الحطيئة شاعر التناقضات| شاعر المدح والهجاء

الحطيئة

ما أكثر شعراء الجاهلية!، حيث امتلأ المجتمع العربي في العصر الجاهلي بالعديد والعديد من الشعراء، فكان العرب يكتبون الشعر لأهداف كثيرة، ومنها أنهم كانوا يعتبرونه مهنة لجمع المال ولكسب مكانة بين الناس، لكن نحن الآن بصدد شاعر مختلف بعض الشيء عن باقي شعراء عصره، وهو الحطيئة والذي يعتبر من أكثر شعراء الجاهلية إثارة للجدل، سواء من ناحية شعره أو لنسبه الذي اختلف عليه جميع العلماء.

لكن لا يقدر أحد أن ينكر أن أشعاره كانت مميزة عن غيره من الشعراء من حيث التنوع وبلاغته في التعبير، فقد كان ديوان الحطيئة من أشهر الدواوين الشعرية في هذه الفترة، فكان يعتبر منافسًا قويًا لأقرانه، فرغم اختلاف شعر أمية بن أبي الصلت عن طبيعة شعر الحطيئة إلا أن كثيراً من المبارزات الشعرية دارت بينهم.

من هو الحطيئة وما لا تعرفه عن نسبه؟

كعادة العرب كانوا يطلقون على كل فرد لقبًا غير اسمه الحقيقي، ويكون هذا اللقب إما وصف له أو لارتباطه بواقعة ما متعلقة بهذا الشخص، لذلك لم يكن الحطيئة هو اسمه الحقيقي بل كان وصفًا له، لأنه كان قصير القامة، وفي رواية أخرى ذكر أن العرب أطلقوا عليه ذلك لأنه كان سليط اللسان أو لأنه كان سفيهًا، وهناك بعض الأقوال تقول أن السبب وراء تسميته بهذا الاسم أنه كان قبيح الوجه ذو بشرة مائلة للسواد الحبشي.

ولكن اسمه الحقيقي هو جورل بن أوس بن مالك، وأمه كانت جارية تدعى الضراء، وهنا يظهر الجدل، حيث اختلف العرب في أصله ونسبه، إذ كانت أمه تنسبه إما لأوس بن مالك أو للكلب بن كنيس من بني عبس، ولهذا كان يبغض أمه وأبيه ونفسه أيضًا، ولكي نقوم بتحديد نسبه الصحيح فهذا شيءٌ صعب جدًا، لأنه كان ينسب نفسه إلى القبيلة التي يحبها ويرغب بها، لكن إذا كانت هذه القبيلة فعلت ما يغضبه ينكر نسبه إليها ويدعي نسبه لقبيلة أخرى.

صفات في شخصية الحطيئة

كان الحطيئة معروف بين القوم بطمعه وجشعه، وأنه كان لا يحب أن يرى غيره يمتلك أي نعمة أو خير، فكان كثير الحسد والحقد على الآخرين وخاصة أغنياء القوم، كما أن قبح وجهه كان سببًا في كره الناس له، حيث إن معظم الناس كانت تتهرب من التعامل معه.

وقد اشتهر بالبخل إذ كان دنيء النفس، وكان يسب الناس، ويصف مساوئهم أو حتى يفتري عليهم بالباطل، كما كان كثير الحلف عندما يطلب شيء من الناس، لذا ذكر ابن قتيبة أن الحطيئة كان يملك العديد من الصفات والطباع السيئة التي يمقتها الناس.

بماذا اشتهر الحطيئة ؟

كان العرب يحبون الشعر ويقدرون الشعراء، فقد كان الشعراء يتمتعون بمكانة مميزة بين الناس في المجتمع العربي القديم، لأن العرب كانوا يعشقون البلاغة في الكلام، واستخدام الكلمات في الأبيات بطريقة بيانية ساحرة، فكان هناك أنواع كثيرة للشعر منها المديح والهجاء والغزل، هذا الفرع الأخير كان من أشهر شعرائه جميل بن معمر الذي كان يكتب شعره لوصف حبيبته بثينة.

وكان الحطيئة من أولئك الشعراء الذين تعلموا على يد الزهير وهو من أشهر شعراء الجاهلية، حيث كان لا يلقي أشعاره إلا بعد أن يكون قد أتقن حبكتها اللغوية وتعبيراتها الجمالية، ورغم ما اتصف به الحطيئة من مساوئ إلا أن الجميع أقر بأن أشعاره كانت تتميز بالتنظيم وقوة التصوير، حيث انتقل بين أنواع كثيرة من الشعر، فرغم اشتهاره بشعر الهجاء إلا أن أشعاره في المديح لاقت استحسان الكثير.

ديوان الحطيئة

ديوان الحطيئة

رأي أشراف القوم في أشعار الحطيئة

كان كبار وشيوخ القبائل وأشراف العرب يحاولون الابتعاد عن الحطيئة ،وذلك لأنهم كانوا يصفوه بعدم التأدب والفظاعة في التعبير، بسبب قسوة ألفاظه التي كان يكتبها في شعر الهجاء.

حيث إنه كان ينتقي الألفاظ التي تظهر مدى كرهه واشمئزازه من الشخص الذي يقول فيه هذه الأبيات، ويعتبر هجاء الحطيئة pdf  الأشهر على الإطلاق في هذا النوع من الشعر، لذا كان سادة العرب دائمًا يخافون أن يكتب فيهم أبيات يصف فيها مساوئهم.

هل أسلم الحطيئة ؟

كل الروايات تؤكد بأن الحطيئة قد ذهب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وقد ألقى على الرسول الكثير من أشعاره، بل إنه قد  كتب في النبي الكثير من أشعار المديح، حيث كان يرغب في منافسة حسان بن ثابت شاعر الرسول، لكنه ارتد عن الدين الإسلامي بعد وفاة الرسول.

والبعض يظن أن المرتدين قد خرجوا من الإسلام لضعف إيمانهم بالله فقط، لكن الحقيقة أن هناك العديد من التفسيرات والحجج التي برروا بها موقفهم، من حيث إن المسلمين خارج المدينة لم يختاروا أبو بكر الصديق خليفة لهم، لذا رفضوا أن يقدموا ولاء الطاعة لأبي بكر، ولكن التفسير الأكثر منطقية وتطابقًا للواقع أنهم كانوا يتهربون من دفع الزكاة التي فرضها الله عليهم.

وصف الحطيئة لحياة البادية

المعروف عن حياة أولئك الذين يعيشون في البادية، أنها حياة قاسية ويحفها الكثير من المخاطر، ولأن الكثير من العرب قديمًا كانوا يسكنون الصحراء لذا كان الكثير من الشعراء يكتبون أبياتًا وقصائدًا في وصف سكان البادية.

وفي هذا الصدد نجد أن الحطيئة قد وضع بعض الأبيات يصف فيها تصرف أعرابي تجاه ضيف نزل عنده، وقد مدح في كرمه وحسن ضيافته، حيث كتب في حق هذا الشخص قصيدة يقول فيها وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل شرح فيه مدى إعجابه به.

وكانت هذه القصيدة التي كتبها الحطيئة من أكثر القصائد شهرةً بين العرب، بل إن الكثير من النقاد والأدباء في عصرنا الحالي، اعتبروا هذه القصيدة هي البداية الحقيقة لقسم من الشعر يطلق عليه فن القصص الشعري، وهذا النوع يتمثل في سرد قصة أو حكاية ما في شكل أبيات شعرية متناسقة، وتفرع من هذا النوع فيما بعد المسرحيات الشعرية.

مقارنة بين أشهر شعراء الهجاء والمديح في العصر الجاهلي

كان هناك منافسة بين الشعراء العرب تشبه منافسة الفرسان في ساحة الحرب، فكان سوق عكاظ  هو الساحة الذي كان يتبارز فيها الشعراء باستخدام سلاح الشعر، ومن أبرز هؤلاء عدي بن ربيعة الذي كان لشعره طبيعة خاصة تختلف عن غيره.

ويعتبر الحطيئة والفرزدق من أشهر هؤلاء الشعراء، حيث كان لهما صيت كبير بين الناس، وكثيرًا ما فازوا بالمعارك الشعرية التي دارت مع منافسيهما، ومثلما اشتهر الحطيئة بإلقاء شعر الهجاء كان أيضا الفرزدق له مكانة مميزة في هذا النوع  من الشعر، بجانب أن كلاهما تفوقا في شعر المديح.

لكن المختلف بين الحطيئة والفرزدق من ناحية الشعر أن الأخير كان من زعماء قبيلته لذا كان يكثر من كتابة القصائد التي يتفاخر فيها بنسبه وقبيلته، وهذا ما افتقده الآخر، حيث إنه كان لأم جارية ولا يعرف بالتحديد من هو أبه وما هي قبيلته، وهذا ما جعله يكتب قصائد لهجاء أمه وأبيه بل إنه كتب أبياتًا لهجاء نفسه.

ومن يقرأ أشعار الحطيئة يجد أن قد يكون متناقضًا في بعض الأحيان، فقد يمدح شخصًا في بادئ الأمر ولكن إن غضب منه يذكر في شعره مساوئ قد لا تكون فيه، وهذا إن يدل على شيء فيدل على مدى ازدواجية تفكيره، ومدى ارتباط أشعاره وقصائده بأهوائه وبمصالحه الشخصية.

فصل النهاية في حياة الحطيئة

عند وفاة الحطيئة تجمع الناس لديه وسألوه عن وصيته وعما يريد قبل الموت، فرد عليهم بقوله ” ويل للشعر من رواية السوء”، وهذا يعني أنه كان لا يريد أن يكتب الشعر من هم ليسوا أهلًا له،وبدأ بعدها في ذكر أفضل الشعراء من وجهة نظره، منهم  الشماخ من قبيلة غطفان الذي اعتبره من أفضل مَن كتبوا الشعر في العرب.

لكن أصر الناس عليه بأن يوصي بشيء آخر لكنه ذكر شعراء آخرين ومدح فيهم مثل الضابئ وامرؤ القيس، فتعجب الناس منه كيف له أن يكون على فراش الموت ويفكر في الشعر والشعراء فانفض الناس من حوله ولم يتبق إلا القليل منهم، فقال له صاحبه بماذا تنصح الفقراء قال الإلحاح في الطلب، لكن الغريب عندما أوصاهم بأكل مال اليتيم والزواج من أمهاتهم.

لماذا اتجه الحطيئة لكتابة شعر الهجاء؟

لأنه كان يكره والدته ووالده وبدأ في هجائهما، ثم اتجه بعد ذلك لهجاء من يغضبه أو من لا تعجبه أفكاره.

ما هي علاقة الحطيئة بالإسلام ؟

قام بالذهاب إلى الرسول وأعلن إسلامه، لكن بعد أن مات الرسول انضم إلى المرتدين هربًا من دفع الزكاة.

من هي أمه وما هي طبيعة البيئة التي نشأ بها؟

كانت أمه جارية تسمى الضراء، وكانت أمه لا تريد أن تصرح له بهوية والده الحقيقي لذا نشأ في داخله كره لأبويه.

ما هي وصية الحطيئة عند موته؟

أوصى بأكل مال اليتيم والزواج من الأمهات، كما ذكر أفضل الشعراء من كل قبيلة حسب رأيه الخاص وأوصي بإخبار قبائلهم بذلك.

مواضيع ذات صلة

خليل مطرانخليل مطران | شاعر القطرين ورائد حركة التجديد في الشعر

أبو سعيد الخدريأبو سعيد الخدري | مَن وقف صامدًا بوجه الأباطيل