ابو بكر الرازي | أبو الطب العربي وجالينوس العرب

ابو بكر الرازي

لا شك أن الطب رسالة سامية ومهنة إنسانية في المقام الأول، فلا رسالة أسمى من الرسالة التي تهدف إلى تخفيف الآلام عن الإنسان ولا مهنة أشرف من المهنة التي ترمي إلى حفظ النفس تحقيقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية، إذ جعلت شريعتنا حفظ النفوس واحدة من أهم الضروريات الخمس الواجب صيانتها، فلله در كل مَن انكب على دراسة العلوم الطبية رغبةً في مداواة الناس ورفع الأذى عنهم، ورحم الله علماءنا السابقين الذين وضعوا اللبنات الأولى في هذا المجال مثل ابو بكر الرازي وابن سينا وأبقراط وغيرهم، جزاهم المولى عنا خير الجزاء لقاء إسهاماتهم التي خففت عنا الداء.

من هو ابو بكر الرازي ؟

ابو بكر الرازي هو محمد بن يحيى بن زكريا الرازي، هو الطبيب المسلم والعالم الكيميائي والفيلسوف المفكر الذي جمع بين مختلف العلوم وترك بصمة في شتى الميادين، ولد عام 250 هـ في مدينة الري قرب طهران الحديثة، وتحت سماء هذه المدينة نشأ وترعرع وطلب العلم الذي بدا أنه شغوف به حد الثمالة، درس الرياضيات والأدب والموسيقى والكيمياء والفيزياء والطب والفلسفة والفلك، لم تكن دراسته لهذه العلوم دراسة عابرة بل كانت دراسة متعمقة كشفت عن نبوغه المبكر وعبقريته الاستثنائية.

وجه أبو بكر جل اهتمامه لدراسة الطب وتلقى علم الأوائل على يد الطبيب العالم ابن ربن الطبري وهو ما جعله يتمتع بخبرة هائلة في هذا المجال ويحظى بمكانة رفيعة في سن صغيرة، فلم يلبث أن صار متقناً للطب عارفاً بالأمراض – مثل الحصبة وغيرها – مبتكراً لأساليب العلاج حائزاً على شعبية كبيرة بين المرضى هنا وهناك.

لم تكن براعة الرازي في الطب هي سر نجاحه الوحيد بل أخلاقه أيضاً وتفهمه لنفسية المريض، لقد كان أول مَن ربط بين حالة المريض الصحية والنفسية وأول مَن أدرك أن تحسن الحالة الصحية يحتاج إلى تحسن الحالة النفسية أولاً، من هنا أطلق عليه اسم أبو الطب العربي وجالينوس العرب خاصةً بعدما أصبح المرجع الأساسي لمعظم الحالات المستعصية في زمانه.

انتقال الرازي إلى العاصمة بغداد :

كان ابو بكر الرازي يؤمن أن احتراف الطب لا بد أن يكون في أحضان المدن الكبيرة التي تتمتع بالكثافة السكانية نظراً لكثرة الأمراض والمرضى في هذه الأماكن وهو ما يتيح الفرصة للأطباء المهرة أن يزاولوا مهتنهم باحترافية، لأجل ذلك قرر الرازي الانتقال إلى العاصمة بغداد وقضى فيها فترة شبابه، وبعد إتمام دراساته عاد أدراجه إلى بلدة الري بناءً على طلب من منصور بن إسحاق حاكمها آنذاك، حيث أسند إلى الرازي مهمة إدارة المستشفى هناك.

استدعى بعدها الخليفة العباسي المعتضد بالله أبا بكر الرازي لرئاسة المشفى الجديد المشيد في بغداد، فانصاع الرازي لأمره وانتقل مرة أخرى إلى بغداد لتنفيذ المهمة، غير أنه قضى الشطر الأخير من عمره في مسقط رأسه الري وقضى نحبه هناك.

ما هي أهم إنجازات أبو بكر الرازي ؟

استطاع ابو بكر الرازي أن يحقق العديد من الإنجازات في الميادين العلمية المختلفة، وفيما يلي نبذة عن أهم ما أنجزه في مجال الطب والكيمياء:-

1) إنجازات الرازي في مجال الطب :

أولى أبو بكر الرازي مجال الطب اهتماماً بالغاً حتى عد من أشهر أطباء عصره، فقد عكف على دراسة الطب الهندي واليوناني وأجرى دراسات طبية عديدة حول الأمراض ومسبباتها، وكان من أبرز إسهاماته في هذا المجال اختراع الخيوط المستخدمة في العمليات الجراحية وابتكار العلاج بالمراهم والتداوي بالأعشاب عوضاً عن العقاقير الدوائية، بالإضافة إلى تقديم الشروحات الوافية حول عدد كبير من الأمراض والتفريق بين مرض الجدري ومرض الحصبة وكذلك التفريق بين النزيف الشرياني والنزيف الوريدي.

وشملت إنجازات الرازي الطبية أيضاً ابتكار طريقة لاستخراج الماء من العين والتوصل إلى حقيقة أن الحمى عرض وليست مرضاً، علاوةً على ذلك أشار أبو بكر إلى ضرورة أخذ الحالة المرضية للمرضى بعين الاعتبار قبل التشخيص والعلاج.

2) إنجازات الرازي في مجال الكيمياء :

تشير العديد من المصادر إلى أن أبي بكر الرازي كان كيميائياً قبل أن يكون طبيباً، وقد عني بدراسة المواد والمركبات الكيميائية وعمد إلى تقسيمها حسب الخواص المشتركة، كما ابتكر العديد من الأدوات الكيميائية المستخدمة في صهر المعادن كالمطارق والمقصات والكسارات والملقط والموقد والمنفاخ وكذلك الأواني المستخدمة في تنفيذ عمليات التحويل الكيميائية كالقمع الزجاجي ووعاء التكاثف والمقطرة المعوجة والموقد الأسطواني والهاون الزجاجي والقوارير والغربال ومصابيح الزيت وغير ذلك.

ومن منجزاته في الكيمياء أيضاً تحضير الحوامض والكحوليات واستنتاج العديد من القوانين الكيميائية التي توصل إليها بعد إجراء التجارب العلمية الهادفة، وقد عمد الرازي إلى تدوين هذه التجارب وما أسفرت عنه من اكتشافات مما ساهم لاحقاً في اختراع الكثير من العقاقير الدوائية.

مؤلفات ابو بكر الرازي

مؤلفات ابو بكر الرازي

ما هي أشهر مؤلفات ابو بكر الرازي ؟

لأبي بكر الرازي مؤلفات عديدة في شتى العلوم والمعارف التي عني بدراستها، وتتجلى برز هذه المؤلفات فيما يلي:-

1) مؤلفات ابو بكر الرازي الطبية مثل كتاب الحاوي في علم التداوي والكافي في الطب والمنصوري في التشريح والحصبة والجدري والمرشد ومؤلفات كثيرة أخرى، وهي كتب خلدها التاريخ على مر العصور.

2) مؤلفات الرازي العلمية ومنها كتاب هيئة العالم وكيفيات الإبصار وغير ذلك.

3) مؤلفاته في الكيمياء ومنها كتاب المنصوري في الكيمياء والأسرار وسر الأسرار وكذلك الكيمياء وأنها إلى الصحة أقرب.

4) مؤلفاته الفلسفية مثل كتاب المدخل إلى المنطق ورسائل فلسفية والمدخل التعليمي وغيرها من المؤلفات الأخرى.

5) المؤلفات الخاصة بـ ابو بكر الرازي في العقيدة ومنها كتاب إن للعبد خالقاً.

ما أبرز صفات أبو بكر الرازي ؟

تتمثل أبرز صفات أبو بكر الرازي في الذكاء المتقد والفطنة الشديدة، وفي هذا السياق يذكر أن أحد خلفاء الدولة العباسية طلب من الرازي اختيار موقع مناسب لتأسيس مستشفى في بغداد، فما كان من الرازي إلا أن وضع قطعاً من اللحم في مواقع متعددة في أرجاء المدينة وتركها ليرى أيها يفسد سريعاً وأيها يظل على حاله لأطول فترة ممكنة إيماناً منه بتأثير البيئة على الصحة.

وعندما عاد أبو بكر بعد ثلاثة أيام وتفقد القطع ووجد أن إحداها أقل تعفناً وأبطأ تحللاً وأدنى تأثراً بالتلوث أدرك أن هذا هو المكان الأنسب لتدشين المركز التخصصي الطبي نظراً لأنه المكان الذي يحظى بالجو النقي الخالي من التلوثات وهو ما يحتاجه المرضى لاستعادة عافيتهم، وقد أبدى الخليفة إعجابه بذكاء الرازي ولم يتردد في جعله رئيساً للمشفى بعد إتمام بنائها.

اتصف الرازي أيضاً بالهدوء والرزانة والعفة والمروءة والإيثار والعدل والزهد واعتزال الجدال الذي لا طائل منه، كما كان رءوفاً بالمرضى ومؤمناً بأن الأخلاق الفاضلة جانب لا يمكن فصله بشكل من الأشكال عن الجانب المهني في مجال الطب.

اتهام أبي بكر الرازي بالإلحاد :

لم يتم العثور في أي من كتب القدامى على ما يدين أبا بكر الرازي ويرميه بالإلحاد، لكن ثمة آراء معاصرة اتهمته بذلك بحجة أنه قام بتأليف كتب ناقدة للأنبياء ومشككة في صحة الشرائع السماوية، غير أنه لا دليل على صحة انتساب هذه المؤلفات للرازي وعلى أغلب الظن أنها ملفقة من قِبل المستشرقين، فالكتب المثبتة لعالِمنا هي كتاب إن للعبد خالقاً وكتاب طبقات الأبصار وكتاب الطب الروحاني وكلها مؤلفات تدل على وحدانيته وتبرهن على سلامة عقيدته.

متى وقعت وفاة أبو بكر الرازي ؟

وقعت وفاة أبو بكر الرازي في التاسع عشر من شهر نوفمبر عام 923 م بمدينة الري وعمره وقتذاك يناهز الستين بعد إصابته بالعمى في نهاية حياته، ويذكر ابن أبي أصيبعة أن أبا بكر الرازي مات مقتولاً بالخنق.

ما هي كتب أبو بكر الرازي ؟

من مؤلفات الطبيب العربي ابو بكر الرازي كتاب أخلاق الطبيب وطبقات الأبصار والطب الروحاني والمدخل إلى المنطق والشكوك جالينوس وهيئة العالم، بالإضافة إلى كتاب الكيمياء وأنها أقرب إلى الصحة وكتاب الفصد والحجامة وكتاب إن للعبد خالقاً.

بم امتازت مؤلفات ابو بكر الرازي ؟

امتازت مؤلفات ابو بكر الرازي بالآراء والملاحظات التي شهد لها الجميع بالنضج والنبوغ، كما امتازت بالأمانة العلمية الشديدة ونسبة كل شيء إلى قائله وإرجاعه إلى مصدره، إلى جانب اتسام مؤلفاته بالشمولية والتوسع وخصوبة التأليف والدمج بين علوم الهنود واليونانيين.

أين عاش أبو بكر الرازي ؟

يتساءل البعض أين عاش أبو بكر الرازي والإجابة هي أن الرازي ولد في مدينة الري قرب العاصمة الإيرانية الحالية وعاش بها شطراً من عمره ثم انتقل إلى العاصمة العراقية وأمضى فيها معظم فترة شبابه ثم عاد إلى مسقط رأسه.

مواضيع ذات صلة

حسان بن ثابتحسان بن ثابت | شاعر الرسول الذي حارب دون أن يمسك سيفاً

ابن القيمابن القيم | شعاع الأمل والظل الدائب لابن تيمية