زيد بن حارثة | من دُون اسمه في كتاب الله

زيد بن حارثة

استأثر دون سواه بلقب حِب نبي الله، وسطر القرآن اسمه فلم يذكر من الصحابة إلاه، إنه زيد بن حارثة ذاك الصحابي الجليل الذي آثر رسول الله عن أهله فآثره النبي وجعله ابنًا له ولم ينتحب على أحد غيره، وعندما سئل عن ذلك قال: (هذا شوق الحبيب إلى حبيبه)، فلله درك يا زيد ماذا فعلت لتنال هذه المكانة في قلب خير خلق الله؟!

زيد بن حارثة | من هو؟

لم تكن العبودية يومًا إلا إذلالًا ولكن مع زيد بن حارثة يختلف المقال، فعبوديته صارت سترًا له من النيران وعن طريقها تربى على يد سيد ولد عدنان، فمن رحم البلاء يأتي العطاء وهذا ما حدث مع الصحابي الجليل زيـد بن حـارثة.

يدعى ” زيد بن حارثة بن شرحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن عمرو بن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان” ويرجع نسب زيد بن حارثة إلى بلاد الشام، وكان من الأحرار إلا أنه تعرض إلى الخطف منذ الصغر وتم بيعه في سوق العبيد ومنذ هذا الوقت صار عبدًا.

وصول زيد بن الحارثة إلى رسول الله

تم عرض زيد بن حارثة في سوق الحجاز كواحد من العبيد، وعندما رآه “حكيم بن حزام” قام بشرائه وعند عودته إلى مكة وهبه لعمته السيدة خديجة رضي الله عنها، وعندما وقع الزواج بينها وبين رسول الله وهبته هذا الغلام، فأحبه النبي حبًا جمًا فتعلق به زيد أيما تعلق، وفي أحد مواسم الحج قبل الإسلام قابل زيد رهطًا من الرجال ينتمون إلى حي حارثة، فأخبروه بمدى اشتياق والديه إليه، وقد طمأنهم بقوله “إنني مع أكرم والد”.

وعندما علم والد زيد بخبر ولده ذهب على الفور إلى مكة وناشد قريشًا أن يتركوا له ولده، وعند مقابلته للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ابن عبد المطلب .. يا ابن سيّد قومه، أنتم أهل الحرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير .. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه)، فأخبره النبي أنه لا يريد مالًا من أجل التخلي عن زيد ولكن عليه أن يخير زيدًا بين الرسول وبينه فإن اختار أباه فسوف يتركه دون مقابل مادي، فاستبشر حارثة وظن أنه حصل على ولده دون عائق.

وعندما قدم زيد على رسول الله أخبره بما وقع بينه وبين أبيه، وخيره بينهما فلم يرد زيد إلا بقوله: (ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم)، فوقع هذا الكلام كالصاعقة على أبيه إلا أنه لم يملك سوى الخضوع لرغبة ولده، ولقد سعد الرسول بكلام سيدنا زيد فهو الآخر كان متعلقًا به، فأخذه من يده وذهب به إلى فناء الكعبة وأشهد الناس أنه صار ولدًا له ويحق لكل منهما أن يرث الآخر، وأصبح منذ هذه اللحظة زيد بن محمد وياله من شرف عظيم!

بعد هذه الواقعة رحل حارثة وهو مطمئن على ولده على الرغم من حزنه الشديد على فراقه وذلك لأن ولده صار ابنًا للصادق الأمين وسيد من سادات مكة وأشرفهم نسبًا.

زيد والرسالة المحمدية

بقي مع محمد رسول الله وصار ابنًا له، وكان يُنادى باسم “زيد بن محمد” وكلما مرت الأيام زاد حب الرسول له حتى لُقب بـ “حب رسول الله” وعندما أنزل الله رسالة الإسلام على نبيه وعلم بها زيد أسلم على الفور لأنه كان على يقين بأن هذا الرجل رفيع الأخلاق، حسن العشرة، المحب لأهله والملقب بالصادق الأمين لم يكن ليكذب على ربه أو يتلاعب بإيمان الناس.

وبعد العشرة الطويلة بينه وبين رسول الله وبعد أن عرفه الناس بزيد بن محمد ينزل القرآن الكريم من فوق سبع سموات ليحرم علاقة البنوة هذه “إلغاء التبني” حيث يقول تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

وبهذه الآية الكريمة انقطعت البنوة بين زيد وبين الرسول وعاد كما كان زيد بن حارثة، إلا أن علاقة الحب والصحبة لم تنته وظل زيدُ رفيقًا للنبي.

نكاح زيد بن حارثة

نكاح زيد بن حارثة

زواج زيد بن حارثة | أمر من الله ورسوله

عندما هاجر النبي إلى المدينة المنورة كان زيد بالتأكيد معه فلم يكن يفارقه، وكانت السيدة زينب بنت جحش ممن هاجر مع الرسول، وكانت تتسم بجمالها الشديد فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزوجها لزيد.

ولكنها أبت ذلك وأخبرت النبي أنها أعلى منه نسبًا وحسبًا وأنه كان عبدًا إلا أن الرسول قال إنه ارتضاه زوجًا لها فنزلت الاية التي ذكر فيها زيد بن حارثة وهي: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)، فقبلت السيدة زينب بالزواج منه تنفيذًا لأمر الله ورسوله، وصارت زوجة زيد بن حارثه بأمر أنزله الله تعالى في قرآنه، ويذكر أنه هو الصحابي الوحيد الذي أشارت إليه آيات القرآن الكريم صراحة، ويعد هذا الأمر من أبرز فضائل زيد بن حارثة .

خلافات زوجية وانفصال:

تزوج زيد بالسيدة زينب وعاشا معًا إلا أن الحياة لم تستقم بينهما، فنشبت الخلافات حيث كانت السيدة زينب تفتخر بنسبها فلم يطق سيدنا زيد هذا الأمر وأصر على تطليقها، وهذا يعد إجابة عن لماذا طلق زيد بن حارثة زوجته زينب بنت جحش؟ وعندما أخبر النبي بذلك قال له “أمسك عليك زوجك” وظل على هذا الأمر حتى وقع الطلاق.

وعاتب الله رسوله في هذا الأمر وذلك لأن الرسول كان على علم بأن زيد سيطلق السيدة زينب وأنه سيتزوجها ومع ذلك قال له “أمسك عليك زوجك” حيث يقول الله تعالى في قرآنه:

((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)).

صفات زيد الشكلية والخلقية

اتصف حِب النبي بعدد من الصفات الشكلية التي ميزته فقد كان قصير القامة يملك قصبة أنف مخفضة، ثم إن بشرته كانت سمراء، وتبعًا لمقاييس الجمال في مكة المكرمة فلم يكن بالرجل الوسيم إلا أنه امتلك من جمال الأخلاق ما جعله مقدمًا على كل الناس، وإليك السمات الأخلاقية لـ زيد بن حارثة سير أعلام النبلاء كما ذكرها:

1) الإخلاص والاعتراف بالمعروف: تميز بإخلاصه للنبي العدنان فمع أنه لم تربطه صلة قرابة مع سيدنا محمد إلا أنه ظل معترفًا بإحسانه إليه ورعايته له لذلك فضل البقاء معه على أن يذهب مع والده الحقيقي.

2) قوة الإيمان وثبات العقيدة: حيث يذكر أن زيد هو أول من أسلم من الموالي، فمنذ اللحظة التي أخبره النبي بأنه أُرسل للناس كافة استوطن الإيمان قلبه، ويقول إسحاق بن إبراهيم: ((أبو بكر الصديق هو أول من أسلم من الرجال و خديجة بنت خويلد هي أول من أسلمت من النساء، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من أسلم من الصغار، وزيـد بن حـارثة هو أول من أسلم من العبيد)).

3) الجهاد في سبيل الله: شهد غزوة بدر الكبرى وغيرها من الغزوات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمره على السرايا، وما يبين مكانته عند النبي الكريم أن السيدة عائشة قالت: (ما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيـد بن حـارثة في جيش قط إلا أمره ولو بقي بعده لاستخلفه).

استشهاد زيد بن حارثة

لقد شهد زيـد العديد من الغزوات مع رسول الله صل الله عليه وسلم منها غزوة بدر و احد وخيبر والحديبية، وكان حافظًا لأسرار نبي الله، وكان لا يحتمل فراقه لوقت طويل لكنه الموت مفرق الأحبة حيث أرسله رسول الله في غزوة مؤتة قائدًا على الجند لمقاتلة الروم، وفي أثناء القتال أصيب إصابة بالغة واستشهد على إثرها ودفن في مؤتة وهذه هي الإجابة على تساؤل اين دفن زيد بن حارثة بعد مقتله.

وإلى هنا تنتهي قصة زيد بن حارثة البطل المغوار الذي حزن النبي عليه أشد الحزن، فعندما وصل إليه خبر استشهاده أجهش بالبكاء وعبر عن ذلك بأن هذه الدموع “دموع المحب شوقًا لحبيبه” فهنيئًا لك يا زيد حب الرسول واشتياقه لك! وأما بالنسبة لسؤال هل زيد بن حارثة من المبشرين بالجنة ؟ فإن الإجابة عليه تتلخص في أنه  يتنعم في جنات ونهر فمع أنه لم يكن ضمن حديث العشرة المبشرين بالجنة إلا أن النبي قال بأنه صادفه في الجنة وأن الله أكرمه وأسكنه جناته.

كم مرة تزوج زيـد بن حـارثة؟

خمس مرات، حيث تزوج كلًا من: ((زينب بنت جحش، أم أيمن حاضنة النبي، أم كلثوم بنت عقبة، درة بنت أبي لهب، هند بنت العوام)).

لماذا رفض زيـد بن حـارثة الرجوع مع أبيه؟

لأنه كان يحب النبي حبًا جمًا ولم ينس إحسانه إليه لذلك آثره على أبيه الحقيقي.

ما هي الآية التي سطرت اسم زيـد بن حـارثة؟

الآية الكريمة هي: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ).

كيف وصل زيد بن حارثة إلى رسول الله؟

بعد زواجه من السيدة خديجة أهدته إياه فأحبه وأحسن إليه ثم أعتقه وبعد ذلك سماه (زيد بن محمد) وظل هكذا حتى نزلت آية تحريم التبني.

مواضيع ذات صلة

ابو العلاء المعري | رهين المحبسين

شيثشيث | النبي الذي لم يُذكر اسمه في القرآن الكريم