ابو العلاء المعري | رهين المحبسين

فقدان البصر بالنسبة لبعض الناس ما هو إلا موت للحياة بداخلهم لا يتمكنون من التعايش معه، ولكن هناك في هذه الحياة من يجد في فقدان بصره فرصة لتغيير حياته، فلديه البصيرة أقوى من البصر والعزيمة أقوى من الألم، وباليقين يستطيع أن يحقق المحال، ولقد تعرض ابو العلاء المعري لفقدان عينيه في الصغر ولكنه كان على مواجهة الحياة قديرا حتى صار شاعرًا شهيرا.

لمحة مختصرة من حياة ابو العلاء المعري

هو علم من أعلام الحضارة العربية التي أثراها بما كتبه ونظمه من أشعار، فهو مفكر كبير، وفيلسوف عظيم وأديب له قدر رفيع، واسمه هو ابو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد القضاعي التنوخي المعري وإلى يعرب بن قحطان يعود نسبه وقد لقب باسم “ابو العلاء المعري”.

وقد ولد في بلدة (معرة النعمان) في سوريا، وكان ذلك في 27 من ربيع الأول عام 363 هـ، ترعرع ابو العلاء المعري وسط أسرة تزخر بالعلم والعلماء، فهذا جده (سليمان بن أحمد) قاضي المعرة، وهذا والده (عبد الله) من أكابر الشعراء، أما أخوه الأكبر فكان شاعرا مخضرما.

وهكذا نشأ وسط عائلة تحب الشعر فتأثر بها أيما تأثر وأصبح هو الآخر شاعرا وأديبا، ولقد تعرض أبو العلاء للعديد من المحن الشديدة والصعاب في حياته التي لم تثنه يوما عن استكمال ما أراد أن يكون، وإليك أهم اللمحات في حياته:

بلاء شديد منذ الصغر:

وكأنه مكتوب على العظام أن يتعرضوا لمحن شديدة وبلاءات عظيمة حتى تظهرهم على حقيقتهم وتقوي من عزيمتهم، فالمنح لا تأتي إلا من رحم المحن، وهذا ما حدث مع أبو العلاء حينما فقد حبيبتيه جراء إصابته بمرض الجدري.

فلم يمنعه هذا المرض على الرغم من فظاعته من طلب العلم، فقد تحدى ما مر به من ألم ليصبح عملاقًا من عمالقة الأدب والشعر العربي، فبدأ بحفظ القرآن الكريم حتى يصير عالمًا باللغة العربية.

وسرعان ما اتجه إلى دراسة النحو على يد كبار النحاة في بلدته مثل “أبي بكر بن مسعود النحوي”، وقد نبغ في الدراسة نبوغًا ظاهرا لكل من التقى به.

رحلاته العلمية:

لقد بلغ ابو العلاء المعري مكانة علمية كبيرة لم يصل إليها أقرانه، الأمر الذي شجع والده على إرساله إلى مدينة حلب لتقلي العلم، وفي حلب قابل “محمد بن عبد الله بن سعد” وكان نحويًا بارزًا كما كان راويًا لشعر المتنبي، مما جعل المعري يحب المتنبي حبًا شديدًا كما لو كان ابو العلاء المعري والمتنبي خليلين.

كما أن ولع أبي العلاء المعري بالعلم والرغبة في الحصول على المعرفة الواسعة شجعاه على الذهاب إلى طرابلس لينهل العلم من خزائن الكتب الموجودة هناك، ثم شد الرحال إلى أنطاكية ليكمل مسيرته العلمية.

شعر ابو العلاء المعري

شعر ابو العلاء المعري

 نبوغ أبي العلاء اللافت للنظر

على الرغم من فقد ابو العلاء المعري لبصره إلا أن ذلك لم يؤثر في تحصيله للعلم، فقد كان يتمتع بقوة حفظ هائلة، وذكاء لافت للانتباه، حيث إنه بمجرد أن يسمع شيئًا ما فإنه يحفظه من المرة الأولى، ثم يعيده على مسامع الناس دون أن يخطئ في كلمة واحدة.

وقد ذاع صيته بين أهل حلب لدرجة أن بعضهم أرادوا أن يتحدوه في الشعر، فقام كل واحد منهم بإنشاد بيت شعري لكي يرد عليهم ببيت آخر على نفس القافية من حفظه، وظل على هذا الأمر حتى نفذت كل أبياتهم الشعرية التي يحفظونها.

والعجيب في الأمر أنه هو من تحداهم مرة ثانية فأشار عليهم أن ينشدوا أبياتًا شعرية وهو يأتي بأبيات أخرى من نظمه على نفس القافية، ففعلوا ولكنهم لم يستطيعوا الصمود أمامه، فهو بحق من أعظم الشعراء العرب على مر التاريخ.

عودة وانكسار

بعد أن قضى ابو العلاء المعري جزءًا من حياته في سوريا لطلب العلم، عاد إلى وطنه ولكنه كان قد فقد وطنه الحقيقي وهو أبوه، فقصم هذا الأمر ظهره إذ إنه أصبح يتيمًا وهو لم يتجاوز 14 عامًا، وقد نظم أبياتًا شعرية لرثاء أبيه جاء فيها:

أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل.

 رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ.

 مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى.

 وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ.

وظل بعد موت أبيه يتذوق المرارة والألم إلى أن استطاع أن يلملم ما تبقى منه ويسافر مرة أخرى لطلب العلم، فذهب إلى بغداد بعد أن أخذ الإذن من أمه وهناك تلألأ اسمه في سماء العلم والأدب، ولقد أصبح من أشهر شعراء العصر العباسي الثالث.

لؤلؤة براقة في سماء بغداد

انطلق ابو العلاء المعري إلى بغداد ليستكمل رحلاته العلمية وبمجرد وصوله إليها بدأ نجمه يلمع سريعًا بين الناس حتى أصبح من الشعراء القلائل البارزين، وكما هو الحال فإن لكل ناجح حاقدين ينشرون حوله الإشاعات والفتن راغبين في أن يسقطوه أرضًا، حيث استشاط حساد أبي العلاء المعري غضبًا، فأطلقوا الأقاويل الكاذبة عليه، فاتهموه بالكفر والزندقة، كما أنهم حرضوا الحكام عليه.

ولكن مهما حاول الصغار أن يقذفوا الشجرة الثابتة جذورها في أعماق الأرض ليسقطوها فلن ينالوا منها أبدًا، فالنيل من عزيمة أبي العلاء المعري أشبه برغبة الإنسان في أن يصل إلى السماء وهذا من المحال.

فقد تصدى لهم بكل ضراوة وحزم، مستهزئًا من جهل أعدائه، مؤمنًا بربه غير آبه لما يقال عليه، وقد نظم بعض الأبيات الشعرية للرد على هؤلاء وهي:

غَرِيَتْ بذمِّي أمةٌ.

وبحمدِ خالقِها غريتُ.

وعبدتُ ربِّي ما استطعـتُ.

ومن بريته برِيتُ.

دار ابو العلاء مقصد الأدباء والعلماء

ترك ابو العلاء المعري مدينة بغداد بعد أن قضى فيها فترة طويلة وعاد إلى موطنه، ولكنه بمجرد العودة تلقى أقسى خبرًا على قلبه وهو موت أمه، فحزن عليها حزنًا شديدًا حتى انفطر قلبه.

وقد أدار ظهره للحياة ومكث في بيته غير آبه بما يدور حوله، وظل معتزلًا في بيته مدة أربعين عامًا لم يتركه سوى مرة واحدة عندما أراد قومه أن يشفع لهم عند صاحب حلب.

ولكنه بعد هذه المدة قابل الناس عندما ألحوا عليه فاستحيا أن يردهم خائبين، ففتح باب منزله لا ليخرج منه وإنما من أجل استقبال محبيه، ومنذ ذلك الوقت والباب لا يُغلق في وجه أحد حتى أصبح منزله منارة للعلم.

أهم الآثار التي تركها ابو العلاء المعري

خلّف ابو العلاء المعري ورائه إرثًا متميزًا حيث الشعر والأدب والفلسفة، وظل موردًا خصبًا لمن أراد التعلم والتثقف، فهو يشبه الجاحظ في سعة علمه وقدرته الشعرية، وإليك أهم آثار المعري:

ابو العلاء المعري رسالة الغفران .

 ديوان أبي العلاء المعري وهو اللزوميات.

3ـ الفصول والغايات.

4ـ سقط الزند.

5ـ الرسالة المنيحية.

6ـ رسالة الملائكة.

7ـ عبث الوليد وهو عبارة عن شرح لديوان البحتري .

ابو العلاء المعري بين الشك والإلحاد

هناك العديد من الأقاويل التي دارت حول دين أبي العلاء، فمن الأقاويل من تؤكد على أنه كان زنديقًا ملحدًا واستدلوا على ذلك ببعض الأبيات الشعرية التي نسبت إليه والتي جاء فيها ((حــيــاةٌ ثُـمَّ مَـوتٌ ثُـمَّ بَـعْــثٌ …. حَـديـثُ خُرافَةٍ يــا أُمَّ عَــمْــرو)).

ولكن هناك بعض العلماء الذين أقروا بأنه كان مسلما ولم يجد الإلحاد إلى قلبه سبيلا، كما أنهم أصروا على أن هذه الأبيات التي تدعو إلى الكفر لا تتماشى مع أسلوب وقدرة أبي العلاء الشعرية، ويقول طه حسين فيه (أبو العلاء قد هداه عقله إلى أن لهذا العالم خالقا، وإلى أن هذا الخالق حكيم، لا يشك في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكا).

موت أبي العلاء المعري

قال أبو العلاء المعري في حق الموت إنه أعظم مصيبة وقد صدق في ذلك، ولقد نال منه الموت كما نال من غيره وأفضت روحه إلى بارئها في ربيع الأول من عام 449 هـ عن عمر ناهز 86 عامًا.

متى ولد أبو العلاء المعري ومتى توفي؟

ولد في عام 363 هـ وتوفي في عام 449 هـ وذلك بعد أن قضى 86 عامًا في تحصيل العلم والمعرفة.

ما هي أشهر أشعار أبو العلاء المعري في الدين ؟

من أجمل ما قاله ابو العلاء المعري في الدين هو ((الله لا ريب فيه ........ باد وكل إلى طبع له جذبا)).

ما هو شرح قصيدة أبي العلاء المعري تأملات في الحياة والموت ؟

إن شرح قصيدة أبو العلاء المعري غير مجد في ملتي واعتقادي يدور حول الحياة والموت في نظر المعري إذ إنه ينظر إلى الحياة على أنها مكان للمشقة والألم، بالإضافة إلى أن الموت هو أعظم مصيبة ممكن أن يصاب بها الإنسان، كما أنه يرى أن مشاعر الحزن أعظم من مشاعر الفرح.

كيف تأثر ابو العلاء بموت أمه؟

تأثر بموتها تأثرًا شديدًا مما أدى إلى أنه اعتزل الناس وظل في بيته لمدة 40 عامًا لم يخرج منه.

مواضيع ذات صلة

كعب بن زهير | شاعر البردة

محمود درويش عاشق فلسطينمن هو محمود درويش | وأجمل قصائده عن الوطن “فلسطين”؟