الشعراوي | نجم براق في فضاء الدعوة المحمدية

الدين بحر واسع، يلزمه غواصًا ماهرًا، يستخرج منه الدرر ليرسلها إلى عقول البشر، وها هو الشعراوي ذو العلم الزاخر والتفسير الباهر لكتاب رب البرية، جاء ليغوص في كلمات القرآن فاستخرج منها معظم الأسرار فأصبح بحق إمام الأخيار.

لم يكن الشعراوي بالعالم الديني فقط، بل كان إمامًا مجددًا، وعلمُا مرفوعًا من أجل خدمة الدين، فتمكن من الوصول إلى القلوب الميتة فأحياها، وإلى العقول المظلمة فأنارها، فانطبق عليه قول نبينا “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

الشعراوي | إمام الدعاة والمجددين في العصر الحديث

الشعراوي هو عظيم من عظماء الإسلام، وعلم من أعلام الدعوة إلى رب البرية، قدم حياته على طبق من ذهب في خدمة الإسلام والمسلمين في شتى بقاع الأرض، لم يكن هو بالعالم البسيط الذي ينقل العلم فقط، بل كان عالمًا واعيًا عمل على نشر العلم بأسلوب فريد من نوعه، بحيث تعيه القلوب التي ابتعدت عن ربها، والعقول التي خيم عليها الظلام، فتعلقت به القلوب، وفهمت منه العقول، فكان إمام الدعاة والمجددين، وهو في ذلك يشبه الغزالي في عصره.

ومن المعروف أن نشأة الإنسان لها تأثير كبير على مراحل حياته، وإليك أهم التفاصيل عن حياة الشعراوي :

مولده ونشأته:

يدعى محمد متولي الشعراوي ، وقد ولد في قرية دقادوس بمركز ميت غمر التابع لمحافظة الدقهلية، وكان ذلك في عام 1911 م، اهتم به والداه منذ الصغر، فحرص أبوه على تعليمه القرآن الكريم منذ نعومة أظافره حتى يشب على كتاب الله جلا في علاه.

فذهب الشعراوي إلى كُتاب القرية لحفظ القرآن الكريم، وبالفعل قد حفظه وأتقنه في عمر الحادية عشرة، وفي عام 1922 ألحقه أبوه بالأزهر الشريف، فالتحق بمعهد الزقازيق الابتدائي.

وبعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية التحق بالمرحلة الإعدادية ثم الثانوية، وفي أثناء تعليمه اهتم باللغة العربية ودراستها بشكل متعمق، وكذلك الأدب والشعر، فكان يحفظ الكثير من الأشعار وخاصة قصائد أحمد شوقي.

وكان الشعراوي منذ الصغر وهو سمح الوجه، يحبه كل من يراه، ولهذا فقد ظفر بمكانة كبيرة وسط زملائه، فاختاروه رئيساً لاتحاد الطلاب.

نقطة فارقة في حياة الشعراوي:

يظل فضل الوالدين على الإنسان عظيمًا، فمهما فعل من أجلهما فلن يوفي لهما حقًا، ولن يرد لهما جميلًا، ووالد محمد متولي الشعراوي كان له الفضل فيما وصل إليه، ليس فقط بسبب تربيته له، بل إصراره على أن يحصل ولده على أفضل تعليم، فقرر أن يرسله إلى الأزهر الشريف بالقاهرة، فرفض الشعراوي هذا الأمر بسبب حبه وتعلقه بقريته، ورغبته في أن يبقى مع إخوته من أجل زراعة الأرض.

ومع تصميم والده لم يجد الشعراوي مفرًا إلا أن يذهب إلى القاهرة، ولكنه قام بحيلة لعل والده يتراجع عن هذا الأمر، فطلب منه أن يشتري له كتب في التفسير، واللغة العربية، وعلوم القرآن، والحديث النبوي، وكان هذا الطلب من أجل تعجيز والده لكي يلغي فكرة السفر إلى القاهرة.

ولكن والده فطن إلى هذه الحيلة، وأخبره بأنه يعرف أن هذه الكتب ليست من الكتب المطلوبة في الأزهر الشريف إلا أنه سيشتريها له من أجل أن يحصل على أكبر قدر ممكن من العلوم.

وكان هذا الأمر بمثابة نقطة التحول التي حدثت للشعراوي، إذ خجل من نفسه، ولكنه قام بتحصيل العلم من هذه الكتب حتى استطاع أن يحصل على الكثير من العلوم في سن صغير.

زواج الشعراوي:

تزوج الشعراوي وهو في الثانوية العامة وذلك بناء على رغبة أبيه الذي رأى أن الزواج سيعصمه من فتن القاهرة، فاختار له زوجة من قريته والتي كانت بنت إمام المسجد، وقد وافق على اختيار أبيه، وتم الزواج الذي أسفر عن إنجاب 3 من الذكور وهم سامي وعبد الرحيم وأحمد، وبنتين وهما فاطمة وصالحة.

حياته العلمية والعملية:

تخرج الشعراوي من الأزهر الشريف في عام 1940، فتم تعيينه في المعهد الديني بطنطا كمدرس، ثم انتقل إلى المعهد الديني بمدينة الزقازيق، وبعد فترة عمل في المعهد الديني بالإسكندرية، وبعد أن حصل على خبرة واسعة وذاع صيته، انتقل إلى السعودية في بعثة عمل، حيث شغل منصب أستاذًا للشريعة في جامعة أم القرى.

وعندما حدثت أزمة بين الرئيس عبد الناصر وبين المملكة العربية السعودية، عاد مرة ثانية إلى مصر، وقام بالذهاب إلى عدة بلدان منها الجزائر وذلك لنشر الدعوة الإسلامية، وظل حياته كلها ينشر دين الله حتى موته.

خواطر إيمانية في تفسير سور القرآن الكريم

كان للشعراوي بعض الخواطر في تفسير القرآن الكريم، حيث عمد إلى تفسير القرآن الكريم بأسلوب بسيط دون تعقيد، فكان رحمة الله عليه يفسر كتاب الله تعالى وكأنه يعيد الحياة للحروف، فيسمع منه الإنسان وكأنه يرى الكلمات وهي تتحرك معبرة عن نفسها، مما يؤدي إلى الفهم والاستيعاب دون مجهود كبير.

ولقد كان تفسير سورة البقرة كاملة للشعراوي مكتوبة من أجّل ما قام به الشعراوي، فقد فسر سورة البقرة كاملة، ورد من خلالها على الكثير من القضايا التي أثيرت في وقته.

كما أن تفسير الشعراوي يعد من المراجع التي يعتمد عليها الكثير من العلماء وطلاب العلم، فقد أنعم الله عليه بنعمة الفهم والبصيرة لكي يفسر كتاب الله بأسلوب ممتع يصل إلى كل العقول، فكان كل من يستمع إليه يشعر وكأن ايات السكينه تملأ قلبه وعقله.

ومن غرائب الشيخ الشعراوي التي يرويها أنه توقف يومًا ما عند تفسير آية قرآنية فلم يستطع أن يتعرف على المعنى الصحيح لها، ولكن بعد فترة جاءه التفسير الصحيح من خلال رجل دخل عليه هو وشيخه المسجد، وقد استعجب الشعراوي وشيخه بسبب عدم معرفتهما به من قبل.

آراء الشعراوي في بعض المواضيع الدينية الشائكة

لقد كان الشعراوي رجلًا بحق، لا يخشى في الله لومة لائم، لذلك كانت كل آرائه الدينية نابعة من فهمه ووعيه بالدين الإسلامي، لا يتأثر بشخص ولا حاكم، ويذكر أن رأي الشيخ الشعراوي في فوائد البنوك كان يميل إلى التحريم، فقد رأى أن هذه الفوائد إنما هي من قبيل الربا المحرم شرعًا، ولذلك فقد قام بتأسيس أول بنك إسلامي في مصر.

بالنسبة لـ حكم الصلاة النارية الشعراوي فإن دار الإفتاء ترى أن هذه الصلاة ليست بدعة، وأنها من المجربات التي تتحقق معها الأمنيات، ويتساءل البعض هل الزواج نصيب أم اختيار للشيخ الشعراوي ؟ فمن المعروف أن الزواج إنما هو رزق من الله تعالى، وأن الرزق بيد الله، ولكن على الإنسان أن يسعى ويجتهد ويترك الأمر لله وحده.

الشعراوي ونقل مقام إبراهيم

عندما كان الشعراوي يعمل في المملكة العربية السعودية، علم أن المملكة تنوي نقل مقال إبراهيم للتوسعة عن الناس، فنهض الشعراوي وكأن أمرًا عظيمًا قد ألم به، فذهب إلى المسئولين في المملكة العربية السعودية ووضح لهم أن هذا القرار خاطئ، ولكن لم يستمع إليه أحد، وقد أصر عليه أصحابه أن يبتعد عن هذا الأمر حتى لا يحدث له مكروه، ولكنه لم ينتبه إلى كلامهم.

وقد قام بإرسال برقية مكونة من 5 صفحات إلى ملك السعودية، وأخبره بوجهة نظره، وأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يفعله بشر وذلك لأن النبي مكلف ومأمور من ربه.

وقد قام الملك سعود بجمع عدد من العلماء ليخبرهم بالأمر، وبالفعل اتضحت صحة قراره، فتراجع الملك عن قرار نقل مقام إبراهيم، كما أرسل له ليجد لهم حلًا لتوسعة المكان.

فكان رأي الشعراوي أن يتم وضع الحجر في زجاج غير قابل للكسر، بدلًا من المقام القديم، وبالفعل تم هذا الأمر، وهذا الموقف يبين أن الشعراوي لم يكن ليسكت عن الحق كما لم يصمت الإمام احمد بن حنبل عنه في زمانه.

لقاء إمام الدعاة بأمير الشعراء

كان الشعراوي يحب الشعر حبًا جمًا وخاصة أشعار احمد شوقي المميزة، فقد كان والده يعطيه المال مقابل حفظ قصائده، وقد حزن الإمام وغضب من الأبيات الشعرية التي كتبها شوقي بعد انتهاء شهر رمضان الكريم والتي قال فيها:

رَمَضانُ وَلّي هاتِها يا ساقي .. مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ.

ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها ….. وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ.

اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها …… إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواق.

الأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ …. وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ.

ذهب الشعراوي إليه بعد أن حصل على ميعاد منه بواسطة أحد الأصدقاء، وعندما قابل شوقي، عبر له عن انزعاجه وضيقه بما يقول فما كان من شوقي إلا أن يرد عليه بالآية التالية:

” أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ”، فقال الشعراوي له لقد أفحمتنا.

أهم المناصب التي تقلدها إمام المجددين

تقلد الشعراوي العديد من المناصب الهامة ويرجع ذلك إلى شعور الجميع بقيمته العلمية والدينية، وأنه أهل لأي منصب، ومن أهم المناصب التي تولاها:

1) عمل مدرسًا بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز.

2) وكيل معهد طنطا الأزهري سنة 1960م.

3) مدير للدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف.

4) مفتش للعلوم العربية بالأزهر الشريف.

5) مدير مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر بعد عودته من السعودية.

6) رئيس بعثة الأزهر في الجزائر.

7) رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز.

8) وزير الأوقاف المصرية وشئون الأزهر.

9) عضو بمجمع البحوث الإسلامية.

10) عضو في مجلس الشورى بجمهورية مصر العربية.

تراث مضيء خلفه الشعراوي

كان الشعراوي موسوعة علمية تتنقل وسط الناس، فكان عقله يزخر بالعلم، وقلبه واعيًا بالأحكام الشرعية، وقد ترك لنا إرثًا دينيًا وعلميًا أصبح مرجعًا لكل من يفكر في تعلم أمور دينه، ومن أشهر كتب الشيخ الشعراوي :

ــ كتاب خواطر الشعراوي .

ــ الإنسان الكامل محمد صلى الله عليه وسلم.

ــ الآيات الكونية ودلالتها على وجود الله تعالى.

ــ أحكام الصلاة.

ــ عذاب النار وأهوال يوم القيامة.

ــ قصص الأنبياء.

ــ على مائدة الفكر الإسلامي.

ــ الحصن الحصين.

ــ الإسلام والمرأة، عقيدة ومنهج.

ــ حفاوة المسلمين بميلاد خير المرسلين.

ــ جامع البيان في العبادات والأحكام.

ــ الفقه الإسلامي الميسر وأدلته الشرعية.

ــ وصايا الرسول.

وفاة شارح القرآن

يقول الله تعالى في كتابه العزيز “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ”، وهذا هو الوعد الحق الذي سيقع على كل خلق الله عز وجل، وها هو الموت قد طرق أبواب إمام الدعاء وشيخ المفسرين وحجة الدين، فانتقل  إلى الملك الحق عن عمر ناهز 87، وذلك بعد بضع سنوات من المرض.

متى ولد الشعراوي ومتى توفي؟

ولد في 15 إبريل من عام 1911م، وقد انتقل إلى رحمة الله في عام 1998م.

هل رأى الشعراوي النبي صلى الله عليه وسلم؟

لقد أكد محمد متولي الشعراوي على أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وكان معه نفر من الصحابة، وكانت هذه الرؤية في مسجد كبير.

ما هو دعاء الشعراوي لفك السحر ؟

الدعاء هو: ((اللهم إنك أقدرت بعض عبادك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لذاتك بإذن الضر، فأعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه بحق قولك الكريم: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله)).

هل أتم الشعراوي تفسير القرآن الكريم كله؟

لا، لم يقم بتفسيره كله، فقد وقف عند تفسير سورة الحشر، حيث توفي قبل أن يكمل شرحه كله.

مواضيع ذات صلة

أبي حنيفة النعمانالإمام أبي حنيفة النعمان | أيقونة الشجاعة بوجه الطغيان

قصة خالد بن الوليدقصة خالد بن الوليد وسر عزل بن الخطاب له