الاحتراق الوظيفي | الضريبة التي يدفعها المقاتلون

الاحتراق الوظيفي

يتوهم البعض أن طغيان العمل على حياة الفرد يرفع من نسبة الإنجاز ويؤدي إلى النجاح، لكن هذا ليس إلا ضرباً من ضروب العته، إذ إن هذا الطغيان الجائر على حساب جودة الحياة لا نتيجة له سوى الإصابة بمتلازمة الاحتراق الوظيفي التي تعود بالضرر على الفرد والعمل معاً، فإن كانت الآلات تتعرض للتلف إثر ضغط الاستخدام فبالله كيف بالإنسان؟

سنلقي الضوء في السطور التالية من هذا المقال على كل ما يخص الاحتراق الوظيفي الأسباب وطرق العلاج والأعراض والمراحل وغير ذلك، حتى يصبح بالإمكان التصدي لهذه الظاهرة المقيتة المهددة لسلامة الإنسان، المؤثرة على العقول والأفئدة والأبدان.

ما هي متلازمة الاحتراق الوظيفي ؟

أدرجت منظمة الصحة العالمية متلازمة الاحتراق الوظيفي –  Burnout syndrome- ضمن تصنيف الأمراض، وعرفتها بأنها ((ظاهرة مهنية تحدث عندما لا تتم إدارة الإجهاد المزمن في مكان العمل بنجاح وفاعلية))، ويشير مصطلح الاحتراق في اللغة الإنجليزية الدارجة إلى الاستنزاف والإرهاق والانهيار.

وقد أقرت كل كتب علم النفس بأن المحلل النفسي والطبيب المعالج هربرت فرودنبرجر هو أول مَن أجرى أبحاثاً عن هذه المتلازمة، ففي بحثه الأول المنشور عام 1974 م بعنوان ((الاحتراق النفسي لدى العاملين)) حاول وصف هذه الحالة في تعريف بسيط فحواه أن الاحتراق المهني هو فقدان الدافعية لدى الفرد تجاه عمله، خاصةً إذا كان انخراطه المبالَغ فيه لا يقوده نحو النتائج المرجوة.

ثم صاغ فرودنبرجر تعريفاً آخر للمتلازمة ذاتها في عام 1980 م فوصفها بأنها ((حالة من الإرهاق المزمن والكآبة والإحباط تنتج عن التفاني لقضية ما أو نمط حياة أو علاقة تفشل في تحقيق النتائج المتوقعة وتؤدي في نهاية الأمر إلى انخفاض الانخراط والأداء في العمل)).

وفي هذا السياق قال ((بصفتي محللاً نفسياً وطبيباً ممارساً، أدركت أن الأشخاص في بعض الأحيان يقعون ضحايا للحرائق تماماً مثل المباني، فتحت وطأة التوترات الناتجة عن الحياة في عالمنا المعقد تُستَهلَك مواردهم الداخلية في إطار العمل بفعل النيران، تاركة فقط فراغاً داخلياً هائلاً، حتى وإن بدا الغلاف الخارجي سليماً إلى حد ما)).

ما هي اعراض الاحتراق الوظيفي ؟

تتجلى أبرز اعراض الاحتراق الوظيفي في انخفاض إنتاجية العمل وتراجع الأداء وضعف الكفاءة، بالإضافة إلى تدني الثقة بالنفس وعدم الشعور بالقدرة على تحقيق الأهداف، كما يعاني المصابون بـ الاحتراق الوظيفي من مواجهة صعوبة بالغة في التركيز، الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على بدء مهام العمل، غير قادرين على استئنافها، وغير قادرين على إتمامها وإنهائها، علاوة على ذلك فإن المحترقين وظيفياً سريعو الغضب، كثيرو الانفعال، يميلون إلى العزلة، ولا تفتأ ألسنتهم عن ترديد العبارات الساخرة والانتقادات اللاذعة والأحاديث السلبية.

وإلى جانب ما سبق يعاني المحترقون وظيفياً من عدة مشكلات جسدية كصداع الرأس وآلام المعدة واضطرابات الأمعاء، إضافة إلى معاناتهم من الأرق والتعب العام المستمر وتخاذل الجهاز المناعي.

ما هي أسباب الاحتراق الوظيفي ؟

تعزى أسباب الاحتراق الوظيفي إلى عدة عوامل أهمها ضغط العمل المتزايد والعمل الروتيني الرتيب والشعور بعدم القدرة على الإمساك بزمام الأمور في العمل، بالإضافة إلى عدم الموازنة بين العمل والحياة الشخصية وعدم التطور في المهنة بجانب العمل في بيئة غير مريحة والعمل خارج أوقات الدوام الرسمية أو العمل لساعات إضافية.

ومن العوامل المؤدية إلى الاحتراق الوظيفي أيضاً نشوب الخلافات المستمرة مع الزملاء أو المديرين وطول المدة المستغرقة في رحلة الذهاب والإياب إلى ومن العمل، إضافة إلى غياب التحفيز المادي والمعنوي ووقوع الظلم الوظيفي وعدم الرضا الوظيفي الناتج عن توتر العلاقة مع المديرين وزيادة أعباء العمل وضآلة الأجر الشهري وعدم شغل المكان المناسب.

كما تساهم بعض السمات الشخصية في حدوث الاحتراق المهني، كالرغبة الدائمة في بلوغ الكمال والاتسام بالتشاؤم والاتصاف بالتنافسية الشديدة، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الأفراد المتسمين بالالتزام والتفاني في العمل هم الأكثر عرضة للإصابة بالاحتراق من غيرهم، لذا يصف البعض الاحتراق بأنه ((مرض المقاتل))، أي أنه المرض الذي يستهدف الشخوص المقاتلين.

علاج <yoastmark class=

الاحتراق المهني يبدأ من بيئة العمل غير الآمنة :

أشارت الدكتورة جاسينتا جيمينيز في كتابها الذي يحمل عنوان ((إصلاح الاحتـراق الوظيفـي)) إلى أهمية بيئة العمل الآمنة نفسياً، وأكدت أن الاحتراق المهني يبدأ من بيئة العمل التي تفتقر إلى الأمان، وهي البيئة التي لا يتمكن الموظفون فيها من  التعبير عن أفكارهم مخافة العواقب السلبية، أو التي يشعر فيها الموظفون بالخوف الدائم من الطرد بسبب التلميحات المباشرة أو التلميحات الضمنية فيما يسمى بـ ((الإكراه على إثبات الذات)).

وخلاصة القول أن بيئة العمل التي لا تقدم على مكافأة الموظفين أو معاقبتهم بشكل يتناسب مع قدر الإنجاز أو الخطأ ولا تحقق مبدأ العدل والإنصاف هي بيئة خصبة لحدوث الاحتراق الوظيفي بلا شك، أضف إلى ذلك أن غياب التواصل مع المدير وعدم الحصول على الدعم الكافي منه دلالة واضحة على أن بيئة العمل بيئة قابلة لنشوب الاحتـراق!

وفي هذا السياق توضح الدكتورة كريستينا ماسلاش أن ثمة عوامل يؤدي العبث بها إلى حدوث الاحتراق الوظيفي وهي كالآتي:-

1) عبء العمل.

2) درجة الأمان فيه.

3) الحصول على المكافآت.

4) القدرة على التعبير عن الآراء.

5) درجة الإنصاف.

6) طبيعة القيم في مكان العمل.

ما هي مراحل الاحتراق الوظيفي ؟

لخصت جامعة ولاية وينونا مراحل الاحتراق الوظيفي في المراحل التالية:-

1) مرحلة شهر العسل :

هي المرحلة الأولى، وسميت بشهر العسل لأن الفرد يكون فيها سعيداً بما يقوم به، يشعر بالنشاط والحيوية ويملؤه الرضا الوظيفي، يرغب في الإبداع وإثبات الذات، متحمس جداً للعمل ولا يمانع إن كان الانخراط في العمل سيكون على حساب تخطي وجبة الغداء أو فوات موعد النوم.

2) مرحلة الموازنة :

في هذه المرحلة تفقد الوظيفة بريقها الأول، يقل مستوى التفاؤل الجامح ويتقلص الشعور المفرط بالإيجابية، تتضح الرؤية ويبدأ التوتر، بعض الأيام تكون جيدة وبعضها الآخر سيء فيما يتعلق بضغط العمل.

3) مرحلة الإجهاد الدائم :

في المرحلة الثالثة تتفاقم أعراض الإجهاد المزمن، كما يتفاقم شعور الاستياء وعدم الارتياح تجاه العمل، يبدأ الفرد في إتقان فن اللامبالاة ويعمد إلى شرب المنبهات لتمضية اليوم، يميل إلى العزلة ويغضب بسرعة ويتأخر في الوصول إلى العمل.

4) مرحلة الاحتراق الوظيفي الفعلي :

في هذه المرحلة تكون أعراض الاحتراق الوظيفي واضحة بل حرجة، وهي المرحلة التي يعنيها الجميع حين يتم التحدث عن الاحتراق الوظيفي، عند بلوغ هذه النقطة يصبح من العسير المواصلة بشكل طبيعي، يتم تسويف المهام وتفويت المواعيد مع تزايد الشعور بالخواء الداخلي والرغبة في الهروب من الواقع، تصبح النظرة متشائمة وتقل الثقة بالنفس، كما تظهر الأعراض الجسدية السالف ذكرها.

5) مرحلة الاحتراق الوظيفي الدائم :

لقد صار الشعور بالاحتراق الداخلي جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، تستمر الأعراض دون توقف ويتزايد الاكتئاب وينسى الفرد كيف كانت حياته قبل هذا الشعور.

كيف يمكن علاج الاحتراق الوظيفي ؟

يمكن علاج الاحتراق الوظيفي من خلال القيام بما يلي:-

1) الانفراد بالذات وتحديد أسباب الضغط النفسي في العمل، وفي حال كانت هذه الأسباب متعلقة بمكان العمل فمن الأفضل مناقشة مسئول الموارد البشرية فيها.

2) في حال عدم التجاوب من قِبل مسئول الموارد البشرية مع أسباب الشعور بالضغط في العمل فمن الممكن الانسحاب والبحث عن مكان عمل آخر.

3) الاستجمام من خلال الابتعاد عن العمل ومزاولة الأنشطة التي من شأنها أن تساهم في استعادة الشغف والتخفيف من وطأة الضغط النفسي.

4) أخذ القسط الكافي من النوم والراحة.

5) ترتيب الأولويات وتحديد الوقت اللازم لإنجاز المهام ومحاولة الموازنة بين الحياة الشخصية والحياة المهنية.

6) تحويل التفكير عمداً من الأفكار السلبية إلى الأفكار الإيجابية لتحسين النظرة تجاه العمل.

7) الابتعاد عن مصاصي الطاقة وهم الأفراد السلبيون.

8) التواصل مع المقربين وتكوين الصداقات والتفاعل الإيجابي مع زملاء العمل.

9) المواظبة على ممارسة الرياضة اليومية من خلال المشي لمسافات قصيرة أو مزاولة التدريبات البسيطة.

10) اتباع نمط الغذاء الصحي الغني بأحماض أوميغا 3.

ما أبرز الكتب التي تناولت موضوع الاحتراق الوظيفي ؟

من أبرز الكتب التي تناولت موضوع الاحتـراق الوظيفي كتاب ((الاحتراق النفسي والرضا الوظيفي))، وكتاب ((العلاقة بين الاحتراق الوظيفي والسلوك))، وكتاب ((أثر سلوكيات الصمت التنظيمي على الاحتراق))، وأيضاً كتاب ((الغرور التنظيمي وتأثيره على الاحتراق الوظيفي)).

ما هي مضاعفات الاحتراق المهني ؟

قد يؤدي تجاهل الشعور بالاحتراق إلى مضاعفات خطيرة ضمنها الأرق المزمن ونوبات الغضب الشديدة والإرهاق المستمر، إضافة إلى إدمان المواد المخدرة والإصابة ببعض المشكلات الصحية كداء السكري وارتفاع ضغط الدم.

ما الفرق بين الاحتراق النفسي والاحتراق الوظيفي ؟

يكمن الفرق بين الاحتراق النفسي والاحتراق الوظيفي في أن الاحتراق النفسي يمكن التخلص منه عن طريق اتباع بعض التقنيات التي من شأنها أن تخفف من حدة التوتر، بيد أن الاحتراق الوظيفي لا يمكن التخلص منه إلا عن طريق أخذ عطلة طويلة أو تقليل عدد ساعات العمل.

كيف يمكن تفادي الاحتراق المهني ؟

يمكن تفادي الاحتراق المهني عن طريق ممارسة تمارين التأمل ومزاولة الرياضة يومياً وتنظيم الوقت وتجنب الممارسات الخاطئة، بالإضافة إلى تناول الأطعمة الصحية وأخذ فترات راحة متكررة وقضاء بعض الوقت مع الأهل والأصدقاء، كما يراعى التحدث مع رب العمل بشأن مسببات الضغط لإيجاد الحلول المناسبة.

مواضيع ذات صلة

توت احمرما هي أبرز مميزات و أضرار توت احمر ؟

تعريف التسامحما هو تعريف التسامح الفكري والديني | وفوائده؟