ابن كثير | مَن أجاد الغوص في بحور التفسير

ابن كثير

برع في تفسير تاج العلوم؛ وكان منهجه كتاب الله وسنة رسوله، غاص في بحور توضيح آيات الله بأسلوبٍ سلسٍ خالٍ من التعقيد؛ إنه الإمام الحافظ ابن كثير الذي أجاد في أعرق علم في الوجود؛ العلم الذي أرانا قدرة الله في رفع السماء بغير عمدٍ ورحب الأرض بغير سندٍ وجريان الأنهار بغير مددٍ؛ إنه علم تفسير كتاب الله المجيد.

نور العلم والمعرفة | ما أمحى ديجور البلاهة

جليلة هي الشمس التي أنقذت الإنسان من أن يظلّ دائرًا في دركات الظلماء؛ فلولا ضياؤها لسرنا جميعًا في العتمة نخبط في رُكب بعضنا البعض، وعظيم هو العلم الذي ورثه الإنسان وأنقذه من السير في غياهب الجهل، ولكن بريق العلم أسطع وأبزغ من سنا الشمس؛ فما ينير البصر والبصيرة أفضل مما يكتفي بإنارة البصر وحده، وكان ابن كثير عالمًا بارعًا أضاء بصر وبصيرة كثيرين من المسلمين.

من هو ابن كثير الذي أجاد في تفسير القرآن الكريم؟

سأمسك بأقلامي الكثيرة وسأقوي عزيمتي ووجداني لكي أتمكن من تدوين حياة أحد الأعلام الإسلامية؛ سيرة ابن كثير الإمام العظيم الذي لا زال الجميع يشهد بعقله الرحيب الذي ظلّ متسعًا لتحصيل المزيد والمزيد من شتى العلوم الدينية، فالسعادة تغمرني والفخر يأسرني منذ أن تسنت لي فرصة التحدث عن ابن كثير الإمام الفاضل الجليل!

كُني بأبي الفداء؛ وعُرف بـ ابن كثير نسبةً إلى جده واسمه الحقيقي إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضَو بن درع…. الشافعي الدمشقي، المحدث والمفسر والفقيه الذي ولد بقرية مجدل السورية عام 701 هـ، ونشأ يتيمًا حيث توفى عنه أبوه وهو لم يتجاوز السنتين.

نشأة مَن فقد أباه وهو طفل رضيع

لقد كان العام الهجري 703 شاهدًا على وفاة الخطيب شهاب الدين الذي ترك ابنًا رضيعًا والتحق بالرفيق الأعلى؛ ولكنه ترك له مَن سيشد عضده بأخيه، فترعرع الصغير بين أكناف شقيقه الكبير كمال الدين وقال في حقه: (كان لنا شقيقٌ؛ وبنا رفيقٌ شفوقٌ).

ارتحل إسماعيل مع أخيه إلى دمشق المدينة الباسلة التي تغنى بجمالها محمود درويش شاعر الجرح الفلسطيني، وفيها أتم حفظ القرآن الكريم وختمه وهو ابن عشر سنوات وجمع التفسير في صباه، وغاص في مذهب الإمام الشافعي وسمع الحديث عن كثيرين، ورافق العالم المزّي الذي اتخذه زوجًا لابنته، وظلّ مصاحبًا لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي نهب من علمه الكثير.

صالحة وورعة هي البيئة التي نشأ فيها ابن كثـير إذ كان أبوه خطيبًا وهذا ما دفع أسرته إلى تلقين ابنها الصغير علوم الدين في صغره، كما أن لاستقرار هذه الأسرة في دمشق بجوار المدرسة النورية أثرًا طيبًا فيما وصل إليه أبو الفداء من الشأن الرفيع.

عقيدة ابن كثير

ظلّت عقيدة ابن كثير موضع اختلاف بين أئمة المذاهب والعلماء لا سيما الأشاعرة والسلفية؛ فأما عن الأشاعرة فزعموا بانتمائه إلى مذهبهم فهو مَن تبوأ مشيخة دار الحديث الأشرفية التي لم يُدرس فيها سوى مَن كان أشعري العقيدة، ولقد ذُكر ما دار بينه وبين ابن القيم في كتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للعسقلاني حيث قال ابن كـثير له: “أنت تكرهني لأنني أشعري” فرد عليه الآخر قائلًا: (لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك؛ إنك أشعري وشيخك ابن تيمية).

وزعم السلفية بانتماء ابن كثير إلى عقيدتهم حيث قالوا: إنه كان صريحًا وجليًا أن معتقداته سلفية؛ وهذا ما انبلج على الكثير من مؤلفاته، كما سار على نهج وعقيدة شيخه ابن تيمية في كتابه “تفسير القرآن الكريم”.

صفات ابن كثير وشخصيته الرائعة التي يُحتذى بها

اتسم هذا العالم بأخلاقه الحميدة وشخصيته الكريمة التي وضعته في خانة العلماء الأجلاء، فكان في مقدمة الصفوف إذ امتلك عقلًا رحيبًا وذاكرةً متينةً حُفرت فيها المتون والعلوم، كما كان فهامًا نابغًا تمكن من استنتاج الأحكام وتبسيطها.

سمح النفس؛ خفيف الظل؛ شجاعًا لا يخشى في الله لومة لائم؛ آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر؛ مخفف الآلام عن غيره؛ عادل بين الناس ومنصف للضعيف، تلك هي إلماعة ساطعة عما اتصف به ابن كثير من الخصال الخُلقية الحميدة.

 

تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير

تفسير ابن كثير | منهجه في هذا العلم الرحيب

اعتمد ابن كثير على التفسير بالمأثور فما وجد أجلّ من كتاب الله وسنة نبيه ليكونا دربين له يستنبط منهما التفاسير السلسة الواضحة! ولقد تبع مذهب السلف في إثبات الصفات الإلهية لخالق الأكوان، ويعتمد منهجه على أمور عدة وهي ما يلي:-

– إبراز المعنى

اعتنى في تفاسيره بتوضيح الأمور في أبسط معانيها؛ فكان يشرح الآيات في عبارات سهلة بأسلوبه المختصر المفيد.

– تفسير القرآن بالقرآن

عظيم هو ابـن كثيـر الذي ربط الآيات القرآنية المتشابهة ببعضها البعض لكي يوضح المراد بها، فكان يستدل بالآيات التي تحمل نفس المعنى ليوضح بها آيةً معينةً.

– رواية الأحاديث

كثير من الآيات القرآنية قد ذُكرت مرةً واحدةً لا ثانية لها؛ وكان تفسيرها صعبًا فلم يجده ابـن كثـير بالقرآن الكريم، لذا كان يستعين بما جاء في السنة النبوية من الأحاديث بالأسانيد وغيرها لتفسيرها.

– التفسير بأقوال الصحابة

اهتم ابن كثير بذكر أقوال الصحابة التي وردت في تفسير الآيات القرآنية، فصار تفسيره تفسيرًا دقيقًا لم يغالطه أحد من المؤرخين.

– ذكر أقوال التابعين وتابعي التابعين

سلط ابـن كثـير الضوء على أقوال التابعين وتابعي التابعين ومَن خلفهم من علماء السلف لا سيما الذين عاشوا في القرون الأولى؛ وكأنه قصد الوصول إلى أكبر قدر من التفاسير ليربطها في عقدٍ واحدٍ يُعرف بـ تفسير ابـن كثـير.

– الإسرائيليات

كان ابن كثير يذكر الإسرائيليات تارةً في تفسيره وتارةً أخرى يكتفي بالإشارة إليها دون أن يذكرها صريحةً، وقال عنها: “تُذكر للاستشهاد لا للاعتضاد” وهذا في مقدمة كتاب التفسير.

– الأحكام الفقهية

استدل ابـن كثـير عند تفسيره للآيات التي تحتضن أحكامًا شرعيةً بأقوال علماء وأدلتهم، فكان يغوص في مذاهبهم لكي يوضح تلك الأحكام ويظهر مرادها.

– الشواهد اللغوية والشعرية

لقد كانت اللغة العربية خيرَ ما اعتمد عليها ابـن كثـير لكي يفهم آيات الله، فتعمق في أساليبها ودلالات ألفاظها واستعان بشواهد الشعر التي تبرز المعنى وتوضحه.

– الأعلام والرجال

نقل آراء أعلام السنة ورجالها الأجلاء الذين ذُكرت أقوالهم في تفاسير آيات القرآن.

– الاقتباس

اعتنى بذكر دروب كثيرين من المفسرين ممن سبقوه فنقل عنهم أقوالهم أمثال ابن جرير الطبري؛ ابن أبي حاتم؛ ابن تيمية.

– العناية بالأحاديث

لقد صار الحديث مرجعًا أساسيًا ومصدرًا هامًا في درب ابن كثير ؛ إذ كان يذكر الحديث بسنده وحكمه عليه سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، ويرجح الرأي الصحيح دون أن ينحاز إلى قول أحد، وكان يجمع عشرات الأحاديث في تفسير الآية الواحدة حيث وجد في تفسيره عشرات الآلاف من الأحاديث.

– المناقشات الفقهية

ظلّ ابن كثير يستدل بأقوال العلماء وبراهينهم عندما يفسر أي من آيات الأحكام، ومن ثم يرجح القول الصحيح الذي يدعمه الدليل أو يؤيده الحديث.

أهم كتب ابن كثير

فريدة من طرازها هي الإسهامات العلمية التي ألّفها ابـن كـثير ، فستبقى تتوارد هذه الثروة الدينية الهامة بين الناس إلى يومنا هذا وحتى يوم الدين، ولن تطو بين صفحات النسيان بل ستظلّ عالقةً في الأذهان، ومن أثمن هذه المصنفات ما سأُسطرها في سطوري التالية:-

1- كتاب تفسير القرآن الكريم

يعد هذا الكتاب أحد أشهر كتب التفسير التي دُونت بأقلام العلامة الكبير ابـن كـثير ، فلقد فسّر فيها آيات الله الكريمة في أبسط معانيها لكي يفهم المسلمون كلام الله وما أرشدهم إليه ونهاهم عنه.

2- كتاب السيرة النبوية

استفاض ابن كثير في كتابه هذا بوصف حال العرب قبل الإسلام، ثم ذكر ولادة رسول الله وسيرته النبوية بدءًا بنسبه ومرورًا بنشأته وانتهاءً بهجرته إلى أن ذهب للقاء المولى عز وجل.

3- كتاب البداية والنهاية لابن كثير

يتكون هذا الكنز الأدبي من 21 فصلًا يسرد ابـن كثـير بين طياتهم كيف خُلقت السماوات والأرض والملائكة وخلق سيدنا آدم عليه السلام، وقصص الأنبياء وأحداثها التاريخية، وبعثة أشرف الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ وهذا ما يختص بجزء البداية أما الخاتمة فذكر فيها علامات الساعة وما سيحدث إلى أن يأتِ يوم الخلود يوم لا ينفع مال ولا بنون.

 عقيدة ابن كثير

عقيدة ابن كثير

علام تتلمذ ابن كثير وإلام درّس علمه؟

تعلم ابـن كثـير على يد كوكبة من العلماء الأجلاء الذين ساهموا في تلقين دروس اصول الفقه والحديث لغيرهم، ومن أهم هؤلاء البحور ما يلي:-

– الإمام الحافظ الذهبي.

– الإمام أحمد بن تيمية.

– الشيخ بهاء الدين القاسم بن عساكر.

– الإمام الحافظ الأصبهاني.

وكان ابـن كثيـر بحرًا قد غرف منه كثيرون من تلاميذه النجباء الذين لمعت نجومهم وسطعت في فضاء مجالات عدة، ومن أبرز هؤلاء ما يلي:-

– الإمام الحافظ أبو المحاسن الحسيني.

– محمد بن إسماعيل بـن كـثـير؛ ابن الإمام ابـن كثـير رحمهما الله‏.‏

– شيخ علم القراءات الإمام الجزري؛ محمد بن أبي محمد.

– أحد فقهاء مذهب الإمام الشافعي؛ الإمام الحافظ علاء الدين المعروف بابن حجي.

أقوال العلماء في ابن كثير | صاحب المقام الرفيع

ترك ابـن كثـير بصمةً حيةً لا زال أثرها موجودًا حتى الآن، فالكثير من العلماء قد شهدوا له بفضله وعلمه الرحيب الذي كان نهرًا يغرفون منه كلما أرادوا أن يرووا ظمأهم بعلمه الكثير، فبصمة ابـن كثـير الإسلامية لم ولن تزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن أبرز العلماء الذين تحدثوا في حق ابن كثـير ما يلي:-

– قول الإمام السيوطي عن ابـن كـثـير

تحدث الإمام السيوطي في حقه فقال عنه: (كان إمامًا محدثًا حافظًا؛ أحد أعمدة الدين) وقال عن تفسيره: (لابـن كثـير تفسير لم يُؤلف مثله يومًا ما).

– قول ابن حبيب

قال هذا الإمام عنه: (إنه إمامٌ التسبيح والتهليل؛ زعيم أرباب التأويل الذي سمع ثم جمع ثم صنف وأطرب الأذهان بتفسيره البسيط، وإليه قد انتهت زعامة العلم في الحديث والتاريخ والتفسير).

– رأي الإمام الذهبي

انصب رأي الإمام الذهبي في أن ابن كـثير: (المحدث البارع المتقن؛ الإمام المفتي).

– رأي المؤرخ الشهير ابن تغري بردي

قال عن ابن كثـير: (الشيخ الإمام عماد الدين أبو الفداء؛ الذي حشد وصنف، ودرّس وحدّث وألّف، وكان عالمًا في التفسير والفقه والحديث واللغة وغيرهم من العلوم).

وفاة ابن كثير

مؤلمة هي آخر الأيام التي عاشها ابن كثير ففيها قد رأى العمى بعينيه، وأصبح كفيفًا قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى في أحد الأشهر الحُرم؛ شهر شعبان في يومه السادس والعشرين عام 774 هـ، وأُخذ بوصيته فدُفن جثمانه بجوار شيخ الإسلام ابن تيمية في إحدى مقابر دمشق، فلو كان الموت اختياريًا لنا لبقى ابـن كثـير  إلى آخر الزمان يلقن دروس التفسير ويوضح آيات الله المجيدة ولكنه أمرٌ لا يخضع للنقاش ولن يفرق بين عالم وجاهل مهما كان.

ماذا قال ابن العماد في وصف الإمام ابـن كثـير؟

قال ابن العماد عنه: كان كثير الاستحضار، جيد الفهم، قليل النسيان، حَفظ كتاب التنبيه ومختصر ابن الحاجب ثم سمع الحديث... وهذا دليل على عظمة مكانته.

ما هو اسم ابن كثير الحقيقي؟

إنه الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بـن كثـير بن ضَوْ بن درع القرشي الحَصلي البصروي الشافعي الدمشقي.

ما هي أجمل أقوال ابـن كـثير؟

يقول ابـن كثـير رحمه الله: مَن اتصف بصفة الاستغفار يسّر الله عليه رزقه وسهَّل عليه أمرَه وحفظ عليه شأنه وقوته.

أين ومتى ولد ابـن كثـير؟

ولد ابـن كثـير في قرية مجدل أو مجيدل إحدى قرى مدينة بصرى عام 701 من الهجرة.

مواضيع ذات صلة

عبدالله بن مسعودعبدالله بن مسعود | صاحب السواد وفقيه الأمة

احمد بن حنبلاحمد بن حنبل | مثال للزهد والورع