بدر شاكر السياب : حياته واستعراضٌ خفيفٌ لأهمّ قصائده

بدر شاكر السياب

ما أجمل الحياة حين تنظرُ إليها من عيونِ الشعراءِ، إنّها ممتلئة بالحدائِقِ والغيومِ والسَّماء الزرقاء! وما أحزنها أيضًا حين تتتفكَّرُ فيها من عقلِ الشعراءِ، ستجد الظمأ والهجير والغربة والمنفى، هكذا قلبُ بدر شاكر السياب يعجُّ بالحياة والموت، بالاصفرار والاخضرار، هذا الشاعر الذي ألهم أجيالًا وأجيالًا وبقت قصائده خالدة حتَّى الآن.

البداية والنشأة

ولد بدر شاكر السيابِ في العراقِ وتحديدًا في قرية جيكورِ سنة 1926، هذه القرية الصغيرة ضمن محافظة البصرة، كانت وحيدة وضيئلة فعدد سكانها آنذاك لم يكن أكثر من خمسمائة نسمة، تمتدُّ في الخضَارِ والمساحات الشاسعة من الحقولِ وعلى جوانبِها بيوتٌ من الطّين مصفوفة، وهذا الجو الشاعري الخلاب هو من أمد السياب بشاعريته المعروفة في كلّ قصائده.

التعليم والثقافة

التحقَ بدر شاكر السياب بالدراسة الابتدائية من ثم انتقلَ للثانوية في مكانٍ يسمَّى العشار وسكن مع جدته في ذلك الوقت، وبدأ في عام 1941 كتابة الشعر والانتظام في قراءته، وفي عام 1943 التحق بدر شاكر السياب بدار المعلمين في العاصمة بغداد، وقرر أن يدرسَ اللغة العربية، ولكنه سرعان ما تركه وتحول إلى قسم اللغة الإنجليزية، محاولةً منه للوصول لمعرفة أكثر اتساعًا واختلافًا ومن هنا كانت بدايته الحقيقية، حتى صار من أرهف الشعراء العرب منذ فجر الأدب العربي.

المسيرة الأدبية

لكلِّ هلالٍ تمامٌ ببدرٍ، ولكي يكونَ البدرُ بدرًا مكتملًا فعليه أوَّلًا يمرَّ بمراحِلَ هلالية، وشاعرنا مرَّ بهذه المراحِل الصغيرة حتى صار شاعرًا كبيرًا، بدرًا منيرًا في سماءِ العالم العربي وكانت بداياته الشعرية كالتالي:

البدايات الشعرية

بدأ الشاعر العراقيُّ بدر شاكر السيّاب مسيرته الشعرية في سنٍ مبكرةٍ، حيث ابتدأ نظم الشعر باللهجة العراقية العامية الدارجة، من ثم أخذ يتحوَّلُ تدريجياً إلى نظم الشعر الفصيح، متأثراً بشعراء مثل ابن الرومي والبحتري وأبي تمام من ثم تأثر في العصر الحديث بالمدرسة الرومانسية في تلك المرحلة، لكن لم يتميز شعره بشيء جديد خصوصًا على مستوى بناء القصيدة والتجديد في الصورة والمعنى فلم تبرز طريقته الخاصة بعدُ وقتَها.

فيما بعد، تأثر بدر شاكر السياب بالتيارات الثقافية الأخرى المتنوعة التي دخلت العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الضارية، حيث بدأت مرحلة جديدة من شعره تطفو على سطحِ الحياة بغزارة شديدةٍ مثلَ مطرٍ لا ينقطعُ، فصاغ العديد من الدواوين الشعرية البارزة مثل “أنشودة المطر” و”المعبد الغريق” و”منزل الأقنان” و”شناشيل ابنة الجلبي”.

وفي هذه المرحلة، ابتعد بدر شاكر السياب عن الشعر التقليدي القديم، وسعى جاهدًا لبناء أنماط جديدة للقصيدة العربية الخاصة به، فأصبح شاعرًا بارزًا كواحد من رواد التجديد في الشعر العربي المعاصر، وفي نهاية الأربعينيات من القرن الماضي قام بوضع قصيدة “هل كان حباً” تلك التي كانت مختلفة في أسلوبها من حيث الوزن والقافية، وكانت تُعَتِّبر افتتاحية كبرى لتطوير قصائد بدر شاكر السياب إلى المستوى المطلوب في ذهنه وفي بال المتلقي العربي.

الوصول للشعر الحر

استمرَّ شاعرنا بدر شاكر السياب في تعميق إبداعه المميز، حيث قدم للوسطِ الأدبي وقتَها قصيدتين الأول: “أغنية قديمة” والثانية: “في السوق القديم” وتلكما القصيدتان تمثلان البداية الحقيقية للشعر الحر الذي تفشَّى في عقول الشعراء مثل النار في الهشيم، وقد ظهرت في هذه القصائد قدرة بدر شاكر السياب على تطوير تجربته الأدبية والانتقال إلى أسلوبٍ جديدٍ حقيقيّ الإبداع في الشكل والمضمون للشعر العربي.

لقد نجح بدر شاكر السياب في الخروج من قفص الشكل القديم وابتعد عن الخطاب المباشر التقليدي، وبدأ في طلاءِ قصائده بالظلال الخفيفةِ والرؤى الخفية تلك التي تمنحها جمالية متجددة لا الغامضة التي تمنع وصول المعنى إلى المتلقي بشكلٍ يصعبُ عليه فهمه.

وفي فترة الخمسينيات تعمّق مفهوم الشعر الحديث عند بدر شاكر السيّاب من حيث النضج الفكري والإبداعي، وتكامل الثقافة وتطوَّر التجربه الشعرية، وأيضًا برز عنصرُ الأسطورة بقوة في شعره واستخدم أسلوبًا جديدًا في التعامل مع اللغة، حيث منح الكلمات معانيَ مستحدثة، استمدها من الاستكشاف العميق للمعاني الحقيقية المكنونة فيها، فالمطر رمز للعطاء والحياة، والموت رمز للبعث والخلود، وصوت الطفل رمز للأمل والفجر، و”بُوَيْب” هذه اللفظة الجديدة رمز لتدفق الحياة في الأرض والإنسان.

إنجازاته الأدبية

• يعد السياب رائدًا من رواد الشعر الحر في الأدب العربي بخلاف القصائد التي تشبه  المعلقات وذلك لأنّه أوَّل من فطنَ للكتابة التفعيلية وعمل على إيجاد أسلوبٍ عربيٍّ لتوثيقها في قصائده فكان له السبق والريادة في ذلك الأمر وفيما يلي استعراضٌ لأهم أعماله الأدبية:

1- أزهار ذابلة

قدّم السياب في هذه المجموعة شعرًا ينبض بالحياة والعاطفة، واستخدم فيها تقنيات جديدة تحاكي الأحداث والمشاعر بشكل حرّ وإبداعيّ الفكرة، فكان السياب يتناول في هذا الديوان مواضيع متنوعة تهتمٌّ بالحب والسياسة والقضايا الإنسانية وبأسلوبٍ ملهم وعميق، وضمن قصائد الديون قصيدة هل كان حبا بدر شاكر السياب التي تعبر عن حالة السياب العاطفية آنذك، فهذه المجموعة تمثل لوحة فنية فريدة من نوعها تجمع بين الرومانسية والابتكار والرمزية.

2- حفار القبار

• مجموعة شعرية تضمُّ رؤية فنية غائرة في ظلام الحياة العالمية، فهي تناقش قضايا اجتماعية وظواهر التشوه والتناقض في المجتمع، وتعدُّ قصيدة “حفار القبور” أهم القصائد التي تجسد براعة بدر شاكر السياب حيث تتتناول القصيدة الظواهر السيئة التي تحدث في المجتمع وتنمّ عن ضعفه والتناقض فيه، وتحمل المجموعة بين طياتها معانيَ اجتماعية مؤثرة حول القضايا الاجتماعية والإنسانية.

3- منزل الأقنان

 يودّع بدر شاكر السياب الوطن الذي عاش طفولته فيه، وتحديداً منزل الأقنان، وتتجلى في هذه المجموعة الشعرية مشاعر الحنين والألم والتأمل، حيث يبحث السياب عن الشفاء من المرض الذي ألمّ به، ويبتعد عن عائلته وحيدًا ليكتب قصيدته “سفر أيوب” بعيداً عن بلدته الأصلية جيكور وذكريات منزل الأقنان، كأنّها مواجهة الموت وقبول القدر، حيث يتقبل الألم كهدية غالية، تعكس صبر أيوب في الصمود أمام المحن.

4- المومس العمياء

• هذه المجموعة من الأعمال البارزة والمؤثرة في تاريخ الشعر العربي الحديث، إذ تتناول موضوعات غائرة في المجتمع، وتستخدم صوراً شاعرية ظلامية لتصوير المشهد الليلي للمدينة والمشاعر الكئيبة التي تُسيطر على سكانها، وتجد في القصيدة الرئيسة المومس العمياء، الشاعر بدر شاكر السياب يصور الليل وهو ينزل على المدينة مجدداً، حيث يشرب المارة هذا الظلام كما يشربون من نشيد حزين لتتحوّل المارة إلى ظلال حزينة تجلبُ الدَّمار إلى العراق.

رحيل بدر شاكر السياب

• في سنة 1961 مرض بدر شاكر السياب وتدهورت صحته، فأحسَّ بثقلٍ يتخلخل عظامَهَ، وانتشرَ الضمور في جسدهِ وعظامه، وأخذ يسافر من بلدٍ إلى أخرى لكن لم يجد حلًا، ولكنه استقر في نهاية الأمر في مستشفى الأميري بالكويت وهناك أنفقت عليه المستشفى ورعته رعاية كاملة، وسنة 1964 توفي بدر شاكر السياب في الكويت، وأعادوا جثمانه إلى (جيكور) في يومٍ مطيرٍ يشبهُ أنشودة المطر التي كتبها، في جنازةٍ صغيرةٍ، حضرها أهله فقط، عاد بدر شاكر إلى بلده التي يحبُّ لكن عاد ميتًا.

حقائق عن حياة بدر شاكر السياب

1- يعدُّ بدر شاكر السياب أوَّل من أدخل الأسلوب الغربي في الكتابة الشعرية إلى الشعر العربي حيث انتصرَ للتجديد وابتعد عن التقليد وابتكرَ طريقة الشعر الحر الذي يعتمد على السطر بدلًا من البيت، وهذا الفن لم يعد بحاجة إلى قافية من أجل إنهاء بيتٍ شعري أو حتى الالتزام بها في القصيدة، وقد رفض هذا النوع من الكتابة الأديب عباس العقاد وعد ذلك النوع خروجًا عن التقاليد العربية.

2- فقد بدر شاكر السياب والدتهَ حينما كان في طفولتِه وأدى هذا الفقدان إلى أثرٍ حزينٍ كبيرٍ في حياة السياب وبان هذا الأثر في قصائده التي تتحدث دائمًا عن الحنين إلى الأصلِ والطفولة وما إلى ذلك.

3- حتى بعد انتقاله للعاصمة بغداد فإنه لم يزل يحنّ دائمًا إلى جيكور هذه البلدة الريفية التي تعني في بال السياب المدينة الفاضلة واليوتيوبيا التي يتمنى أن يعيش حياته كلها فيها.

4- كان بدر شاكر السياب من أنصار النزعة الاشتراكية التي تفشت في جميع بلدان الوطن العربي القرن الماضي.

5- تمثال بدر شاكر السياب موجود في شط العرب بالبصرة ونحته الفنان نداء كاظم.

التحليل الأدبي لبعض قصائد السياب

• للسيَّاب مسيرة مهمة في تاريخ الأدب العربي، حافلة بالقصائد الرائعة، والتعبيرات المدهشة، ونحتفي في هذه الفقرة ببعض قصائده التي ذاع صيتها ولاقت قبولًا ونقوم بـ تحليل قصائد بدر شاكر السياب تحليلا أدبيًّا للوقوف على مناطق الدهشة والجمال بها.

 قصيدة أنشودة المطر

عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ 

• في البيت الأوَّل يستخدمُ الشاعرُ أسلوبًا مجازيًّا يعبر به عن عيون حبيبتهِ فيقول إنها “غابَتا نَخِيلٍ” في ساعة السحر، ويعدُّ النخيل في الثقافة العربية رمزاً للجمال والرشاقة؛ والإشارة إلى أن عينيها تشبه نخلتين تعني أن هذا الجمال لا يمكن وصفه بالكلمات، وقد يُفهم أيضاً أن الشاعر يرغب في أن تكون عيونها مرآة للجمال والسحر، مما يعطي القصيدة طابعاً رومانسياً.

• وفي البيت الثاني يستخدم الاستعارة لتشبيه الشُرْفتين بالقمر، فالقمر هو رمزا للجمال والرومانسية في الليل، فإذا قارنا هاتين الشُرْفتين بالقمر، فإنهما تبعثان على الجمال والحنين أيضًا، وإن استخدام الفعل “راح ينأى” يضيف إلى الشُرْفتين طابعاً من الخصوصية والندرة، حيث يبدو أنها مميزة ولا تشبه الأشياء الأخرى التي تحيط بها.

أ- اشتياق الطّفل لأمِّه الراحلة

تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال
تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .
كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام :
بِأنَّ أمَّـهُ التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ
فَلَمْ يَجِدْهَا ، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال
قَالوا لَهُ : ” بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .. “
لا بدَّ أنْ تَعُودْ

• تثاؤب المساء أو الغروب، يرمز للنهاية والانتهاء والملل، “وَالغُيُومُ مَا تَزَال تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ”: في هذا السطراستخدم الشاعر الغيوم للتعبير عن الحزن، حيث يُمكن أن تسح الغيوم دموعاً من ثقل الحزن، وهنا ربط الشاعر بين المشهد الطبيعي للغيوم وبين دموع الحزن التي تسيل منها.

• “كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام”  يُقارن الشاعر هنا حالة الطفل الذي يهذي قبل أن ينام بحالة الغياب والفقدان، “بِأَنَّ أمَّـهُ التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ فَلَمْ يَجِدْهَا” يعكس هذا البيت الفقدان والاشتياق والحزن والاضطراب العاطفي للطفل عن طريق قولهم له إن والدته ستعود بعد غدٍ، “لا بدَّ أنْ تَعُودْ”: وتعبّر هذه الجملة عن الثقة والتفاؤل بعودة الأم بعد فترة الفقدان.

وهكذا كتب بدر شاكر السياب انشودة المطر ، إرادةً وتفاؤلًا ومحبّةً وحنينًا، حيث يتفاعل العالم بأكمله في هذه القصيدة من أجل إثراء الروح الإنسانية.

ب- الحياة بكل تناقضتها

في كلِّ قطرةٍ من المطرْ
حمراءُ أو صفراءُ من أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حُلْمَةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ
في عالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، واهب الحياة . “
وَيَهْطُلُ المَطَرْ ..

• تبدأ الفقرة بوصف الأمطار والمطر الذي يتساقط في كل قطرة، وترتبط هذه القطرات بالزهور حيث توصفُ القطرات بأنها حمراء أو صفراء، أمَّا الألوان الزاهية فهي تشيرُ إلى الجمال والحياة النابضة بالحيوية، ثم ينتقل الشاعر لوصف الدموع والألم الإنساني، حيث يشير إلى دموع الجياع والعراة ودماء العبيد.

• وكل ذلك يُرمز إلى المعاناة والظروف الصعبة التي يعيشها الإنسان،ولكن هذه القطرات من المطر والدموع وحتى العرق واللعاب هي في الحقيقة رمز للأمل والاستعداد لتحقيق الحياة والاستمرار فيها،  فالقطرة تعدل الابتسامة في انتظار مبسم جديد، وحُلمة تورّدت على فم الوليد في عالم الغد الفتي، وهو العالم الذي يهب الحياة.

• وفي الختام إن قصيدة أنشودة المطر تحمل روح الأمل والتفاؤل رغم الظروف الصعبة والمعاناة التي يمر بها الإنسان، وتُظهر القصيدة القوة والإرادة في مواجهة الصعاب والاستمرار في الحياة رغم كل المحن.

قصيدة سفر أيوب

• تتحدث قصيدة سفر ايوب السياب عن الحمد والشكر في أثناء المحنِ والصعاب في الحياة، وعن الثقة والقوة التي ينبغى أن يتحلى بها المؤمن في أثناء البلاء والألم، مشددة على أنه حتى في أصعب الظروف يجب أن يكون شكرك وحمدك لله موجودًا ظاهرًا بيّنًا كذلك الرضا، وتجاوز المآسي بالكرم والإيثار.

أ- حمدٌ لله على كلِّ حالٍ

لكَ الحـَمدُ مهما إستطالَ البـــلاء
ومهمــا استبدَّ الألـم
لكَ الحمدُ إن ٌ الرزايـا عطـــاء
وإنٌ المَصيبــات بعض الكـَـــرَم

• يُعبّر الشاعر عن إيمانه بأنه لا يزال ملتصقًا بالحمد والشكر لله مهما امتد البلاء والمحن في حياته، ويظهر الشاعر هنا تصميمه على الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، فهو يرى الرزايا عطاء من الله للإنسان، وأنّها طريقٌ للوصولِ الصحيح للهدف الأسمى الذي لا ينبغي أن يكون بلا تحديات أو عثرات، فالعثرات هي التي تصنع المؤمن.

ب- مطرٌ يُرضِي عطشَ الأرضِ

ألم تُعطني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر
وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

• إن كل ما يحدث – سواء الضياء أو الظلام – فهو من مشيئة الخالق وقضائه، فكيف يمكن للأرض أن تشكو من عدم وقوع المطر وهي تعرف أن الغمام هو من يجلبه؟ وهكذا يرى الصوت الشعري أنه غير مناسب أن يكون غاضبا أو غير راض عما قسمه الله له، فكل شيء مقدر ومقسوم بحكمة وعدل، من هنا تحمل الأبيات رسالة الرضى بالقدر وتقبل مشيئة الخالق، مهما يكن من أحوال، فكل ما يحدث هو منه سبحانه وتعالى وبحكمته البالغة، لذا فكل ما ينبغي للإنسان هو شكر الله عز وجل على كل حال.

ج- البلاء هديةٌ من الله

ولكنّ أيّوب إن صاح صــــــاح
لك الحمد، ان الرزايا ندى
وإنّ الجراح هدايا الحبيب
أضمٌ إلى الصدر ِ باقتــها
هداياكَ في خافقي لاتَغيــب
هاتها … هداياكَ مقبولــةُ

• هذه الأبيات تصف ردّة فعل أيُّوب على التجارب الصعبة التي مر بها، فبدلاً أن يشتكي أو يندب حظّه، نجده يحمد الله على كلّ حال، ويرى أن المصائب “ندى” وأن الجروح “هدايا من الحبيب” أي من الله، فهو يتقبّل الألم برضا ويضمّه إلى صدره، ويعتبره أي هذا الألم “هدايا” لا تغيب عن قلبه، ويدعو الله سبحانه أن يستمر في منحه هذه الهدايا، وهذا الموقف من بدر شاكر السياب يعكس إيمانًا عميقًا بالله وحكمته، وقناعة بأن كل مصيبة فيها خيرٌ لا يراه العبد.

د- الحياة جميلة حتَّى في أحلكِ لحظاتها

جميل هو السّهدُ أرعى سماك
بعينيّ حتى تغيب النجوم
ويلمس شبّاك داري سناك.
جميل هو الليل: أصداء بوم

• نرى أيوب يجلسُ مستمتعاً تحت رعاية السماء الليلية من ليلها حتى فجرها، ويصله ضوء القمر من النافذة، تصوير الليل “بأصداء بوم” يعكس حالة السكينة والصمت العميق اللذين يعطيان الفرصة للاستمتاع بالتأمّل والتفكير الهادئ، وينبع هذا الإعجاب بجمال الليل من إدراك بدر شاكر السياب أنّ فيه فرصة للعودة إلى النفس والاتصال بذاتها وبخالقها سبحانه فهي تمثل الرغبة البشرية العميقة في الهدوء والانفراد للوصول إلى تأمّلات أعمق وإدراك أكمل للجمال الكامن في الكون.

هـ- الحمد في البدءِ وفي الآخر

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم
تحجّبُ وجه السماء
وتجلوه تحت القمر
وإن صاح أيوب كان النداء
لك الحمد يا رامياً بالقدر
وياكاتبـا ً بعد ذاكَ الشفـــاء

• يصور بدر شاكر السياب سكينة الليل وهدوءه، وكيف أن ظلام الغيوم يخفّف الوهج ليصبح ضوء القمر الخافت، وفي ذلك الجو الهادئ، ينبع الحمد لله من قلب أيوب الصبور، فهو يدعو الله مقدر القدر وكاتبه، وتعكس هذه الأبيات رؤية روحية عميقة لجمال الطبيعة في هدوئها؛ وعندما تزول اللمعة الزائدة عنها تصبح بذلك بيئة مناسبة لحالة الرضا والاستسلام لمشيئة الخالق، هذا هو أيوب يحمدُ الله ويعطي درسًا روحيًّا في قبول القدر والتذلل لأمر الرحمن، بغض النظر عن ظروف الحياة أو مصائبها.

قصيدة دار جدي

• في تحليل قصيدة دار جدي لبدر شاكر السياب تجد الحنين الى منزل الجد يغمر قلب بدر شاكر السياب بمشاعر دافئة وألفة،  فهي الذكريات الجميلة التي تعود إلى رأسه عندما يتذكر أوقاته في منزل الجد، حيث يلعب ويضحك ويتلذذ بأجواء العائلة والمحبة، إنه المكان الذي يجلب له السعادة والاطمئنان، ويشعره بالانتماء والاندماج في جذور عائلته وهويته، ويجعله يتمنى أن يعود لتلك اللحظات السعيدة مرة أخرى، وهكذا يعبر عن هذه الحالة في القصيدة المعنية:

أ- طرقٌ حزينٌ أمام باب الجد

مطفأة هي النوافذ الكثار
و باب جدّي موصد و بيته انتظار
و أطرق الباب فمن يجيب يفتح
تجيبني الطفولة الشباب منذ صار

• هذه الأبيات تصف حالة من الحزن والوحدة، حيث جميع النوافذ والأبواب مغلقة، حتى باب جد السياب مغلق، وينبع شعور الوحدة في هذه الأبيات من حقيقة أنه عندما يقرع الشاعر الأبواب؛ لا يجيب أحد! مما يجعل الصوت الشعري يعود إلى ذكرياته منذ شبابه ليجد بعض الراحة.

• تصوّر النوافذ المطفأة والأبواب المغلقة شعور السياب بالغربة، بينما حينما تعود إليه الطفولة بذكرياتها الطيبة تخفف من شعوره بالوحشة، وتعكس هذه الأبيات رغبة الإنسان الدائمة في الارتباط والانتماء، حتى ولو كان ذلك مع ذكرياته القديمة، فالشخص المنعزل يميل إلى العودة بالذاكرة إلى أفضل فترات في حياته، وبالتالي فإن الشعور بالوحدة والعزلة، يدفع الشاعر للبحث عن الراحة حتى في ذكريات طفولته القديمة، وتظلُّ الرغبة في الاتصال والتواصل مع الآخرين قوية رغم كل شيء.

ب- اشتياقٌ إلى جدران الدَّار

نحس كيف يسحق الزمان إذ يدور
أأشتهيك يا حجارة الجدار يا بلاط يا حديد يا طلاء
أأشتهي التقاءكن مثلما انتهى إلي فيه

• يبدو أن حياة الشاعر بدر شاكر السياب في هذا المقطع قد وصلت إلى مرحلة تشتاق فيها إلى أي نوع من الأنسِ والألفة والاتصال، فتدل هذه المشاعر على عمق الوحدة والعزلة التي يعيشها الشاعر، حتى إنه يشتاق لاتصال بسيط بمحيطه المادي المباشر، رغم بساطته وعدم حيويته.

ج- حنينٌ لطفولةٍ وحريّةٍ قديمةٍ

طفولتي صباي أين أين كلّ ذاك
أين حياة لا يحد من طريقها الطويل سور
كشر عن بوّابة كأعين الشباك

• يتساءل بدر شاكر السياب عن طفولته وشبابه وحياته السابقة: “أين أين كل ذاك؟”،ويعيش الشاعر الآن في ظروف مختلفة، حيث يحيط بمسار حياته الآن “سور”، فيما كان هذا المسار مفتوحا وواسعا في طفولته، وهنا تصوير للسور كأعين الباب المغلق التي لا يمكن النظر خلالها، مما يشعره بالحبس والقيود، وتعبر هذه الأبيات عن الحنين إلى الطفولة، وكل هذا ينعكس بشكل سلبي على حياة الشاعر الحاضرة.

د- أسى ثابتٌ ومصيرٌ قادمٌ لا محال

أهكذا السنون تذهب
أهكذا الحياة تنضب
أحس أنني أذوب أتعب
أموت كالشجر

• ويبدو أن بدر شاكر السياب يعبر بواسطة هذه الأبيات عن سرعة مرور الزمن و تأثيره على حياته ونفسيته، مما يجعله يشعر بالتعب و الذوبان كالشجرة التي تذبل ورائحتها تذهب مع تقدمها في السن، كما تبدو الصورة التشبيهية للشجرة الميتة قوية و مؤثرة للتعبير عن هذا الشعور.

ما دور السياب في الشعر العربي المعاصر؟

كان من بين أوائل الشعراء الذين انضموا إلى حركة الشعر الحر والابتعاد عن الأشكال الشعرية التقليدية، وتميزت قصائده بالانسياب الشعري والابتعاد عن التراكيب التقليدية.

بماذا تبدأ قصيدة بدر شاكر السياب في رثاء زوجته؟

تبدأ قصيدة بدر شاكر السياب في رثاء زوجته بـ (دنيا لستِ فيها ليست تستأهل من عينيّ نظرة).

أين توفي بدر شاكر السياب؟

توفي في الكويت لكنه دُفِنَ في مسقط رأسِه بالبصرة في قرية جيكور التي دائمًا ما حلم بها في حياته.

ماذا تعني مقولة بدر شاكر السياب غريب على الخليج ؟

مقولة بدر شاكر السياب غريب على الخليج تعني قصيدته غريب على الخليج التي يصف فيها نفسه بالوحدة والوحشة وأنه في منفى بعيد عن قريته الأم.

مواضيع ذات صلة

عباس-العقادعباس العقاد : بحرٌ شاسِعٌ وسماءٌ رحيبة

مارية القبطيةمارية القبطية | الأمَة المصرية التي حملت أحشاؤها نجل الرسول