تذوق جماليات قصيدة المتنبي يمدح سيف الدولة

المتنبي يمدح سيف الدولة

علي قدرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ وتأتي علي قدر الكِرامِ المكارمُ؛ أكاد أزعم بأن هذا البيت طرق علي أذنك كثيرًا ولكنك تجهل أنه شطر من قصيدة كاملة للشاعر المتنبي يمدح سيف الدولة حيث كان مُعجبًا بدهائه يود التقرب منه.

عرض أبو الطيب المتنبي قصيدة تُمثل النضج الفني الذي وصل إليه في مرحلته الثانية وكان مطلعها ” علي قدر أهل العزم تأتي العزائم” وعرضها علي البحر الطويل، ولقد ابدى فيها مدى تمكنه من استخدام الأدوات الشعرية والتلاعب بالألفاظ التي تُعبر عن روحه وتطلعاته السياسية.

في هذه القصيدة يُعبر المتنبي عن مجده الذي وجده يتحقق عن طريق الممدوح بعد أن أغمض له الحظ عينه وعجز عن تحقيق ما يصبو إليه وهذا ما دفعه لنهج طريق المدح في قصيدة زاخرة بمجموعة من القيم الشعرية ذات مستوى عالي إذ تفيض بظواهر التفرد والإبداع.

قبل أن نغوص في بحر أعماق القصيدة أكثر وأكثر ونتعرف علي حلاوة وجمال المُحسنات البديعية والألفاظ التي تم استثمارها بشكل صحيح وموزون في كل بيت عندما قرر المتنبي يمدح سيف الدولة ألا ينبغي أن نتعرف اولاً على من هو المتنبي؟

نبذة عن المتنبي

هو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي كان مولده عام 303هـ في مدينة الكوفة ومن المتعارف عليه أن الكوفة والبصرة في هذه الفترة شهدت ثورة حضارية عظيمة في مختلف المجالات وبالأخص في مجال الأدب والبلاغة والعلوم عامة فكانت تُعرف بموطن الحضارة العباسية.

ولقد نشأ المتنبي في الكوفة يستسقي العلم منها ويغترف بيده بعزم واجتهاد حتي ذاع صيته في القرن العاشر الميلادي وبدأ يُعبر عما يختلج في نفسه من مشاعر سواء كانت حزن أو فرح أو اعتزاز بالنفس في أبيات منثورة كما قال يومًا “الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ”

كان المتنبي يعيش في اضطراب كبير نظرًا لكثرة المآسي التي مر بها في حياته بداية من فقر والده ووفاة والدته منذ كان صغيرًا الي انتقاله للعيش عند جدته التي كانت تثأر لوفاة والدته منه مما جعل كل ذلك يظهر في أشعاره.

أما بالنسبة للاسم فلقد شاع أنه قام بادعاء النبوة و تم سجنه في ذلك الوقت عام 322هـ، وقد اشتهر عنه مدخه للأمراء خلفاء الدولة العباسية كما قام المتنبي يمدح سيف الدولة ، ولقد قُتل المُتنبي عند هجاء رجلاً يُسمي “ضبة”.

ما هي أسباب ارتقاء الشعر في بلاط سيف الدولة ؟

أغلب الأمراء و الخلفاء في تلك الفترة كانوا يعشقون الشعر وعادة ما يقوم الأمراء العباسيين بتقريب مجموعة من الشعراء لهم حتي يعملون علي مدحهم والإشادة بصفاتهم المُختلفة ولكي يشنون علي أعدائهم حملات هجومية بالأبيات.

كما أن هناك مجموعة من العوامل الخاصة التي كان لها فضل كبير في جعل بلاط سيف الدولة الحمداني الملتقى الذي يجتمع فيه الشعراء والأدباء وذلك من خلال ما يلي:-

1-     شخصية سيف الدولة:- كان سيف الدولة ينتمي لأسرة ذات تاريخ أصيل في الدولة العباسية ومن المتعارف في هذا الوقت انتشار المجالس فتربى علي حب الشعر والأدب.

2-     طبيعة حلب:- عرفت حلب بطبيعتها الخلابة التي تستوطن القلب وتبعث السعادة في الروح ولا يوجد أي شك علي أن الشعراء يبحثون عن المناظر الخلابة لتمدهم بالعاطفة اللازمة وهذا ما جعل حلب مستوطنًا للشعراء.

3-     نشأة سيف الدولة:- تربي سيف الدولة علي حب العلوم والأدب والثقافة حيث سعي والده الي تأديبه علي يد أبرز الأساتذة، وأصبح عاشقًا للشعر والعلوم الفلسفية منذ نعومة أظافره ولعل انعكس ذلك علي شخصيته.

4-     كرم سيف الدولية:- في تلك الفترة كان الشعراء يكتسبون من الشعر حيث يذهبون للأمراء والخلفاء ويتقربون منهم حتي ينعموا بالعطايا، وكان سيف الدولة مشهور عنه الكرم الشديد الذي شمل كل من حوله حتي أخذ الجميع يتسارعون للتقرب منه.

المتنبي يمدح سيف الدولة

 كان أبو الطيب المُتنبي يسمع عن سيف الدولة قبل أن يلتقيه ويتعرف عليه وكان شديد الإعجاب بخصاله ومحاسنه التي انتشرت حتي خارج حلب التي كان يتولى أمرها نظرًا لأنه مؤسس هذه الولاية، تمكن المتنبي من الدخول الي بلاط سيف الدولة وأصبح من أهم الشعراء المادحين له.

ولعل المناسبة التي جعلت المتنبي يمدح سيف الدولة  نتيجة لخروج سيف الدولة بجيش كبير الي قلعة تُسمي “الحدث” حيث وقعت هذه القلعة تحت سطوة الرومان، وتمكن سيف الدولة تحريرها من قبضة الرومان حتي بات يُطلق عليها البعض “الحدث الأحمر” نتيجة لتلوينها بدماء الروم.

فور معرفة أبو الطيب بما فعله سيف الدولة وجنوده من شجاعة وبسالة أخذ يتغنى بـ قصيدة المتنبي يمدح سيف الدولة التي خلدها التاريخ بسطور من ذهب وياقوت حيث يقول فيها:-

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ

وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ

وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها

 وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ

يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ

 وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ

 وَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه

 وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِمُ
أخذ أبو الطيب ينشد الأبيات وحدًا تلو الأخر وهو يمدح بطولة سيف الدولة الحمداني في قصيدة حماسية تجعل قارئها ينتقل الي ساحة المعركة وكأنه كان يُقاتل بينهم وذلك يدل علي براعة المتنبي التي مكنته من خلق صور خيالية تصور أدق التفاصيل التي تحدث في ساحة المعركة مثلما قال:-

هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لوْنَها

وَتَعْلَمُ أيُّ السّاقِيَيْنِ الغَمَائِمُ

 سَقَتْها الغَمَامُ الغُرُّ قَبْلَ نُزُولِهِ

فَلَمّا دَنَا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ

بَنَاهَا فأعْلى وَالقَنَا يَقْرَعُ القَنَا

وَمَوْجُ المَنَايَا حَوْلَها مُتَلاطِمُ

اشتغل ابو الطيب كثير من قواعد اللغة العربية بمنتهي التمكن والقوة في وصف الملحمة التي قادها سيف الدولة علي الرومان بشكل دقيق حيث بدى كل شيء متكامل بداية من الألفاظ الحماسية و متانة التركيب والجمل و براعة المحسنات والأخيلة وظهر ذلك حينما قال المتنبي يمدح سيف الدولة هذه الابيات التالية:-

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ

كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ

 تَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً

وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ

ضَمَمْتَ جَناحَيهِمْ على القلبِ ضَمّةً

تَمُوتُ الخَوَافي تحتَها وَالقَوَادِمُ

وَمَنْ طَلَبَ الفَتْحَ الجَليلَ فإنّمَا

مَفاتِيحُهُ البِيضُ الخِفافُ الصّوَارِمُ
امتلك أبو الطيب المتنبي كل العناصر الشعرية التي منها نستهل علي براعته والنضج الذي وصل إليه في هذه الفترة ولقد سارت القصيدة بشكل مُتسلسل منطقي وجميع أبياتها مترابطة كالعقد.

عندما نقوم بـ شرح قصيدة المتنبي يمدح سيف الدولة لكل امرئ نجد أن هذه القصيدة علي قدر كبير من الإبداع والتفرد فهي من أبرز القصائد التي قالها في مرحلته الثانية من مرحلة نضجه الفني –كما سبق واشرنا- ما جعله قادرا علي احتواء جميع المقومات الشعرية.

وهذا يأخذنا الي موضوع آخر يجب أن نتطرق له وهو توافر وحدة الوزن والقافية في هذه القصيدة؛ فالوزن لم يأت به بشيء جديد فكان علي نظير البحور الطويلة التي توافرت بها قدرًا كافيًا من حرية الشاعر.

أما عن القافية فانظر إليها بعين ناقدًا ستجد أنها تمثلت في ميزان صرفي لامثيل له قادر علي التعبير، وكل جزء به مقصودًا وفي موضعه الصحيح في إشادة لتناسب الشكل والجوهر في قصيدة المتنبي يمدح سيف الدولة الخالدة.

مواضيع ذات صلة

مواضيع تهمك

تذوق جماليات قصيدة المتنبي يمدح سيف الدولة