فهم القضاء والقدر | بين الإيمان والعقل

القضاء والقدر

منذ بداية الزمان، ونحن نسأل أنفسنا: ما هو القضاء والقدر ؟ هذان مفهومان يحاصران حياتنا ويثيران مشاعر عميقة في أعماق قلوبنا، إنهما اللبنة الأساسية في بنية حياتنا، والغموض الذي يحيط بهما يجعلنا نبحث باستمرار عن الإجابات.

في لحظات الفرح والحزن، في أوقات النجاح والفشل، نلجأ إلى الله ونقول: “قدر الله وما شاء فعل”، ولكن هل نعرف حقاً معنى هذه العبارة؟ هل نعرف كيف تتداخل الأقدار والأقضية في حياتنا وما أنواع القضاء والقدر ؟ بل هل يمكن لـ دعاء القضاء والقدر أن يغيرهما؟ هذا ما سنسرده في طيات سطورنا القادمة.

ما مفهوم القضاء والقدر ؟

يعد القضاء والقدر من المفاهيم الأساسية في الإسلام ، وهما من الأسئلة التي تراود قلوب المسلمين في كل الأوقات لاسيما عند وقوع أحداث يصعب على العقل البشري تفسيرها والتعامل معها، ويمكن تعريف الأقدار والقضاء تبعًا للعلماء كالتالي:

يشير القضاء إلى ما قضى به رب العزة سبحانه وتعالى من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وأنه معلوم عند الله تعالى في الأزل، بينما يرمز القدر إلى وجود الخلائق تبعًا لهذا القضاء، أي أنه يمكن القول إن القضاء هو الحكم الكلي بينما القدر حدوث الجزيئات لتلك الكليات.

وقال الجرجاني في “التعريفات”: (القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدا بعد واحد، مطابقا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال)، أما الأصفهاني فيقول: (والقضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع).

ويرى عدد من العلماء أنهما يأتيان بمعنى واحد في حال الافتراق، فإن تمت الإشارة إليهما في جملة واحدة فيكون لكل منهما معنى مغاير، وسواء كان القدر والقضاء مختلفين في المعنى أو متشابهين فإنهما من أسس الإيمان ويجب التصديق بهما.

ما هو الفرق بين القـضاء والـقدر؟

بعد أن تطرقنا إلى مفهوم الأقضية والأقدار يجب أن نشير إلى الفرق بين القضاء والقدر بشكل مفصل، وهو كالتالي:

أولًا: القضاء

القضاء يشير إلى القرارات والأحكام التي يتخذها الله بناءً على حكمته وعلمه الكامل، إنه القوة الإلهية التي تحكم وتدير الأمور في الكون.

يشمل القضاء الأمور الكبيرة والصغيرة، مثل وقوع حوادث وأحداث كبرى أو قرارات شخصية تتعلق بالأفراد، كما يعبر عن فهم الإرادة الكاملة لله والسلطة النهائية التي يمتلكها في توجيه الأحداث.

ثانيًا: القدر

القدر يشير إلى المصير والنتائج التي حددها الله مسبقًا لكل شيء وكل شخص، إنه يعبر عن مسار الحياة وما سيحدث للفرد في المستقبل، كما يمكن تصور القدر كمجموعة من الأحداث والمواقف التي تكون محددة بشكل مسبق، مثل وقت ومكان الميلاد والوفاة والأحداث الهامة في الحياة، ويعكس مفهوم القدر الإيمان بأن الله لديه خطة محددة لكل إنسان وأن كل ما يحدث له هدف ومعنى.

وإجمالًا فإن القضاء يشير إلى القوة الإلهية التي تدير الأمور وتتخذ القرارات، بينما القدر يعبر عن المصير والنتائج التي حددها الله مسبقًا.

أنواع  القضاء والقدر

أنواع القضاء والقدر

ما أنواع القضاء في الإسلام؟

يوجد نوعان من القضاء كما تمت الإشارة إليهما في كتب اصول الفقه وهما:

القضاء المبرم: وهو ذاك القدر الأزلي الذي لا يمكن تغييره وهو الذي وضعه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض في اللوح المحفوظ، والشاهد على ذلك قوله تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ).

القضاء المعلق: هو ذلك القضاء الذي يمكن أن يُبدل ويتغير تبعًا لمراد الله تعالى، وهو الذي تنسخه الملائكة حيث يٌكتب لديهم أنه في حال دعا شخص بشيء ما فإن قدره سيتغير أما إذا لم يدع فيبقى على وضعه، وليس هناك أي تعارض بين القضاء المعلق والمبرم كما يزعم بعض الناس إذا إن المبرم هو ما يعلمه الله تعالى والمعلق هو ما يكون عند الملائكة.

مراتب الإيمان بالقدر عند فقهاء الإسلام

يقول الله تعالى: (إن كل شيء خلقناه بقدر)، ومن هذا المنطلق يمكن التطرق إلى مراتب القدر ابن عثيمين كما عرفها هو وفقهاء المذاهب الأربعة وهي أربع:

1) العلم: وهذا يرمز إلى أن الله تعالى قد علم ما سيقوم به الخلق منذ ولادتهم وحتى موتهم.

2) الكتابة: قد دون الله تعالى كل أفعال ومقادير الخلق في اللوح المحفوظ.

3) المشيئة: الكون كله في يد الله يقلبه كيفما شاء، وأن ما شاء الله سيكون وما لم يشأ لم يكن.

4) الخلق والتكوين: وفي هذا إشارة إلى أن الله قد خلق كل شيء وأنه لا يوجد في الكون شيء لم يأذن الله بوجوده.

أثر القـضاء والقـدر على الإنسان

القضاء والقدر لهما تأثير كبير على الحياة اليومية للأفراد في العديد من الجوانب، وفيما يلي فوائد الايمان بالقـضاء والـقدر بشكل مفصل:

1) الراحة النفسية والسلام الداخلي: إيمان الشخص بالأقدار يمكن أن يوفر له الراحة النفسية والسلام الداخلي عند مواجهة الصعاب والتحديات، ثم إن الشعور بأن الأمور تحدث بمشيئة الله يمكن أن يساعد في التعامل مع التوترات والضغوط الحياتية بشكل سليم.

2) الثقة والتفاؤل: الاعتقاد بالأقدار والأقضية يمكن أن يساعد الأفراد على تطوير الثقة بأنهم يعيشون وفقًا لخطة إلهية وأن هناك حكمة خلف كل ما يحدث، وهذا يمكن أن يزيد من التفاؤل والإيجابية في الحياة.

3) الاستسلام للأمور الصعبة: عندما يواجه الإنسان الصعوبات في الحياة، فإن إيمانه بالأقدار يُمكنه من قبول ما يحدث بسهولة أكبر والبحث عن حلٍ بديلٍ من التشاؤم.

4) التعاطف والعطاء: الإيمان بالأقدار يمكن أن يشجع الأفراد على مساعدة الآخرين ومشاركتهم في الخير والعطاء، وإذا كانوا يعتقدون أنهم جزء من تدبير الله في هذا العالم، فإن ذلك يدفعهم إلى العمل الخيري والمساهمة في مجتمعهم.

5) التحفيز للتطور الشخصي: قد يشجع الإيمان بالأقدار الأفراد على التعامل مع التحديات كفرص للنمو والتطور الشخصي، فإذا كانوا يعتقدون أن الله يضع أمامهم اختبارات لتطويرهم، فقد يكون لديهم حافز إضافي للعمل على تحسين أنفسهم.

بشكل عام، فالأقضية والأقدار لهم تأثير كبير على العقلية والسلوك الشخصي، ويمكن أن يساهموا في توجيه الحياة اليومية نحو السعادة والسلام.

الجدل حول الأقدار والأقضية

الجدل حول الأقدار والأقضية

الجدل القائم حول الـقضاء والـقدر

الجدل حول مفهوم القضاء والقدر هو موضوع دائم الاستمرار في العديد من الأديان والفلسفات، يشمل هذا الجدل العديد من الجوانب، منها:

القـضاء والـقدر مقابل حرية الإنسان:

بعض الأشخاص يعارضون الفكرة القائلة بأن الله قد قرر كل شيء مسبقًا، مشيرين إلى أن ذلك يقلل من حرية الإنسان ودوره في اتخاذ القرارات، بينما يرى آخرون أن الإيمان بالقضاء والقدر يمنح الإنسان الاطمئنان والثقة في أن هناك إرادة إلهية توجه الأمور وتوفر الهدوء في الصعاب.

الأقدار والعدالة:

يطرح بعض الأفراد تساؤلات حول العدالة فيما يتعلق بـ القضاء والقدر ، خصوصًا عندما تحدث أحداث غير عادلة أو مؤلمة لهم، يثير هذا الجدل تساؤلات حول كيفية توافق مفهوم الله العادل مع بعض الأحداث الظاهرة غير العادلة والصعبة.

الأقضية والأقدار والمسؤولية الإنسانية:

هل يمكن للإنسان تبرير أفعاله السيئة باللجوء إلى القضاء والقدر ؟ هل يمكن للإنسان تجنب المسؤولية الشخصية لهذا السبب؟ هناك بعض الناس يعتمدون على أن القضاء والقدر من عند الله تعالى لذا لا دخل لهم بما يقومون به من أفعال، وأنه لا تجب مساءلتهم عندما يقومون بأمور سيئة، لأن ردهم في هذه الحالة بأن هذا هو قضاء الله وقدره.

لكن يجب أن يكون هناك توازن بين الإيمان بالقدر والقضاء وبين المسؤولية الشخصية، حيث إنهما لا يعنيان أن الإنسان غير مسؤول عن تصرفاته.

التأثير على العبادة والسلوك:

الإيمان بالأقضية والأقدار يمكن أن يؤثر على كيفية عبادة الأفراد وسلوكهم، فمن الممكن أن يشجعهم على الاستسلام والصبر في مواجهة الصعاب، بينما على الجانب الآخر قد يساعدهم على اتخاذ القرارات اليومية بطريقة صحيحة.

بشكل عام، الجدل حول القضاء والقدر يعكس التوتر بين الإيمان والمنطق، وهو موضوع معقد يثير تساؤلات حول العديد من الجوانب الروحية والأخلاقية والفلسفية في حياة الإنسان.

ما هي أشكال الإيمان بالقضاء والقدر؟

الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره يتضمن قبول الشخص بأن الله هو المسؤول النهائي عن كل ما يحدث في العالم، سواء كان خيرًا أو شرًا، يعني ذلك أن الشخص يؤمن بأن الله هو الذي يقرر مصير الأمور والأفراد والأحداث بحكمته وعلمه الكامل، وأنه لا يمكن لأحد تجاوز إرادة الله، وإليك بعض أشكال الإيمان بالأقضية والأقدار:

1) الإيمان التام (الإيمان القاطع): يتمثل في قبول القضاء والقدر بمطلق الثقة والرضى، فالشخص الذي يمتلك هذا النوع من الإيمان يؤمن بأن كل ما يحدث في العالم هو بقضاء الله وقدره بلا شك ولا تردد، إنه يقبل بسرية الله فيما يكون ويتصرف بثقة تامة في حياته.

2) الإيمان الجزئي (الإيمان المشكوك فيه): في هذا الشكل من الإيمان، يؤمن الشخص بالأقدار، ولكن بدرجة أقل من الإيمان التام، حيث يمكن أن يشعر بالشك أو الارتباك في بعض الأحيان بشأن الأمور التي تحدث وربما يتساءل عن السبب والغرض منها.

3) الإيمان المشروط (الإيمان بالشروط): في هذا النوع من الإيمان، يكون الإيمان بـ القضاء والقدر مشروطًا بوجود ظروف معينة أو بمسببات وعوامل محددة، فالشخص يمكن أن يؤمن بالقدر إذا كانت الأمور تجري وفقًا لما يتوقعه أو يفهمه، وقد يكون متشككًا في القضاء والقدر إذا واجه تحديات أو صعوبات.

4) الإيمان الجزئي (الإيمان الضعيف): في هذا النوع من الإيمان، يكون الإيمان بالأقضية والأقدار ضعيفًا ومتقطعًا، فالإنسان يمكن أن يشعر بالارتباك والشك بشكل كبير فيما يتعلق بالقضاء والقدر، وقد يكون غير متأكد من الإيمان به.

الأحاديث القدسية والنبوية عن القضاء والقدر

يوجد عدة أحاديث نبوية وقدسية أشارت إلى القضاء والقدر وهي كالتالي:

يقول الله تعالى في حديث قدسي عن القضاء والقدر محدثًا عباده: (يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا).

قال محمد رسول الله  -صلى الله عليه وسلم-: (ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة).

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء).

هل الدعاء يغير القضاء والقدر؟

يستطيع الدعاء تغيير قدر الإنسان إذا كان من الأقدار المعلقة، أما إذا كان من ضمن الأقدار المبرمة فلا يمكن تغييرها.

هل الإيمان بالأقدار والأقضية يعفي الإنسان من مسؤولية أفعاله؟

لا بالطبع، فالإيمان بقضاء الله وقدره لا يعني أن الإنسان لا يُسأل عما يفعل فالإنسان ليس مجبرًا على أفعاله وإنما تأتي أقدار الله في إطار علمه الأزلي.

هل يختلف الإيمان بالأقضية والأقدار من إنسان لآخر؟

نعم بالتأكيد، يختلف الإيمان بالقضاء والقدر من شخص لآخر فهناك من ألهمه الله بالإيمان والتسليم التام لكل أقداره، ومن الناس من يؤمن بالقدر تبعًا لأحواله إن كان خيرًا سعد وإن كان شرًا اعترض على قضاء الله.

ما أنواع القضاء في الإسلام؟

يوجد في الإسلام نوعين من القضاء، الأول هو القضاء المبرم والثاني هو المعلق.

مواضيع ذات صلة

غزوة ذات الرقاعغزوة ذات الرقاع | حقائق تاريخية وأثرها العظيم في الإسلام

زيارة المريضما هو فضل ودعاء زيارة المريض | وما هي آداب الزيارة؟