للأدب العالمي سيدة | تُدعى سيمون دي بوفوار

لا وجود لمَا يُسمى بالسد المنيع أمام آمال المرأة لا سيما إن كانت سيمون دي بوفوار ؛ تلك المرأة التي اتخذت الأدب والفلسفة رفيقين لها طيلة مسيرتها حتى أتت لحظة الاحتضار، فإذا بالموت قد فرق بينهما!

من هي سيمون دي بوفوار؟

لقد بدأ انبلاج الأدب العربي قديمًا؛ وكان للمرأة كالعادة بصمات مؤثرة فيه كما في سائر المجالات؛ فتراها تنشد وتكتب وتدافع عن حقوقها وتتعمق في كتاباتها وكأنها شاردةُ الخيال؛ سابحةُ في بحر الأوهام، فتارة تكتب عن الحق وتارة ثانية تُسطر رسائل الحب كالتي كتبتها  مي زيادة صاحبة قلم السعادة لحبيبها جبران خليل جبران.

حتى لا تأخذني عبارات المدح في قدرة المرأة الأدبية دعوني أستفيض بالحديث عن أفضل مَن مثلت الأدب وهي سيمون دي بوفوار الأديبة الجليلة، التي حُفر مجدها ونبوغها في أكناف القرن العشرين؛ حيث باتت أبرز الشخصيات العظيمة في هذه الحقبة الزمنية، كما كان لها دورٌ بارزٌ وصوتٌ مسموعٌ في الحركة النسوية التي تدعو إلى المساواة بين الجنسين.

ميلاد سيمون دي بوفوار | إشراق الأدب النسوي

مدينةٌ جميلةٌ تطل على ضفاف نهر السين في الجهة الشمالية من فرنسا؛ إنها باريس يا سادة! العاصمة التي شهدت على ميلاد رمزٍ جديدٍ سوف يرفع راية الأدب في سماء أوروبا، إنها سيمون دي بوفوار الابنة الكبرى للمحامي الفرنسي جورج دي بوفوار، ووالدتها فرانسيوس ابنة رجل الأعمال الثري والكاثوليكي المتدين براسير.

ماذا ستعتقدون لو بقى الحال على حاله دون أي تغيير؟! لربما ظل الغني موسرًا والفقير محتاجًا، وأصبحت الحياة معقدةً خاليةً من الصعاب والغايات العليا، ولم تحدث الحرب العالمية الأولى مطلقًا، ولم ينجم عنها تدهور المستوى المعيشي لأسرة سيمون دي بوفوار التي ظلت مصارعةً من أجل الحفاظ على ثروتها التي فقدت الكثير منها.

لقد ترعرعت سيمون دي بوفوار في أجواءٍ عائليةٍ ملتزمةٍ بتعاليم دينها حيث انصب طموحها منذ صغرها على أن تصبح راهبةً، ولكن اختلفت مجريات الأمور في عمر الرابعة عشرة إذ خاضت أزمةً إيمانيةً جعلتها ملحدةً بقية حياتها، ومن هنا نشبت التضاربات الفكرية بينها وبين والديها، فأما عن أبيها فكان يمينيًا ملحدًا وأما عن والدتها فظلت متشبثةً بتقاليد دينها.

لربما كان لهذه التصادمات الفكرية التي نشأت بين سيمون دي بوفوار وأسرتها أثرٌ حيويٌ ونقلةٌ تاريخيةٌ في حياتها؛ حيث كانت نقطة التحول العقلي في مسيرتها الأدبية والفلسفية، والتي جعلتها مفكرةً راديكاليةً ذات درايةٍ بعلاقة الأيديولوجيا وآثارها على النفس البشرية.

سيمون دي بوفوار النسوية | دراستها العلمية

أنهت دي بوفوار دراسة البكالوريا في الفلسفة والرياضيات عام 1925؛ حيث أتمت تحصيلها للرياضيات في معهد سينت ماري بينما درست الفلسفة في جامعة السوربون، وشهد عام 1928 على تخرجها من هذه الجامعة، وباتت سيمون دي بوفوار صاحبة حظٍ وفيرٍ؛ حيث تلقت تعليمها في هذه المؤسسة العريقة التي مُنعت النساء الفرنسيات لاحقًا من الدراسة فيها.

لقد سلكت سيمون دي بوفوار طريق التدريس والكتابة، وسُطرت الكثير من الأعمال الأدبية والدراسات السياسية والفلسفية والسير الذاتية، ولعل من أبرز أعمالها التي أشرقت في فضاء الأدب الفرنسي هو كتاب “الجنس الآخر” الذي ذُكر فيه أطوار حياة المرأة حتى الهَرِم.

ولم تكن مؤلفات دي بوفوار وحدها مَن أضاءت النور ببزوغها؛ بل حظى صاحب رواية العجوز والبحر الروائي الأمريكي “إرنست همنغواي” على شهرةٍ فائقةٍ في القرن العشرين أيضًا، فهو الذي اشتهر بنظرته السوداوية للعالم في مطلع حياته، فكان كاتبًا من الطراز الأول معروفًا بأقواله الدقيقة الصائبة.

علاقة جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار

لقد التقت سيمون دي بوفوار بالفيلسوف الفرنسي سارتر في العام الختامي لدراستها في جامعة السوربون، وامتدت العلاقة بين رفيقي الدرب حتى ارتبطا وصارا حبيبين، ولقد تقدم سارتر في يومٍ ما لخطبة سيمون وهم جالسي متحف اللوفر؛ إلا أنها أبت الزواج منه، ودامت علاقة ارتباطهما مدى الحياة دون أن يتزوجا ويسكنا معًا في مسكنٍ واحدٍ.

لم تكن سيمون منشغلةً مثل غيرها من النساء؛ بل باتت فارغةً واهبةً جميع أوقاتها لتزويد ثروتها الأدبية والثقافية بالكثير من المعلومات، فكانت ترتحل وتكتب وتدرس وتحظى بمعرفة أفضل الأدباء حتى تمكنت من حشد دائرة معارف واسعة الآفاق.

وظلت قصةُ حب سيمون وبول الاستثنائية مستمرةً إلى نصف قرنٍ حتى وافته المنية، وقد لحقت به بعد ست سنواتٍ.

سيمون دي بوفوار والحب

لقد باتت آراء القراء في مؤلفات سيمون دي بوفوار وكأنها قاصدةُ أسر قلوبهم بكلماتها العذبة ومعانيها العائمة مع أمواج بحار الأدب، فحال الشعراء من بعضهم البعض حقًا؛ فلقد أثرى أمير الشعراء احمد شوقي  أيضًا القلوب والأذهان بكتاباته العظيمة؛ التي لا زالت محفورةً في العقول مُترددةً على الألسنة.

فالحب أشبه ما يكون برياضةٍ ليس لها قواعدٌ تُعطي الأولوية لمَن يمارسها؛ ولكنها تحتضن بين جناحيها قواعدًا أبرزها الوفاء والتضحية تجاه الحبيب، ولم يكن الحب بحاجةٍ إلى أدواتٍ أو موادٍ لإنتاجه؛ بل في أشد الاحتياج إلى قلبٍ هينٍ وعقلٍ حليمٍ ولسانٍ ناطقٍ بالقول الجميل.

ومن أجمل مؤلفات سيمون في الحب ما يلي:-

– تبدو كل هذه الكلمات سخيفة، وأشعر أنك قريب جدًا فدعني أكون بجوارك أيضًا كما كنا قبل ذلك، دعني أكون بالقلب الذي منحتني إياه للأبد.

– الحب بين النساء نوع من التأمل، ينتفي فيه الانفصال، لا قتال ولا نصر ولا هزيمة .. كل منا ذات وموضوع، سيد وعبد في معاملة بالمثل.

رواية المثقفون سيمون دي بوفوار | الحب الجارف والمستحيل

لقد كانت إطلالة سيمون برواية “المثقفون” مختلفةً ومتميزةً إلى أقصى ما يمكن، ذلك الكتاب الذي ربحت عنه هذه الأديبة جائزة الغونكور العظيمة؛ التي تُمنح كل عامٍ لصاحب العمل النثري الأفضل، وتعد هذه الرواية من أعمق الكتابات الأدبية التي تم التحدث فيها عن الوجود البشري، فصارت وكأنها قلبٌ نابضٌ في عصرٍ قد عمّ عليه الصمود الأدبي.

لم تقتصر صفحات هذه الرواية على احتضان الحياة الثقافية التي سادت في نواحي فرنسا بعد الحرب العالمية فقط؛ بل سُطر فيها الحب الجارف والمستحيل، ومشاعر الهيام المفعمة بالدفء وضحكات الحياة، علاوة على التعمق والشرود الفلسفي والأخلاقي في سرد التفاصيل.

ومن أجمل اقتباسات رواية المثقفون ما يلي:-

– الإحسان جميل جداً ، لكن يجب أن يكون مربحاً ، هذا هو مبدأ الحفلات الخيرية.

– لا نستطيع التخلي عن عاداتنا السيئة إذا تبين لنا أنها عديمة الفائدة، وإلا لكانت مصحات المجانين خالية.

– أجل، أنا مثقف، ويغيظني أن نجعل من الكلمة شتيمة.

كتب سيمون دي بوفوار

“يولد الأدب عندما يبتعد شيء ما في الحياة قليلًا” عبارة قد صرحت بها سيمون في إحدى كتاباتها إشارةً منها إلى أنه لا مقارنة بين طريق الأدب وغيره، فمَن ابتغى الأدب عليه بالتخلي والتضحية بأمورٍ حياتيةٍ هامةٍ، وكأنها قصدت بتلك العبارة وصف حياتها في أبهى ما يمكن! فلقد أبت الزواج من رفيق دربها وحبيب عمرها مقابل الاستمرار في صف الأدب والفلسفة.

ربما أن لمباتَ الإضاءةِ منبعٌ لانطلاق الضوء إلينا؛ نحن الشغوفون بأمورنا الحياتية بعيدًا عن الأدب، أما محبو الأدب فليسوا بحاجة إلى مصادر للضوء لأن الأدب منيرًا لحياتهم؛ أولئك الذين اتخذوا الكتب رفيقةً لهم.

لم يتواجد في القاموس البشري ما ينص على أن كتابة القصائد الأدبية والأبيات النثرية مقتصرةٌ على الرجال فقط؛ فالإبداع من حق الجميع دون أي تمييز أو تخصيص، وللنساء نصيب كبير من الحس الفني الإبداعي الذي يملكه بعض الرجال، ولعل الأديبة العربية العظيمة آسيا جبار خيرُ مثالٍ على هذا الكلام.

مذكرات سيمون دي بوفوار | الحافلة بالابتكار

لم تكن سيمون دي بوفوار أول امرأة كتبت في مجال الأدب ولكنها باتت لها بصماتٌ مؤثرةٌ في هذا المجال الفريد، فقد لحقت بها كاتباتٌ متميزاتٌ على مر الزمان، واللاتي أحدثن طفرةً أدبيةً بأقلامهن الثرية، وإذا أردت عزيزي القارئ تحميل أجمل مذكرات سيمون دي بوفوار pdf فابدأ بذلك الآن لأنها تستحق القراءة.

لقد بات للون الأسود مكانةٌ خاصةٌ في سطور الأدباء؛ حيث أبدعت الكاتبة الجزائرية العملاقة أحلام مستغانمي في رواية الاسود يليق بك ، لتعلن فيها تفرد هذا اللون عن سائر الألوان؛ ذلك الأسود الذي خطف ألباب رجل الأعمال الخمسيني حينما وقعت أبصاره على صاحبة السابعة والعشرين اللامعة بفستانها الأسود الأنيق!

متى ولدت سيدة الأدب سيمون دي بوفوار؟

لقد ولدت الأديبة العظيمة سيمون في اليوم التاسع من شهر يناير عام 1908.

ما هي الجوائز التي حصدتها سيمون دي بوفوار؟

حصلت هذه الكاتبة العظيمة على العديد من الجوائز أبرزها جائزة غونكور 1954، القدس لحرية الفرد في المجتمع 1975، النمسا للأدب الأوروبي 1978.

ما هي أبرز أعمال الأديبة الفرنسية دي بوفوار؟

المدعوة، دماء الآخرين، الجنس الآخر، أمريكا يومًا بيوم، الصور الجميلة، المسيرة الطويلة، أخلاقيات الغموض، الموت السهل، حتى تأتي الأشياء الروحية أولًا، وداعًا سارتر.

متى توفيت هذه الكاتبة الجليلة؟

احتُضرت سيمون دي بوفوار في عمر السابعة والثمانين بباريس جراء معاناتها من التهابات رئوية، وتم دفنها بجانب رفيق دربها وحبيب حياتها سارتر وبهذا يكون لقاء الأحبة بعد الممات.

مواضيع ذات صلة

زهير بن أبي سلمىزهير بن أبي سلمى | شاعر الحوليات وأحد أصحاب المعلقات

المثنى-بن-حارثةالمثنى بن حارثة | قاتل الفرس وفارس الفرسان