الغزالي | حجة الإسلام وإمام الأئمة

الغزالي

عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي، إمام مجدد أخذ على عاتقه تجديد التراث الديني، عبقرية فريدة من نوعها، حجة الإسلام، إنه أبو حامد الغزالي الذي بزغ نوره وسط بيئة يعمها الجهل والفقر، فاستطاع أن يسطر لنفسه تاريخًا ما زلنا إلى الآن نتحدث عنه، ومهما اختلف الناس في نظرتهم إليه ستظل الأقلام تُدون ما فعله، وستبقى العقول متأثرة بفكره، فجزاه الله عنا خير الجزاء.

نبذة عن الغزالي

إنه أبو حامد محمد الغزالي الطوسي، ينتمي إلى المذهب الشافعي، يعد واحدًا من أشهر علماء العصر الخامس الهجري، بل هو أشهرهم وأعلمهم، وكان يدين بمذهب الأشاعرة في العقيدة.

لم يكن الغزالي بالعالم الذي يدرس العلم فقط بل كان عالمًا مجددًا يدرس كل شيء بتعمق حتى يستطيع أن يدافع عن هذا العلم، ولم يكن ليناظر في أي مجال إلا وهو على علم وتعمق في هذا المجال.

لازم الغزالي الكثير من العلماء حتى أخذ منهم العلم الوفير وخاصة أبا المعالي الجويني الذي يعرف باسم “إمام الحرمين”، وقد أخذ منه غالبية العلوم.

سافر الغزالي إلى العديد من الأماكن والبلدان، وقد ذاع صيته في كل بلد دخله، حتى عرف باسم محجة الدين والعالم الأوحد وشرف الأئمة، وكان الإمام تقيًا كـ عبدالله بن عمر وقويًا في دين الله كأبي بكر.

 نشأة الغزالي ومدى تأثيرها عليه

ولد الغزالي في عام 450 هـ في الطابران، وقد ولد لأسرة فقيرة الحال حيث كان يعمل والده في غزل الصوف ولهذا عرف باسم الغزالي ، كان هو الابن الأكبر لأبيه وله أخ يصغره في العمر يسمى أحمد.

كان أبو الغزالي يميل للصوفية يحضر مجالس العلم ويتعلم منهم، وكان دائمًا ما يقوم بخدمتهم، وكان يدعو الله في كل وقت أن يرزقه ابنًا فقيهًا وعالمًا، وكان له ما أراد غير أنه مات قبل أن يرى الغزالي وهو فقيه مشهور في الأمصار.

وعلى الرغم من فقر أبيه إلا أنه كان يجتهد في تعليمه هو وأخيه ويحرص على الإنفاق عليهما، وعندما اقترب موته أوصى صديقًا له باستكمال تعليمهما حتى لو أنفق كل المال الذي تركه لهما، وبالفعل نفذ الصديق وصيته إلا أن الأموال التي تركها لهما قد نفذت ولم يستطع صديقه الإنفاق عليهما حيث إنه فقير هو الآخر.

ولكن الصديق نصحهما بالذهاب إلى إحدى مدارس العلم، فهناك يعطون لطلبة العلم قوتًا يعينهما على استكمال دراستهما، وبالفعل نفذا الأمر مما أدى إلى علو شأنهما.

 رحلة شاقة في طلب العلم

بدأ الغزالي رحلة علم منذ الصبا حيث تعلم الفقه في طوس من الشيخ أحمد الراذكاني، بعد ذلك ذهب إلى جرجان وأخذ العلم من الشيخ الإسماعيلي وهناك كتب التعليقة التي ظل يدرسها لمدة 3 سنوات حتى حفظها عن ظهر قلب.

وبعد ذلك سافر إلى نيسابور ولازم إمام الشافعية في هذا الوقت وهو أبو المعالي الجويني، فتعلم منه الفقه وأصوله بالإضافة إلى علم الكلام والمنطق، وكان الغزالي ذكيًا مجتهدًا فبرع في تلك العلوم وأتقنها لدرجة أن الجويني وصفه بأنه “بحر مغدق”.

ويذكر أن الغزالي كاد أن يضيع علمه كله، حيث إنه تعرض للسرقة أثناء رجوعه من جرجان، فخرج عليه اللصوص وأخذوا منه تعليقته، ولكنه تتبعهم وناشدهم بالله أن يردوا عليه تعليقته ففعلوا.

بزوغ شمس الغزالي

بعد موت الشيخ أبي المعالي الجويني سافر الغزالي إلى نيسابور قاصدًا وزير الدولة هناك، فاستقبله وأجلسه في مجلسه الذي كان به الكثير من العلماء، فبدأ الغزالي في مناظرتهم وتغلب عليهم مما أدى إلى أنهم اعترفوا بحجته وقوة بيانه، فعرض الوزير عليه التدريس في المدرسة النظامية في بغداد ومنها نشر الفقه الشافعي.

وبدأت قصة الإمام الغزالي في نشر العلم من بغداد، حيث ذاع صيته منذ تدريسه في المدرسة النظامية، فكان لكلامه تأثير واضح على عقول الناس، وكانت فصاحته وبلاغته تؤثر القلوب والعقول فأقبل الكثير من الناس على مجلس علمه، وأتى إليه طلاب العلم من كل مكان فذاع صيته وزادت شهرته.

ويذكر أن قصته في العلم تشبة قصة عمر بن الخطاب حيث إن بداية كل منهما كانت على خطأ ثم بعد ذلك الرجوع إلى الحق،حيث إن الغزالي قد تبنى أفكارًا خاطئة في بدايته تراجع عنها فيما بعد.

قصة الإمام الغزالي

قصة الإمام الغزالي

رد الغزالي على الفرق المخالفة

لم يكن أبو حامد الغزالي بالعالم المنعزل عن الناس، بل كان يسمع لهم ويرد على كل الآراء التي يرى أنها فاسدة، حيث تصدى الغزالي بقوة إلى أفكار الباطنية وهاجمهم بشدة وهم في عز قوتهم وبأسهم لدرجة أنهم اغتالوا الوزير نظام الملك، ولم يكن الغزالي بالجبان الذي يترك أرض المعركة فلم يرتعش له جفن وظل على مهاجمتهم والتشكيك في أفكارهم وفضحهم أمام الخلق.

ولم يتوقف الغزالي عند حد مناقشة الفكر بالفكر في الخطب والدروس العلمية، ولكنه ألف فيهم كتبًا توضح مدى ضلالهم وبعدهم عن الحق، فألف كلا من “فضائح الباطنية، قواصم الباطنية، حجة الحق”، وكان منهجه في الرد على المخالفين يشبه منهج احمد بن حنبل في تعامله هو الآخر مع من يخالفه.

الفلسفة من منظور الغزالي

لم يكن الغزالي بالعالم الذي يشكك في العلوم الأخرى بمجرد الحديث عنها، بل كان فقيهًا متميزا لا يشكك في شيء إلا بعد التعمق في دراسته، وكان ذلك الوقت يشهد انتشارًا كبيرًا في علم الفلسفة فتأثر بها الكثير من النبهاء وطلاب العلم مما أدى  إلى التشكيك في الدين الإسلامي وازداد الأمر حتى وصل إلى الأخلاق فانحلت، وإلى العقول ففسدت.

فتصدى لهم الإمام بكل شراسة حتى أنه ألف فيهم كتابًا يعرف باسم “مقاصد الفلاسفة”، فوضح فيه منهجهم، وفضح فسادهم، ودحض حجتهم، وبيّن للناس أنهم بمختلف أصنافهم يميلون إلى الإلحاد والكفر.

لم يكن كلام الإمام بالكلام المرسل وإنما كان بناءً على علم وفكر، حيث إنه حلل الفلسفة بشكل علمي، فقد قسم الفلاسفة إلى أقسام وحكم على كل قسم بما يقتضيه الأمر، فكان بذلك أول عالم ديني يغوص في أعماق الفلسفة ويواجههم بفكرهم.

وكان دائمًا ما يردد أن العالم لا ينبغي أن يدخل في نقاش إلا بعد دراسة عميقة للمجال الخاص بالمناقشة والمناظرة فكان يقول:

((ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه)).

عزلة طويلة لتزكية النفس

في عام 488 هـ أراد الغزالي أن يعزل نفسه عن كل شيء، فسافر إلى دمشق بغير علم الخليفة آنذاك وذلك لأنه تخوف من فكرة رفض الخليفة ومنعه من السفر، فبقي في دمشق لمدة عامين اختلى فيها بنفسه وعمل على تزكيتها متأثرًا بقوله تعالى “قد أفلح من زكاها”، وكانت ايات السكينه دائمًا ما تملأ قلبه في عزلته.

اعتكف الإمام في مسجد دمشق، وكان كثير الجلوس في زاوية الشيخ نصر بالمسجد الأموي، ثم سافر إلى القدس وهناك اعتكف في المسجد الأقصى، وجلس هناك فترة من الوقت، ثم ذهب إلى الحج ومنه عاد إلى بغداد، وبذلك قضى فترة اعتكاف بلغت 11 عامًا، فكانت فترة خير عليه وعلى الأمة الإسلامية كلها حيث ألف كتاب احياء علوم الدين والذي يعد أعظم الكتب الإسلامية.

أهم كتب ومؤلفات الغزالي

يوجد عدد من المؤلفات والكتب التي ألفها إمام الأئمة في الفقه وأصول الدين وغيرهما، وإليك أهم مؤلفاته:

1ـ كتاب إحياء علوم الدين.

2ـ المعارف العقلية ولباب الحكمة الإلهية.

3ـ الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة.

4ـ كتاب حقيقة القرآن.

5ـ كتاب الأربعين في أصول الدين.

6ـ كتاب المنقذ من الضلال .

وهناك بعض الأشخاص الذين يظنون أن فقه السيرة للغزالي وكتاب جدد حياتك من كتب الإمام أبي حامد الغزالي، ولكن هذا الأمر خاطئ حيث إن هذه الكتب هي من كتب محمد الغزالي الذي ولد في مصر.

وفاة إمام أئمة الدين

لم تدم الدنيا لأحد ولو دامت لكان رسول الله حيًا وباقيًا، هكذا حال الدنيا وهكذا حال الناس فيها، عندما يأتي الأجل ينتقل الإنسان إلى جوار ربه، وفي عام 518 هـ انتقل أبو حامد محمد إلى جوار ربه بعد أن قضى عمرًا طويلًا في خدمة الإسلام، فقد جاد بعمره ووقته وماله من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.

متى ولد الإمام الغزالي؟

ولد ببلدة طوس في عام 450 هجريًا.

ما هي أجمل أقوال الغزالي؟

تعد مقولة ((الحرية مع الألم أكرم من العبودية مع السعادة)) هي أجمل ما قاله.

هل تعرض الغزالي للمدح والقدح؟

بكل تأكيد، فهو بشر يصيب ويخطئ، فمن ضمن قول العلماء في الغزالي إنه كان بارعًا وفقيهًا ليس له مثيل، وبعضهم من انتقده لقلة علمه في علم الحديث.

ما رأي الغزالي في الفلسفة؟

بعد دراسته للمناهج الفلسفية والتعمق فيها وضح أن هذا المنهج به الكثير من الضلال والخداع وتلبيس الباطل ثوب الحق.

 

 

مواضيع ذات صلة

انيس-منصورانيس منصور | صاحب النظرة الفلسفية الفريدة

يوسف السباعييوسف السباعي | فارس الرومانسية وجبرتي عصره