العنف ضد المرأة | ظاهرة يجب بترها من جذورها

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “استوصوا بالنساء خيرا”، كانت هذه الوصية بمثابة حصن الأمان الذي استندت عليه المرأة، إلا أن ناهبي الحقوق وكارهي النساء أبوا إلا أن يضربوا بها عرض الحائط، ويجعلوا من العنف ضد المرأة آلية لإشباع رغباتهم الانتقامية، وإظهارًا لرجولتهم الوهمية، فانصاعوا إلى الخطابات الشاذة التي تحاول السيطرة على المرأة، وإحجام دورها، وجعلها لعبة في أيدي ناقصي المروءة، فهل ستظل المرأة على مر التاريخ تتعرض للعنف أم أنها ستتحول إلى وحش كاسر يدمر الأخضر واليابس؟! فقديما قالوا “الشيء إن زاد عن حده انقلب إلى ضده”، هذا ما ستوضحه الأيام!

إحصائيات توضح مدى العنف ضد المرأة

قبل أن نتطرق إلى تعريف العنف ضد المرأة يجب أن نشير إلى الإحصائيات التي تبين مدى العنف الذي تتعرض له النساء في شتى البلاد، فقد أكدت التقارير التي قامت بها منظمة الصحة العالمية إن حوالي ثلث النساء تعانين من العنف، أي إن ما يقرب من 736 مليون امرأة تتعرضن لعنف جسدي أو جنسي، وهذا عدد مخيف للغاية.

والجدير بالذكر أن أكثر الأشخاص الذين يؤذون المرأة هم في الأساس أقاربها بداية من الشريك مرورًا بالأب والأخ وصولًا إلى الذكور الأقارب، وكأن استعمال القوة ضد المرأة يشبع غريزتهم الحيوانية في السيطرة والتحكم.

وتؤكد الدراسات أن تعنيف المرأة يؤثر فيها بشكل كبير حيث يمنعها من ممارسة حياتها بالطريقة الطبيعية، بالإضافة إلى أن الأطفال الذين تنجبهم نساء تعرضن للعنف يكون وزنهم أقل من المعدل الطبيعي، وهذا بنسبة 16%.

أشكال وصور العـنف ضد المرأة

العنف ضد المرأة هو انتهاك بَيّن يتكرر بشكل مستمر ومتزايد، حيث يعد كالوباء الذي ليس له علاج، فهو واحد من أشكال العنصرية البغيضة التي تواجها النساء، وتتباين أشكال العنف ضد المرأة كالتالي:

أولًا: العنف الجسدي

يعد أكثر أشكال التعنيف الذي يُمارس ضد النساء والمنتشر بين المجتمعات، ويشير إلى الاعتماد على القوة الجسدية لإلحاق أذى بالمرأة حيث الضرب باليد أو القدم، أو استخدام آلة للإضرار بجسدها.

ثانيًا:  العنف اللفظي

هذا النوع من العنف يعتمد على الاستهزاء بالمرأة والتقليل منها سواء كانت وحدها أو مع أشخاص، كما يشمل سبها وتوجيه كلمات بذيئة إليها.

ثالثًا: العنف العاطفي والنفسي

يعد العنف النفسي والعاطفي نتيجة طبيعية للعنف الجسدي، حيث تتأثر المرأة نفسيًا بكل ما يحدث لها، ويؤدي ذلك إلى تقليل الثقة بذاتها، والحد من قدراتها، كما يؤدي هذا النوع من العنف إلى إصابتها بالاكتئاب والأمراض النفسية المستعصية.

رابعًا: العنف الجنسي

هو عبارة عن الأفعال التي تتعرض لها المرأة وتكون ذات طبيعة جنسية، ومن هذه الأفعال: (التحرش الجنسي، الاستدراج بالقوة، كلمات جنسية بذيئة، الاغتصاب) وغير ذلك من الأفعال التي تُجبر عليها المرأة بهدف تحقيق متعة زائفة من المُعنف، ويعد هذا الشكل من أبرز مظاهر العنف الذي لا تستطيع المرأة إثباته أو التحدث بشأنه وذلك بسبب الموروثات الثقافية التي توجه اللوم للضحية وتجعل منها مجرمة.

خامسًا: العنف الاقتصادي

يعد أشد صور العنف ضد المرأة وعادة ما تتعرض له المرأة من قبل الزوج، حيث يسعى إلى غلق الموارد المالية التي تتمكن المرأة عن طريقها من امتلاك المال، إما عن طريق منعها من العمل أو حرمانها من مالها أو الاستحواذ على ممتلكاتها بحجة أنها غير قادرة على التصرف.

كما يمكن أن تتعرض المرأة للعنف الاقتصادي من أرباب الأعمال حيث يتم إسناد العمل إليها مقابل أجر زهيد للغاية دون مراعاة للظروف الاقتصادية، حيث يستغلون حاجتها ورغبتها في التكسب، ويجعلونها تتحمل أعباء العمل دون أجر مناسب، بل هناك بعض أرباب العمل الذين يسندون إليها أعمالًا إضافية بنفس الراتب.

أي أن هؤلاء الذين يملكون وسائل الإنتاج كل ما يهمهم هو تحقيق المكاسب المادية دون توفير حد أدنى للمعيشة حيث تغرهم الدنيا فيأكلون حقوق عمالهم ويظنون في أنفسهم أنهم يتفضلون عليهم، وكأنهم تناسوا قول الله عز وجل في كتابه الكريم: “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ”.

6) العنف الأسري:

تتعرض الفتاة إلى العنف الأسري رغبة من الأسرة في فرض سيطرتها عليها، ومنعها من ممارسة بعض السلوكيات الخاطئة من وجهة نظر المجتمع حتى لو كانت من الناحية الدينية صحيحة، حيث يسعى عدد من الآباء إلى منع الفتاة من الخروج أو الدراسة حتى لا تجلب لهم العار كما في بعض الأسر المتخلفة.

وفي حال رغبة الفتاة في التحرر من القيود الأسرية ومزاولة حقها الشرعي فإنها تتعرض للإيذاء اللفظي والجسدي وفي بعض الأوقات تتعرض للقتل كما حدث في بعض البلدان.

عوامل وأسباب تعرض النساء للعنف

يعد تعنيف النساء إشكالية كبيرة تتزايد بمرور الزمن وليس العكس، وبما أن لكل شيء سببًا فإن العنف ضد النساء له عوامل ومسببات كثيرة تؤججه، وفيما يلي بيان لأبرز أسباب العنف ضد المرأة بالتفصيل:

1) التقليد: قد يتعرض المُعنف إلى الإيذاء البدني في مرحلة الطفولة أو قد يشاهد مشاهد عنيفة في أسرته (تعنيف الأب للأم) فيشب وهو يظن أن هذا الأمر شيء عادي، لذا يتعامل مع النساء بعد ذلك وخاصة زوجته من منطلق أن أمر تعنيفهم شيء طبيعي.

2) العادات والتقاليد: هناك بعض العادات والموروثات الثقافية الرجعية التي تنظر إلى المرأة على أنها كائن بلا حقوق وليس لها الحق في أن تعترض، لذا يتم التعامل معها بمنتهى العنف، وإذا شعرت بالإهانة من هذا العنف فيكون الرد عليها أنها هي من أجبرت الجاني على ذلك، وتعد هذه العادات من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى العنف ضد المرأة في المجتمع العربي على وجه الخصوص.

3) قلة الموارد الاقتصادية: فالذكور الذين لا يملكون أموالًا أو فرص عمل آدمية هم أكثر من يتعرض للمرأة بالعنف.

4) عدم وجود عقوبة رادعة: من يتعرض للمرأة بالعنف إذا شعر أنه فوق القانون وأنه لا وجود لأي عقوبة سوف ينالها سيتمادى في تعنيفه إياها، لذا يجب وجود قوانين توضح عقوبة العنف ضد المرأة بالتفصيل حتى لا تكون المرأة فريسة لمن لا دين له ولا أخلاق.

5) انخفاض المستوى التعليمي: يعمل العلم على إنارة العقول لذا فإن الإنسان الذي لم يتعلم سوف تظل نظرته إلى المرأة على أنها بلا قيمة، لذا سيكون العنف تجاهها أمر طبيعي ولن ينكره بل سيقوم هو به، بالإضافة إلى أن عدم تعليم المرأة سوف يجعلها تتحمل العنف دون أي اعتراض.

الآثار المترتبة على تعنيف المرأة

هناك الكثير من الآثار التي تترتب على انتشار العنف ضد المرأة والاستهانة به، وتظهر هذه الآثار على كل المستويات كما يلي:

أولًا: أثر العنف ضد المرأة على نفسها

تتأثر المرأة من الناحية الجسدية بالعنف ضدها، حيث تعاني من كدمات نتيجة للضرب، وقد يصل الأمر إلى إعاقة دائمة، كما أنها أكثر عرضة للمرض نتيجة تدمير جهاز المناعة لديها بسبب المعاناة من العنف، فتصبح عرضة للأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر وآلام الظهر وغيرها.

ومن الناحية النفسية؛ فإن العنف يؤدي إلى إصابتها بالأزمات النفسية الخطيرة مثل الاكتئاب الحاد، وقد يتطور الأمر إلى عدم قدرتها على ممارسة أي عمل سواء داخل الأسرة أو خارجها بسبب سوء حالتها النفسية.

ثانيًا: آثار العنف ضد النساء على الأسرة

تعد الأسرة هي الأكثر تأثرا بالعنف ضد النساء، وذلك لأن المرأة في هذا الوقت تنظر إلى نفسها على أنها بلا قيمة فتهمل واجباتها الأسرية مما يتسبب في التفكك الأسري حيث تدمير الأسرة وتشتيت شملها.

كما ينعكس هذا العنف بشكل مباشر على الأطفال حيث يكبرون في جو يسوده التوتر وقلة الاحترام وبالتالي سوف يكونون أكثر عرضة للأمراض النفسية.

ثالثًا: آثار تعنيف المرأة على المجتمع

كل ما يحدث للمرأة من تعنيف سواء داخل الأسرة أو خارجها سوف ينعكس سلبيًا على المجتمع، أولًا من الناحية الاقتصادية سوف يعاني المجتمع والدولة من مشاكل اقتصادية من جراء العنف بداية من العلاج الذي يٌقدم إليها وصولًا إلى عدم قدرة المرأة على العمل وبالتالي فقد جزء كبير من العمالة.

ومن الناحية الاجتماعية سوف ينتشر العنف على المستوى العام وبين الأفراد، مما يؤدي إلى اختلال التوازن الأخلاقي داخل المجتمع وبالتالي تنتشر الجرائم، ثم إن خروج الأطفال من أسر تعاني فيها الأم من العنف سوف يجعلهم غير أسوياء، وهذا سيترك تأثيره المدمر على فئات المجتمع ككل.

كيفية حماية المرأة من العنف

مخطئ من يظن أن تعنيف النساء سوف يمر مرور الكرام، بل سيترك آثارًا مدمرة عليها وعلى المجتمع بأسره، لذلك يجب مواجهته والحد منه، والعثور على أساليب صحيحة توضح كيفية القضاء على العنف ضد المرأة بشكل نهائي.

ويبدأ علاج العنف ضد المرأة بالتربية السليمة للأطفال وتعليمهم أن للمرأة دورًا فعالًا في المجتمع، وهي تعد عنصر رئيسي فيه، حتى ينموا الأطفال وفي داخلهم احترام للمرأة وعدم تهميش لدورها.

وبعد ذلك مواجهة العادات والتقاليد البالية والرجعية -التي تجعل من المرأة وسيلة لإشباع الرغبات ليس إلا- بكل حزم، والعمل على إظهار خطأ هذه العادات وتوضيح مساوئها من كل الجوانب، والتأكيد على أن الجاني لا بد من أن يُعاقب، ولا يتم تقديم تبريرات لما يقوم به من عنف مهما حدث.

وفي النهاية يبقى القانون حلًا أساسيًا في التخلص من العـنف ضد الـمرأة وذلك عن طريق التشريعات والقوانين الرادعة والحازمة التي تعاقب المعنف بمنتهى القسوة، “فمن أمن العقوبة أساء الأدب”، ويجب أن تكون القوانين مُطبقة على الجميع دون تمييز وهذا ما أشارت إليه اتفاقية سيداو عند حديثها عن قوانين حماية المرأة.

العـنف ضد الـمرأة | رأي الدين

قال محمد رسول الله “اتقوا الله في الضعيفين: المرأة واليتيم فإنكم مسئولون عنهما وإن الله عز وجل سائلكم عنهما يوم القيامة، فمن أحسن إليهما نال من الله الرحمة والرضوان، ومن أساء إليهما استوجب سخط الله تعالى”.

وفي هذا الحديث بيان بأن الله تعالى ونبيه قد كُرمت المرأة بأمرهما، وأن الإسلام أعطى للمرأة كل حقوقها، وحرم إيذائها وتعنيفها أيا كان السبب، بل جعل التعدي عليها جريمة منكرة يجب مواجهته وعقوبة مرتكبها، لذلك فإن حكم العنف ضد المرأة في دين الإسلام حرام شرعًا.

ما معنى تعنيف المرأة؟

هو القيام بأي فعل أو قول من شأنه أن يؤذي المرأة نفسيًا أو جسديًا ويحط من مكانتها ويجعلها مسخة أمام الآخرين.

كيف يؤثر تعنيف النساء على المجتمع؟

يؤدي إلى الشعور بعدم الاستقرار، وزيادة معدلات التشرد والجريمة، وذلك لأن العنف ضد النساء يجعل المرأة تهمل دورها أسريًا.

ما هي صور العنف ضد النساء بإيجاز؟

يعد كل من (العنف الاقتصادي والنفسي والجسدي والجنسي) من أبرز أشكال العنف الذي تتعرض له المرأة.

هل للعادات دور في نشر العنف ضد النساء؟

نعم بالتأكيد، فالعادات والتقاليد المتخلفة تجعل تعنيف المرأة ظاهرة طبيعية ولا يحق للمرأة أن تشتكي منه.

مواضيع ذات صلة

الاسقاط النجميما هو الاسقاط النجمي | وما هي فوائده وأضراره؟

سر مثلث برمودة مقبرة الاطلنطيأسرار وحوادث مثلث برمودة المرعب | والتفسير العلمي له