارتنا التي أثارت النفوس الإسلامية جراء ما اتُصفت به الذات الإلهية من تخاريف بشرية كادت أن تودي بالكاتب إلى الهاوية، وإحقاقًا للحق لقد دافع الأديب عن فكرته باستماته وأعلن أنه لم يكن ليقصد الإهانة وأن الإسلام هو طريق السلامة، وإنما أراد من روايته أن تنتفض الأمة من أجل مواجهة الظلم وألا يُسلموا عقولهم إلا لما فيه الخير.

وبين هذا وذاك عليك أن تقرأ عزيزي القارئ بنفسك الرواية دون أن تأخذ موقفًا معاديًا أو مساندًا، فلديك عقل يفكر وقلب يشعر فتعرف على الحقيقة بنفسك دون وصاية من أحد.

إلمامة مختصرة عن رواية أولاد حارتنا

تعتبر رواية أولاد حارتنا من أميز ما قدمه نجيب محفوظ في مجال الأدب، وعلى الرغم من النقد اللاذع الذي طالها إلا أنها تبقى نموذجًا أدبيًا فريدًا من نوعه، حيث توفرت فيها الحبكة المتميزة، والخيال المعبر، ولقد استخدم فيها نجيب محفوظ رؤيته العبقرية ليصور الصراع الدائر بين الخير والشر منذ الخليقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وتعد هذه الرواية من كتب خلدها التاريخ الأدبي.

والعبقرية التي امتلكها الأديب الراحل لم تقف عاجزة أمام رغبته في تصوير هذا الصراع بشكل يجبر القارئ على استكمال هذه الرواية لمعرفة إلى ما ستؤول إليه الأمور.

ولقد تمكن نجيب محفوظ من تقديم الحارة المصرية على أنها النموذج الأمثل للعالم، فنسج شخصيات أولاد حارتنا فيها، فبدأ بالجبلاوي وهي الشخصية التي اتصفت بالقداسة الأزلية مروراً بإدريس وأدهم ومن بعدهما “جبل ورفاعة وقاسم” إلى أن تنتهي الرواية بشخصية “رفاعة” الذي لم يتبع أي من الشخصيات السابقة، ولقد تم استخدام هذه الشخصيات بصفة رمزية ليُترك المجال واسعًا للقارئ ليفسرها كما يريد.

ملخص رواية أولاد حارتنا:

يحكي لنا نجيب محفوظ في هذه الرواية عن الشخص الأول في رواية أولاد حارتنا وهو “الجبلاوي” والذي يمثل الشخص الأعظم وله شأن كبير، ويسكن هذا الشخص في قصر فخم للغاية مكون من 3 أدوار، ويوجد هذا القصر في صحراء المقطم، ولقد أنشأ حوله منطقة ممتلئة بالحدائق المبهجة.

يحكم هذا الرجل القصر وما حوله من أراضٍ والتي يطلق عليها اسم “الحارة”، ولكن هذه الحارة عبارة عن عدد من الأراضي والمباني التي يستأجرها البسطاء.

يذكر أن “الجبلاوي” له 5 أبناء هم “إدريس، رضوان، عباس، جليل، أدهم”، ولكنه يفضل أدهم ابنه الأصغر ويؤثره بحبه وعطائه على الرغم من أنه أنجبه من امرأة ذات بشرة سوداء، على عكس إخوته الذين وُلدوا من سيدة ذات حسب ونسب.

تخلي الجبلاوي عن أرضه لصالح أدهم:

يقرر الجبلاوي التخلي عن إدارة أرض الوقف المتمثلة في الحارة لصالح ابنه الأصغر “أدهم”، وذلك لأنه على علم بأسماء من يسكنها ويعرف طباعهم وكيفية التعامل معهم.

إلا أن “إدريس” لم يعجبه هذا الأمر وذلك لأنه يرى أنه يستحق إدارة الأملاك بسبب كونه الابن الأكبر، وأنه وُلد من امرأة ذات نسب، وبسبب هذا الغضب الشديد منه قام “الجبلاوي” بطرده من القصر.

وبعد استقرار الوضع يطلب “أدهم” من أبيه أن يتزوج من “أميمة”، فيفرح بهذا الأمر لأنه يأمل أن ينجب “أدهم” ذرية صالحة، وذلك لأنه طرد “إدريس”، بالإضافة إلى أن كلا من “عباس وجليل” لا ينجبان، أما “رضوان” فأولاده كلهم يموتون، لذلك كان “أدهم” هو أمل “الجبلاوي” الوحيد في الحصول على ذرية ليمتد نسله.

الابن الأصغر يقع فريسة لأحقاد أخيه:

تمر الأيام ولم ينس “إدريس” ما فعله أبوه به وتفضيله لأدهم، حيث استمر في مضايقته والتقليل منه والتمرد عليه بالأقوال والأفعال، وبذلك يخالف الشروط التي وضعها الأب، والتي أولها الناس بعد ذلك على أنها “وصايا الله العشر”.

ولكنه في مرة من المرات ذهب إلى “أدهم” في دور الناصح الأمين، وأخبره بأن أباه يضع صندوقًا في غرفة وبه “أوراق الوقف” وهذه الغرفة محرم دخولها على أي أحد، إلا أن إدريس أقنعه بالدخول إلى هذه الغرفة وفتح الصندوق.

وبالفعل قرر “أدهم” الذهاب إلى الغرفة وفتح الصندوق، وفي هذا الوقت يدخل عليه أباه ويراه، ويغضب عليه ويقوم بطرده من القصر.

يخرج “أدهم” من القصر إلى الحارة مطرودًا ليعاني الفقر والندم على ما فعله، ويتحسر على النعيم الذي تركه، ثم يضطر إلى كسب قوت يومه، وأثناء هذه الحياة القاسية تلد “أميمة” ولدين هما “همام وقدري”، ويقرر “الجبلاوي” استقدام “قدري” إلى قصره دون أخيه، مما يؤدي إلى نشوب الخلاف بينهما، فيقوم “قدري” بقتل أخيه.

يتزوج قدري من هند لينجبا ذرية كبيرة، والتي يخرج منها كل من “جبل”، ومن بعده رفاعة، ثم قاسم.

دور الأحفاد في مساندة العباد:

في إطار تحليل رواية أولاد حارتنا سنجد أن الأحفاد تبدأ حكايتهم من “جبل” الذي يظهر للناس بعد سيطرة الفتوات المستبدين الذين يقومون بقتل الذكور بأمر من الناظر، حيث أرادت أم جبل أن تحميه من عيون الفتوات في الصغر، إلا أن زوجة الناظر وجدته وقامت بتربيته في بيتها، ليصبح شابًا ويقف أمام ظلم هذا الناظر، وبالفعل ينتصر عليه ويسود العدل في الحارة.

يموت جبل، وتمر الأيام ويقع الناس مرة ثانية تحت ظلم فتوات الحارة، فلما رأى “الجبلاوي” هذا الظلم أمر رفاعة أن يقف بجانب الناس وينشر العدل، وبسبب ذلك تجمعت الناس حوله مما أثار حفيظة الفتوات فيقررون قتله، لكن جثته لم يصل إليها أحدًا، فانتشر بين الناس أن “الجبلاوي” هو من أنقذه وأخذه عنده في القصر ليعيش فيه.

ثم تتجه الرواية إلى شخص يدعى “قاسم” وهو حفيد “الجبلاوي”، وقد كان حسن الخلق إلا أنه تربى عند بيت عمه زكريا بسبب موت أبيه، وذات مرة يأتي إليه “قنديل” وهو خادم جده الجبلاوي ويبلغه بأنه يجب أن يأتي إليه في قصره، وعندما أتى “قاسم” إلى قصر الجبلاوي أمره أن يقف أمام الفتوات وينشر العدل بين الناس.

ينفذ قاسم ما أمره به جده، وبالفعل يقضي على الظلم والظالمين، ثم يحكم من بعده صادق الذي يتبع نهجه، وبعد موته يتفرق الناس وينتشر الظلم مرة ثانية وبذلك تكون الليالي البيضاء قد انتهت وحل بدلًا منها ليالي الظلام، وتتفرق الحارة إلى أحياء وكل حي له سيد، ويتمنى الناس لو تأتي أيام قاسم وصادق مرة ثانية.

نهاية الرواية:

نجيب محفوظ اولاد حارتنا يختم روايته بأن شخصًا يدعى “عرفة” يأتي إلى الحارة ويسكن بها ويقوم بتجميع الناس حوله بسبب ما يقوم به من أشياء تبهر الناس وتؤدي إلى شفائهم من كل داء، فيقدره الناس ويلتفون حوله، وعندما يسمع عن البيت الكبير، يتسلل إليه ويقوم بقتل “الجبلاوي” عن طريق الخطأ، ثم يٌقتل هو الآخر بواسطة ديكتاتور الحارة وينتهي أولاد حارتنا ملخص
بمقولة:

“يجب أن يتوقف الظلم كما يرحل الليل على النهار، سنرى نهاية الاستبداد وفجر المعجزات”.

ملخص أولاد حارتنا

ملخص أولاد حارتنا

إسقاطات رواية أولاد حارتنا :

عند تحميل رواية اولاد حارتنا وقراءتها جيدًا نلاحظ أن الأديب العالمي جاء بقصة تشبه قصة خلق الله تعالى لآدم وإبليس وما دار بينهما من خلافات، ثم بعد ذلك يتطرق إلى حياة الأنبياء ويلقي الضوء عن أنبياء الديانات الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، ومن الممكن أن نقول أن هذه الرواية قد قامت بإسقاطات متميزة مثل ما فعلها الكاتب جورج أورويل في رواية مزرعة الحيوان.

الجدل القائم حول تناول الرواية للذات الإلهية

لقد أثارت رواية أولاد حارتنا جدلًا كبيرًا لدى الناس بسبب ما اعتقدوه بأن الأديب يبرز الله عز وجل كأنه مخلوق ضعيف وعجوز، وأن هذا الأمر لا يليق بالذات الإلهية.

كما أنه أنهى روايته بقتل العلم لله عز وجل، وكأنه يرى أن العلم والإيمان بالله لا يتفقان، إذ إن العلم قد أفقد الرحمن عز وجل السلطة وهذا ما لا يليق بالله وصفاته العلى.

ما جناه نجيب محفوظ من وراء أولاد حارتنا

لقد تم نقد رواية اولاد حارتنا بشكل عنيف لدرجة أنه تم اتهام نجيب محفوظ بالزندقة والخروج عن الإسلام، حتى أن بعض المشايخ أحلوا دمه، مما أدى إلى تعرضه لمحاولة اغتيال من قبل شاب قام بطعنه بسكين.

كما تمت مهاجمته من قبل الأزهر الشريف الذي رفض نشر الرواية، حيث اتهمه المشايخ بأن هذه الرواية تجرأت على الذات الإلهية، حيث تطرق إلى الظلم الإلهي الذي وقع على البشر وخصوصًا الفقراء والضعفاء.

دفاع الأديب العالمي عن أولاد حارتنا ومفهومه لها

على الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهت للأديب إلا أنه دافع عن روايته بضراوة، حيث أقر بأن الرواية تم تقديمها لتصوير الحياة الظالمة التي تعيشها الأم العربية ولم يقصد أبدًا إهانة الذات الإلهية أو الأنبياء، ومن أهم أقواله للدفاع عنها ما يلي:

1) رد على سليم العوا بقوله: “الأمر الذي لا شك فيه إنني في حياتي لم يأت إلي شك في الله. وإذا كنت قد بدأت أفهم الدين فهما خاصًا بل اعتقد جازما أنه لا نهضة حقيقية في بلد إسلامي إلا من خلال الإسلام”.

2) كما رد على سؤال “أحمد كمال أبو المجد” بقوله: “إن أهل مصر الذين أدركناهم، وعشنا معهم، والذين تحدثت عنهم في كتاباتي كانوا يعيشون الإسلام، دون ضجيج وكلام كثير، وكانت السماحة وصدق الرأي وأمانة الموقف هي تعبير أهل مصر الواضح عن إسلامهم ولكني أؤكد ضرورة الأخذ بالعلم ، لأن أي شعب لا يأخذ بالعلم ولا يدبر أموره كلها على أساسه لا يمكن أن يكون له مستقبل بين الشعوب، إن كتاباتي كلها تتمسك بهذين المحورين: الإسلام الذي هو منبع الخير في أمتنا ، والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا.”

أولاد حارتنا بين النشر والمنع

أثارت رواية أولاد حارتنا الجدل الكبير بمجرد أن ظهرت للعلن، وبعد نشرها مسلسلة في جريدة الأهرام  هاجمها الأزهر وطالب بوقفها، إلا أن محمد حسنين هيكل رفض هذا الأمر ووقف بجانب الأديب، وبالفعل تم نشر الرواية كاملة على صفحات الأهرام.

وبسبب هذا الأمر قامت عليها الدنيا ولم تهدأ إلا بعد أن تم منعها من خلال الاتفاق الذي حدث بين مندوب الرئيس عبد الناصر وبين نجيب محفوظ بعدم نشرها في مصر إلا بعد الحصول على موافقة الأزهر.

ولكن أولاد حارتنا طبعت في لبنان في عام 1962، وتم منع دخولها إلى مصر إلا أن بعض الأشخاص قاموا بتهريب نسخ منها إلى السوق المصري.

وبعد أن حاول شاب اغتياله اتفقت عدد من الصحف على مساندته ونشرها إلا أن نجيب محفوظ رفض هذا الأمر إلا بعد موافقة الأزهر وذلك بناء على وعده للرئيس عبد الناصر.

في عام 2006 بعد رحيل الأديب العالمي أعلنت دار الشروق نشر الرواية مقدمة للكاتب “أحمد كمال أبو المجد” والتي عرفت باسم “الشهادة” وبهذا ظهرت رواية أولاد حارتنا للنور بعد أن تم نشر الشهادة.

متى تم تأليف رواية أولاد حارتنا؟

قام نجيب محفوظ بكتابة هذه الرواية بعد مرور 5 أعوام على ثورة يوليو وتم طبعها في لبنان في عام 1962 م.

لماذا اتُهم نجيب محفوظ بالإلحاد بعد كتابته لهذه الرواية؟

اتهم بهذا الأمر لأن الرواية تم تفسيرها على أن الأديب يتطرق إلى الذات الإلهية بما لا يليق بها، حيث وصف الله بكونه رجلًا عجوزًا وظالمًا على حد قولهم.

متى تم نشر رواية أولاد حارتنا في مصر؟

تم نشر رواية أولاد حارتنا في مصر بعد موت نجيب محفوظ، وكان ذلك في عام 2006 م.

هل تحولت رواية أولاد حارتنا إلى عمل درامي؟

لم تتحول إلى عمل درامي بالشكل المعروف كمسلسل أو فيلم تليفزيوني، ولكن تم تحويلها إلى مسلسل إذاعي.

مواضيع ذات صلة

عواقب الثورة على قواعد جارتين

كتاب قوة العاداتكتاب قوة العادات | الفوز بالإيجابيات والحد من السلبيات