البحتري | أمير شعراء زمانه

شاعر بدوي الهوى، أشعاره سلاسل من التبر، وكلماته كأنها اللؤلؤ المنثور، هو أبو عبادة البحتري الذي فاق الشعراء في عصره فأصبح أميرهم، وفي معاني الكلمات كان أرقهم.

البحتري | تفاصيل حياته

كان البحتري من أبرز الشعراء في عصره، حتى قيل إنه يتساوى مع المتنبي وأبي تمام، ويا لها من مكانة كبيرة قد استطاع  أن يصل إليها وسط باقة هائلة من الشعراء في عصره، وهذا يعود إلى قدرته الشعرية الفذة وإمكانياته العالية في تطويع الكلمات لتكون شعرًا متكاملًا، ويذكر أنه يشبه أبو نواس في عدم تكلفه في الشعر.

ولقد رحل إلى الكثير من البلدان ليلقي بشعره على مسامع الناس وخاصة الأمراء والملوك للحصول على الكثير من الأموال، وقد كان له ذلك، وإليك لمحات بسيطة عن البحتري حياته وشعره pdf :

نسبه:

يٌدعى أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملان بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث الطائي القحطاني، ومن المرجح أنه ولد في عام 204 هـ، وكان ذلك في بلدة منبج التي تقع في مدينة حلب بسوريا.

ولقد كانت بلدة منبج ذات تأثير كبير على البحتري ، حيث تعلق بها وترعرع وسط بساتينها البراقة، ومياهها النقية، وجوها الرائع مما أدى إلى تأثره بهذه الأشياء المذهلة، والتي ظهرت في عذوبة شعره وكلماته الرقيقة وخاصة في شعر المدح خاصته.

صفاته:

كان البحتري موضع جدل كبير بالنسبة للصفات التي اشتهر بها، فمن الناس من يقول بأنه كان بخيلًا، ولم يكن يهتم بنفسه بالإضافة إلى فخره الكبير بشعره حتى اشتهر عنه أنه يُشيد بشعره، ويستغرب إذا لم يجد من يثني على هذا الشعر.

كما اتهمه بعض الناس بحرصه الشديد على الحصول على المال من الخلفاء والأمراء مقابل مدحهم والتملق لهم، وذلك دون أن يحافظ له على مبدأ.

وعلى الجانب الآخر وصفه البعض بالوفاء وخاصة لأولئك الناس الذين ساعدوه وأحسنوا إليه، ولقد مدح كل من محمد بن يوسف الطائي وابنه مدحًا كبيرًا بسبب المودة التي كانت تجمع بينه وبينهما، ثم بعد أن ماتا رثاهما بأفضل ما يكون، وعندما سئل عن هذا أجاب:

“إنما ينبغي أن يكون الرثاء أجود من المدح؛ لأن الرثاء هو صفة للوفاء؛ ولأن المدح الذي يُبتغَى به العطاء والمال يمكن أن يكون جيدًا ويمكن أن يكون رديئًا؛ لأنه صدر عن حاجة، وأما الرثاء فصادق اللهجة، يعبر عن هذا الوفاء وهذا الإخلاص”.

وعلى كل حال، فإنه كان إنسانًا طبيعيًا يحب ويكره، ويوفي أهل الخير حقهم، ولكنه في الوقت ذاته يتطلع إلى الحصول على المال عبر مدح الملوك والحكام، وعندما يجد منهم شرًا يتحول إلى مقتهم وهجائهم.

دور أبي تمام في حياة البحتري الشعرية

كانت بداياته الشعرية ليست بالقوية وإنما بدأت بمدحه للباعة الجائلين وغيرهم من صغار القوم في منبج، وظل هكذا حتى عٌرف بين الناس وأصبح ذا شهرة ومكانة كبيرة، ولما شب تواصل مع أبي تمام في حمص وذهب إليه وأنشده الشعر فأٌعجب به أبو تمام أيما إعجاب، واستبقاه في مجلسه بعد أن انصرف الناس وقال له:

“أنت أحسن من أنشدني، فحدثني عن حالك”.

فعرفه البحتري بنفسه وشكا له من ضيق الحال، فساعده أبو تمام وأوصله إلى معرة النعمان، ومدحه لديهم، وأخبرهم أنه نابغة عصره في الشعر وأوصاهم به، فما كان لهم إلا أن قدروه، وجعلوا له راتبًا كل عام مقداره 4000 درهم.

ومنذ تلك اللحظة و البحتري انتقل إلى مكانة متميزة، فلم يعد ذاك الصبي الذي ينشد الشعر في الطرقات وإنما وصل إلى منزلة مدح الملوك والأمراء مقابل المال فاغتنى وأصبح ثريًا.

ولقد عاش طويًلا ولكنه لم ينس يومًا فضل أبي تمام عليه، حتى أنه عندما وصل له تساؤلات الناس التي تقول: “أيهما أشعر أبو تمام أم البحتري ؟ “، كان رده:

“أبو تمام هو الرئيس والأستاذ، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولا ينفعني أن يقدمني الناس عليه ولا يضره ذلك”.

وظل البحتري وفيًا له، كريمًا يعرف حق معلمه وأستاذه ولا يجهل فضله، ولم يكن يرضى بأن يٌقدمه الناس على أبي تمام مهما حدث.

وبسبب كونهما شاعرين كبيرين فقد قام أبو القاسم الحسن بتأليف كتاب يعرف باسم الموازنة بين أبي تمام والبحتري وفيه مقارنة بين شعر كل منهما.

البحتري شاعر عملاق

أحب الشعر فأحبه، واهتم بالمعاني البدوية التي جعلت منه شاعرًا استثنائيًا، حيث حافظ على أوزان وقوافي القصيدة العربية بالإضافة إلى بناء القصيدة بألفاظه الرقيقة، وإبداعاته الظاهرة في شعر الوصف، حتى استطاع أن يسطر اسمه في مقدمة أشهر الشعراء العرب على مر العصور.

وكان البحتري قديرًا في شعر الغزل، حيث كان ينتقي من الكلمات أرقها، ومن المعاني أجملها، فكان شعر الغزل لديه ثريًا بالعاطفة الجياشة وخاصة في تلك القصائد التي نظمها من أجل حبيبته.

وبالنسبة لـ شعر البحتري في الحكمة، فقد استخدم الكلمات الواضحة، والمعاني السهلة، فلم يكن يستخدم في أشعار الحكمة ألفاظًا معقدة، أما في وصف الطبيعة فقد كان شاعرًا فريدًا استطاع أن يصف الطبيعة بعبارات وألفاظ وكأن الحياة تتحرك داخل كلمات القصيدة.

ما أهم سمات شعر البحتري

يعرف شعره بأنه “سلاسل الذهب” وذلك من شدة حسن شعره، ولقد كان لشعره خصائص ميزته عن غيره، نذكرها فيما يلي:

1) قوة الإحساس: تجلت أحاسيس البحتري في شعره، فقد كان شعره زاخرًا بالكلمات التي تشير إلى الإحساس القوي للشاعر، وهذا ما مكنه من مدح الأمراء والخلفاء بما يحبونه.

2) دقة الوصف: الوصف في شعر البحتري اتسم بالوضوح والدقة، وذلك لأنه كان يكتب أشعاره من خلال وصف ما يراه ويشاهده بأسلوب بديعي يشعر معه القارئ وكأنه يشاهد المنظر أمامه في الحقيقة.

3) رقة اللفظ: لقد اهتم بالكلمات اهتمامًا كبيرًا، وكان يختار أيسرها وأرقها على مسامع الناس، وكانت هذه الألفاظ لينة كحياة الخلفاء في العصر العباسي.

4) التناغم الموسيقي: عني البحتري بعمل إيقاع موسيقي لأشعاره، فاهتم بالموسيقى الداخلية والخارجية لها بالإضافة إلى التنوع بين الصور الجمالية والمحسنات البديعية التي تعمل على إثارة الانتباه ولفت الأنظار.

المقاصد الشعرية في أشعار البحتري

تنوعت الأغراض الشعرية في أشعاره، فعلى الرغم من قدراته الهائلة في المدح إلا أنه لم يقتصر عليه وحده بل تنوعت موضوعاته في الشعر، وإليك تفاصيل الصورة الفنية في شعر البحتري pdf من خلال التعرف على أغراضه الشعرية، وهي كالتالي:

أولًا: المدح

هو أكثر ما تطرق إليه البحتري في الشعر، وكان ذلك في مصلحته، حيث اعتمد على المديح في كسب المال، فهو الغرض الأول في شعره، ومن أجمل أشعاره في المدح ما قاله في المتوكل، وهو:

لي حبيبٌ قد لجَّ في الهجر جدَّا  …….وأعاد الصُّدود منه وأبدَى.

ذو فُنون يريك في كل يوم ……….  خلقًا من جفائه مستجدَّا.

ثانيًا: الغزل

لم تكن أشعاره في الغزل بالقصائد الكبيرة أو الأشعار المستقلة بذاتها، وإنما جاء الغزل في مقدمة قصيدة المدح بالإضافة إلى بعض الأبيات القصيرة، وأجمل أشعار الغزل التي كتبها كانت في حبيبته التي شغفته حبًا، وهي:

سَلامُ اللهِ  كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ …..عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَامًا …..بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام.

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا   ……..أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام.

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي ………بِنَا الهِجرانُ عامًا بَعْدَ عامِ.

أَأَتَّخِذُ العِراقَ هويً ودارًا  ……..ومَن أَهواهُ في أَرضِ الشآم؟

ثالثًا: الوصف

صار البحتري على خطى أبي تمام في الوصف، فأتقن فيه أيما إتقان، فابتعد عن التكلف واستخدام الكلمات المتصنعة، ومن أروع ما قاله في الوصف:

أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً.

مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّمـــا.

وَقَد نَبَّهَ النَوروزُ في غَلَسِ الدُجى.

أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُوَّمـــا.

يُفَتِّقُها بَردُ النَـــدى فَكَأَنّــــــــَهُ

يَبُثُّ حَديثاً كانَ أَمسِ مُكَتَّما

رابعًا: الهجاء

لم يذكر عن شعر البحتري في الهجاء إلا القليل، ولكنه لم يكن على قدر كبير من الجودة والإبداع، وقد أمر ولده بالتخلص من كل ما كتبه في الهجاء.

خامسًا: الرثاء

اهتم بالرثاء وفاءً لمن مدحهم من قبل، ويعتبر مرثيته في “محمد بن يوسف الثغري” من أجود وأبدع شعره في الرثاء، بالإضافة إلى أن رثاءه في المتوكل كان مبدعًا نابعًا من قلبه، فقد كان وفيًا له، وأجمل ما قاله عند موت المتوكل:

تَغَيَّرَ حسنُ الجْعَفَرِيِّ وأُنْسه ……. وقُوِّض بادي الجعفريِّ وحاضرهْ.

تحَمَلَ عنه ساكنوهُ فُجَاءةً ………. فآضت سواءً دُورُه ومقابرُه.

ولم أرَ مثل القَصرِ إذ رِيعَ سِرْبُهُ … وإذ ذُعِرَتْ أطلاؤه وجآذِرْه.

وإذْ صِيحَ فيه بالرّحيل فَهُتِّكَتْ … ….على عجَل أَسْتَارُهُ وستائرُهْ.

إذا نحن زُرْناه أجَدَ لنا الأَسَى ……. وقد كان قبلَ اليوم يُبْهَجُ زائرُهْ.

فأين عميدُ الناسِ في كل نَوْبَةٍ ………تَنُوبُ وناهِي الدهر فيهم وآمرُهْ.

سادسًا: الحكمة

يعتبر شعر أبي عبادة في الحكمة من الأشعار التي ابتعد فيها عن الأساليب المعقدة، حيث استخدم المعاني الشائعة والقريبة من الناس، ومن أشعاره في الحكم:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر  …….. على صفحات الماء وهو رفيع.

ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ………….. على طبقات الجو وهو وضيع.

شرح قصائد البحتري

لقد كانت قصائده من القصائد المتميزة التي بلغت من الجمال ما جعلها في مقدمة القصائد الشعرية التي تغنى بها الناس، وإليك بعض من قصائد البحتري مع الشرح pdf :

قصيدة البحتري في وصف إيوان:-

تدور هذه القصيدة حول وصف إيوان كسرى، وكذلك الجدران بما رٌسم عليها من معارك والتي دارت بين الروم والفرس، وقد ذهب البحتري إلى هناك بعد مقتل المتوكل ليخفف عن نفسه.

وهناك وصف القصور التي كانت شاهدة على الحروب بين الفرس والروم، فصورها بأجمل ما يكون، ووصفها وكأن القارئ يراها أمامه، وقد أظهر في طيات سطور القصيدة تاريخ وعظمة الفرس.

هذه القصيدة تتألف من 65 بيتًا، وقد جاءت على وزن يعرف باسم “البحر الخفيف”، واعتمد فيها الشاعر على قافية السين، وبدأها بشطر صنت نفسي عَمّا يدنس نفسي pdf لكي يبعد نفسه عن أي دنس.

وجاءت مقدمة هذه القصيدة كالتالي:

صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي  …….. وترفَّعْتُ عن جَدَا كلِّ جِبْس.

وتَماسكْتُ حين زَعزَعني الدَّهْـ  …….. ـرُ الْتِماسًا منه لِتَعْسِي وَنَكْسِي .

بُلَغٌ مِن صُبابةِ العيشِ عندي   ……….. طفَّفَتْها الأيامُ تَطفيفَ بَخْسِ .

وبعيدٌ ما بينَ واردِ رَفْهٍ  ……………. عَلَلٍ شُرْبُه ووَارِدِ خِمْسِ.

قصيدته في مدح المتوكل:-

استطاع البحتري في هذه القصيدة أن يمدح المتوكل بأعظم الصفات وأجلها، فقد وصفه بالخلق القويم لدرجة أنه جعله شبيهًا للنبي العدنان، حيث قال فيه:

“وشبيه النبي خلقا وخُلقا ……… ونسيب النبي جدا فجدا”.

وأكمل القصيدة كلها في تملقه ومدحه بأسلوب بديع وكلمات رقراقة، يظن القارئ معها أن المتوكل ليس ببشر، وإنما ملاك يسير على الأرض.

الآثار التي خلفها البحتري

لقد نال البحتري الشهرة الكبيرة بسبب ما قدمه من شعر، ولقد ترك لنا إرثًا أدبيًا مميزًا حٌفظ لوقتنا هذا، وبقيت مكانته الأدبية محفوظة كأفضل شعراء العصر العباسي حتى يومنا هذا، وأول ما ألفه هو ديوان البحتري الذي يعتبر أشهر مؤلفات البحتري التي تركها لنا.

كما ألف كتاب حماسة البحتري والذي جمع فيه تشكيلة مميزة من أشعار العرب، وقد قسم الكتاب تبعًا للمعاني الشعرية، أما كتابه “معاني الشعر” لم يصل لنا غير اسمه.

وفاة البحتري

إن الموت هو الحقيقة التي لا مفر منها، فكل الناس موتى تسير على الأرض حتى يأذن الله تعالى فتٌقبض أرواحهم، ولكن هناك فرق بين من مات جسده وبقيت أعماله وبين من دٌفن جسده ولم يتذكره أحد.

والبحتري قد توارى جسده في التراب عام 284 هـ في بلدة منبج بعد أن تنقل بين الكثير من البلدان، ولكن أشعاره ظلت حية حتى يومنا هذا، لتعبر عنه ويتذكره الناس من خلالها، فهو من أولئك الأشخاص الذين تتحدث عنهم أعمالهم بعد موتهم.

متى وأين ولد البحتري؟

ولد في بلدة منبج بسوريا وكان ذلك في عام 204 هـ.

ما أشهر غرض شعري اشتهر به البحتري؟

لقد قدم أغراضًا شعرية متعددة منها الرثاء والوصف والغزل، إلا أنه تفوق في المدح عن أي غرض آخر.

ما هي أبرز الآراء النقدية في شعر البحتري؟

من أبرز ما قاله النقاد عن شعره هو أنه قام بالحفاظ على الموروث الشعري قبله، وكذلك تجنبه للتعقيد في شعره، بالإضافة إلى أنه قام بالإغارة على بعض أشعار أبي تمام وهذا لم ينكره البحتري.

ما أهم الكتب التي درست أشعار البحتري؟

هناك العديد من الكتب التي تناولت حياته الشعرية ولكن أهمها (كتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، كتاب أخبار البحتري، كتاب في التذوق الجمالي لسينية البحتري).

مواضيع ذات صلة

صفية-بنت-حيي-بن-أخطبصفية بنت حيي بن أخطب | كريمة النسب

الشعراوي | نجم براق في فضاء الدعوة المحمدية