شعراء المهجر | أجسادٌ فرّت وأفئدةٌ ظلّت

شعراء المهجر

إن المهاجر بفطرته شخص طليق مقدام، لا يريد البقاء حيث يضيق به المقام، ولا يخشى المجازفة بالإقدام على المجهول إذا كان المعلوم الذي يعرفه ويعيش فيه يكبده ما هو أصعب عليه من المجازفة، وهو الصبر على المنع والذل والهوان، وذلك ما فعله شعراء المهجر الذين فروا هاربين من الظلم والطغيان في أوطانهم، مهاجرين إلى أوطان أخرى يعتقدون أنهم سيرون النور فيها ويحققون ما لم يستطيعوا تحقيقه في وطنهم الأم.

مهد الأدب المهجري

يمكننا القول إن الصراعات والاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشديدة اجتمعت معا لتشكل نشأة مدرسة شعراء المهجر ، حيث كان للغزو العثماني على سوريا ولبنان في القرن 19 وبداية القرن 20 السبب الأكبر في إشعال لهيب الفتن بين السكان وانهيار البلاد.

ذلك الأمر الذي أجبر الكثير من أبناء الوطن على الهجرة والسفر خارج البلاد وترك أوطانهم، فرارا من هذا الواقع العصيب الذي جثم على قلوب الأحرار، وبغية لعيش حياة جديدة ينعمون فيها بالحرية والأمان، وينجزون فيها أحلامهم وطموحاتهم التي وئدت في أعقاب الاستبداد والاضطهاد السياسي.

وقد أُطلق اسم شعراء المهجر على مجموعة الأدباء العرب الذين اضطروا للهجرة من بلدانهم إلى أماكن متفرقة من العالم مثل الأمريكتين وبعض الدول الأوروبية، ونثروا بها أدبهم العربي، حتى ذاع صيت الأدب المهجري وأصبح معروفا في الأمريكتين والعالم العربي، وبات مدرسةً أدبيةً خاصةً لها سماتها وخصائصها وشعرائها.

شعراء المهجر

مرّ على مدرسة المهجر العديد من الأدباء المتميزين الذين أثروا الادب العربي بشكل كبير، فكتبوا في كثير من أنواعه مثل الشعر والنثر والنقد والقصة والرواية، وقاموا بتأسيس رابطتين أدبيتين؛ الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، أما عن الشعراء والأدباء الذين برزوا أكثر من غيرهم في الروابط الأدبية لمدرسة شعراء المهجر سنتحدث عنهم في النقاط التالية:

شعراء المهجر في الرابطة القلمية

تم تأسيس هذه الرابطة سنة 1920 ميلاديا من قبل الشعراء العرب الذين تركوا أرض الشام واستقروا في أمريكا الشمالية، وسميت بذلك الاسم نسبة إلى القلم الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم وشرفه بذلك، وقامت هذه الرابطة بتوحيد أدباء المهجر بغرض تقوية لغة الضاد وآدابها، ومن أبرز شعراء هذه الرابطة ما يلي:

1- جبران خليل جبران: نشأ في قرية بشراي التي تتواجد في الجزء الشمالي من لبنان في السادس من يناير لسنة 1883 ميلاديا، ترأس الرابطة القلمية لشعراء المهجر، كتب الكثير من الأعمال الأدبية باللغتين العربية والإنجليزية منها على سبيل المثال؛ الأرواح المتمردة، العواصف، دمعة وابتسامة، النبي، رمل وزبد، وذلك بجانب اجمل اقوال جبران خليل جبران الهادفة وقد فتك به مرض السل الذي أدى إلى وفاته في العاشر من شهر أبريل لسنة 1931 ميلاديا بمدينة نيويورك الأمريكية.

2- ميخائيل نعيمة: نشأ في قرية بسكنتا التي تقع عند سفح جبل صنين في لبنان في شهر أكتوبر لسنة 1889 ميلاديا، عُرف عنه حبه للعزلة والتأمل، وأثرى الأدب العربي بالعديد من الكتب والمؤلفات، وتوفي سنة 1988 ميلاديا.

3- إيليا أبو ماضي: نشأ في قرية المحيدثة بلبنان في سنة 1889، انضم إلى الرابطة القلمية ومؤسسيها في عام 1916 ميلاديا، وأصدر له ديوان الخمائل سنة 1940 ميلاديا، وألّف العديد من الأشعار  التي نُشرت في الصحف والمجلات، وفارق الحياة سنة 1957 ميلاديا.

4- نسيب عريضة: نشأ في مدينة حمص السورية في عام 1887 ميلاديا، قام بتأليف ما يزيد عن خمس وتسعين قصيدة تم تجميعها ونشرها في ديوان واحد بعد وفاته سنة 1946 ميلاديا، وأُطلق عليه اسم الأرواح الحائرة.

5- شعراء آخرون: عبد المسيح حداد، رشيد أيوب، إلياس عبد الله، ندرة حداد، وديع باموط، وليم كاتسليف.

شعراء المهجر في العصبة الأندلسية

تم تأسيس هذه الرابطة من قبل الشعراء والأدباء الذين هاجروا من أوطانهم إلى أمريكا الجنوبية خصوصا في الأرجنتين والبرازيل، لم يبق كل أعضائها فيها، حيث رحل عدد من الشعراء عنها، والبعض الآخر غادروها ورجعوا إلى بلاد الشرق، ومن أبرز شعراء هذه الرابطة ما يلي:

1- فوزي معلوف: نشأ في قرية زحلة بلبنان في الحادي والعشرين من شهر مايو لعام 1899 ميلاديا، عُرف عنه العبقرية الشعرية، فكان يبرز في شعره الطابع الشرقي نقيضة للمادية الغربية، ولكن كان يميل في شعره أكثر إلى التشاؤم متأثرا بحزنه الشديد وكآبته الحادة، ومن أهم أعماله الأدبية؛ سقوط غرناطة، ملحمة على بساط الريح، وتوفي سنة 1930 ميلاديا.

2- إلياس فرحات: نشأ في قرية كفر شيما الموجودة بلبنان في سنة 1893 ميلاديا، قام بتأليف مجموعة من الدواوين الشعرية وأطلق عليها اسم فصول السنة فكان متأثرا جدا بالطبيعة، وكتب ديوان في الغزل وأطلق عليه اسم فواكه رجعية، وتوفي سنة  1976 ميلاديا.

3- رشيد سليم الخوري: نشأ في قرية البربارة  بلبنان في سنة 1887 ميلاديا، ألف عدد ليس بالقليل من الأعمال الأدبية ومن أمثالها، الرشيديات، القرويات، الأعاصير، القروي، وقد أُطلق عليه أكثر من لقب مثل الشاعر القروي وشاعر العروبة، وفارق الحياة في عام 1984 ميلاديا.

4- شعراء آخرون: ميشيل معلوف، عقل الجر، توفيق ضعون، مهدي سكافي، قيصر سليم الخوري، شفيق معلوف، شكر الله الجر، توفيق قربان، جرجس كرم، اسكندر كرباج.

تعتبر سمات مدرسة المهجر هي ذاتها عند كل من شعراء الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، حيث قد ظهرا للوجود في ذات الوقت تقريبا في طليعة القرن العشرين، وتحديدا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى والتي استمرت من سنة 1914 إلى 1918 ميلاديا، فأصبحت عواطف شعر المهجر تعبر عن الحنين والاشتياق للوطن، وتصف اضطرابات النفس والفؤاد.

شعراء المهجر

شعراء المهجر

خصائص شعراء المهجر

لقد اتسم شعراء المهجر بالعديد من الخصائص والسمات المتنوعة مقارنة بغيرهم من شعراء المدارس الأخرى، فبعض منها مرتبط بالقالب الفني أو التعبيري، والبعض الآخر يرتبط بالموضوع، ومن أهم خصائص شعراء المهجر ما يلي:

1) الخصائص المرتبطة بالموضوع

أولًا/ الاشتياق واللهفة إلى الوطن، والدفاع عن الأمور والموضوعات المرتبطة به، وذلك من منظور أن الشعراء والأدباء جزء لا يتجزأ منه، حيث غمرت أحاسيسهم الجياشة جميع قصائدهم وأشعارهم، فتغنوا بسحر الوطن وعبروا عن قسوة الغربة ومرارتها، وشعر أمير الشعراء احمد شوقي بتلك العواطف عندما نُفي خارج بلده.

ثانيًا/ التحاور مع الطبيعة والانخراط بها، ونشر روح الحياة في صورها، وإضفاء ما يدور في داخلهم من مشاعر الحزن والقلق والحب والحنين عليها، فكانت الطبيعة عند شعراء المهجر الملجأ الوحيد للراحة والأمان والفرح.

ثالثًا/ تأمل النفس البشرية، فقد عزم شعراء المهجر على تحليل شخصية الإنسان عن طريق وصفها وتمثيلها ببراعة، للكشف عما في جرابها من أسرار

رابعًا/ عدم الاعتماد على الأسلوب المباشر في الخطاب، والتركيز أكثر على أسلوب الهمس في التعبير، ذلك الأمر الذي انعكس على اختيار معانيهم وألفاظهم فكانت عذبة سهلة تتسلل إلى النفس كما تتسلل المياه إلى جذوع الأشجار.

2) الخصائص المرتبطة بالقالب الفني أو التعبيري

أولًا/ تجنب الاعتماد على التكلف، والثورة على التقيد والغرابة في استخدام اللغة غير المناسبة للعصر، فقد اتسمت كلمات شعراء المهجر وألفاظهم باللين والرقة والسهولة، بالإضافة إلى تميزهم بروعة وسحر التصوير.

ثانيًا/ الاعتماد على وحدة الموضوع في أشعارهم، فقد استوحوا هذا من شعراء الغرب، حيث كانت قصائدهم ودواوينهم تحتوي على مضمون واحد يتصل اتصالًا وطيدًا بالعنوان.

ثالثًا/ التركيز أكثر على الصور الفنية التي تُصور المعنى المطلوب، فالصورة قادرة على صياغة مشاعر وأحاسيس الشاعر بشكل أفضل، فكانت أغلب قصائد شعراء المهجر عبارة عن لوحات فنية مفعمة بالحركة والحياة.

رابعًا/ الدعوة إلى تنوع القافية في القصيدة كما حدث في الموشحات الأندلسية، والثورة على الأوزان العروضية التقليدية، فكانت معظم قصائدهم من المطولات.

خامسًا/ استخدام القصة القصيرة كطريقة للتعبير، حيث كانت القصيدة تعج بالشخصيات التي تتناقش وتتجادل لتعبر عن مكنوناتها الوجدانية، ومن أبرز رواد القصة القصيرة في الأدب العربي غسان كنفاني ويوسف إدريس.

نماذج من قصائد شعراء المهجر

ومن أشعار إيليا أبو ماضي ما يلي:

السماءُ كئيبةٌ! وتجهما      قلتُ: ابتسمْ يكفي التجهم في السما

الصبا ولّى! فقلت له: ابتــسمْ     لن يرجعَ الأسفُ الصبا المتصرما

ومن أشعار فوزي معلوف ما يلي:

غرناطة للمسلمين فقل لهم        ما غير سيف المسلمين يسودها

هي قبّة الدنيا، ونحن نجومها       وهي العرين ونحن نحن أسودها

ومن أشعار مخائيل نعيمة ما يلي:

يا نهرُ هل نضبتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخريـر؟     أم قد هَرِمْتَ وخار عزمُكَ فانثنيتَ عن المسير؟

 بالأمسِ كنتَ مرنماً بين الحدائـقِ والزهـور     تتلو على الدنيا وما فيها أحاديـثَ الدهـو ر

 بالأمس كنتَ تسير لا تخشى الموانعَ في الطريـق     واليومَ قد هبطتْ عليك سكينةُ اللحدِ العميـق

لماذا سميت مدرسة المهجر بهذا الاسم؟

أُطلق على مدرسة المهجر هذا الاسم، لأنها تأسست على يد مجموعة من الأدباء والشعراء العرب خصوصا السورين واللبنانيين الذين هاجروا من أوطانهم إلى بلاد الغرب خاصة الأمريكتين، وهناك ألفوا العديد من الأشعار والقصائد التي أثرت الأدب بصورة عامة.

من أسس مدرسة شعراء المهجر ؟

كان عبد المسيح حداد هو من أسس مدرسة شعراء المهجر في أمريكا الشمالية، وأطلق عليها اسم الرابطة القلمية، بينما قام شكر الله الجر بتأسيس مدرسة شعراء المهجر في أمريكا الجنوبية، وأطلق عليها اسم العصبة الأندلسية.

ما هي الموضوعات التي نظم فيها شعراء المهجر ؟

يوجد العديد من الموضوعات والاتجاهات التي تحدث فيها شعراء المهجر، والتي من أمثلتها؛ شعر الطبيعة، شعر الحنين والغربة، الشعر الاجتماعي والانساني، شعر الحب، شعر التأمل النفسي.

لماذا تمت تسمية أدب المهجر بالأدب المهموس؟

أُطلق على أدب المهجر اسم الأدب المهموس، لأنه يتسم بالعمق الشديد والارتباط الوثيق بالحياة وغير مشتمل على الخطابية الرنانة والسطحية الثقافية، فهو يناجي القلب.

مواضيع ذات صلة

رواية ثلاثية غرناطةتحميل رواية ثلاثية غرناطة pdf للمبدعة رضوى عاشور

كتاب فن الكلامكتاب فن الكلام | للكلمة أهميتها وللمعاني هيبتها