صفي الدين الحلي | فارس الشعر والعقيدة

صفي الدين الحلي

ماذا تظن بمَن قيل فيه بأن قرضه أرقّ من سحر النسيم؛ وأورق من المحيا الوسيم؟! صفي الدين الحلي فارس البيان؛ وحامل لواء العقيدة؛ وأحد ألسنة الشعر في بلاد الرافدين.

صفي الدين الحلي | شاعر عالي المقام في الأدب

لقد أشرق الأدب العربي في سماء العصر العباسي بشكل مثيرٍ جراء ما أُثري به من قصائد الشعراء الأجلاء أمثال أبو نواس وأبو فراس الحمداني؛ بالإضافة إلى شاعر العرب العظيم المتنبي، ولقد مضى على خُطى هؤلاء النبلاء كثيرون ممن تعمقوا في الشعر والنثر العربي، ولعل أبرز الذين ساروا على دروب الشعراء العباسيين هو صفي الدين الحلي الذي حشد الأسلوب الرقيق السلس والمجاز الكثير في مؤلفاته التي تسر أنظار القارئين.

ربما سيقع اللَبس على الكثيرين الذين لا يعرفون أن اسم صفي الدين الحلي ليس بالصحيح وإنما ذلك ما اشتُهر به؛ حيث إن اسمه الحقيقي أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن أبي القاسم الطائي، والذي ولد عام 1277 م في مدينة تقع بين الكوفة وبغداد تُسمى الحلة، وهو أحد أفراد قبيلة طيء الكهلانية السبئية، ومن خلال ملف صفي الدين الحلي حياته وشعره pdf يمكنك عزيزي القارئ التعرف أكثر عن هذا الشاعر.

ترعرع صفي الدين الحلي في أكناف العراق في الفترة الزمنية التي تبعت ولوج المغول إلى بغداد وقضائهم على الحكم العباسي، وتربى منذ صباه على حب العلم والأدب حتى صار ألمع شعراء عصره، وكان له أسلوبٌ مميزٌ في كتاباته حيث بَعد كل البعد عن التعقيد والغموض عند انتقاء ألفاظه، وله أبيات شعرية كثيرة لم تغفل عنها أي عقول.

لمحة مختصرة عن حياة صفي الدين الحلي

لقد أفلتت مدينة الحلة التي نشأ فيها صفي الدين الحلي من الدمار الذي أصاب ضواحي العراق كبغداد التي زارها البحتري عدة مرات، وبقت الحلة آمنةً دون أن تُمسكها يد الأعداء؛ لذا ظلّت منبعٌ للشعر والأدب على مرّ الزمان، وشبّ صفي الدين في أسرة مرموقة حرصت على تلقين نجلها العلوم الدينية في صباه.

تعلم هذا الأديب القراءة والكتابة في صغره كما مارس العديد من الهوايات مثل: الفروسية ولعب الشطرنج والصيد بالبندقية، كما قد أخذ الشعر عن شيخه جعفر بن الحسن الحلي الذي قام بتلقينه علوم الأدب والبلاغة حتى صار نابغًا وإمامًا وناثرًا، فما أجمل طفولتك العلمية أيها الصفيّ الحليّ!

قول صفي الدين الشعر في الملوك والسلاطين

لقد ظلّ صفي الدين الحلي مرتحلًا من بلدٍ إلى آخر جراء عمله بالتجارة، والتي حتمت عليه التنقل بين أرجاء مصر والشام وماردين؛ ولكنه لم يمكث كثيرًا في تلك البلدان إذ كان يأتي موطنه بعد فراغه من عمله، وتقرب صفي الدين في شعره إلى حكام الدولة الأرتقية حيث قال المديح فيهم، وعاد ذلك عليه بالنفع فلقد اكتسب رضاهم ونال من عطاياهم.

لربما اعتاد أبو المحاسن على مدح الملوك والشخصيات البارزة بأشعاره الجميلة، فلقد امتدح السلطان الناصر محمد بن قلاوون؛ أبرز حكام مصر في قصيدةٍ عارض وأذى بها قصيدة المتنبي (بأبي الشموس الجانحات غواربا).

عقيدة صفي الدين الحلي | المتعلق قلبه بحب الفاروق

كان صفي الدين الحلي  شيعياً حد النخاع حتى أن شيعته هذه قد انبلجت في أشعاره، فكان متمسكًا بأقواله مثلما يقبض الإنسان على أخلاقه الحميدة، ولم تكفه أفكاره الشيوعية عن قول المديح في الرسول والصحابة الأجلاء رغم أنه أبرز الشيعيين، والمعروف عن هؤلاء أنهم أشد الناس عداوة للصحابة.

لم تسلم ألسنة الشيعة من التطاول على صحابة رسول الله؛ فهم الذين يظنون أن الصحابة هم مَن قضوا على دولتهم المجوسية، وقاموا بتفرقة ممالكهم وحكامهم، فكانت أفئدتهم مليئةً بالحقد والبغض تجاه رضوان الله عليهم مما جعلهم يطلقون الشائعات عليهم إلا أن صفي الدين الحلي كان عاشقًا لهؤلاء؛ وقال فيهم شعر المديح في ديوان ولا أروع منه.

ديوان صفي الدين الحلي

كان شعر الحليّ أشبه ما يكون بمرآة تعكس جمال الأدب العربي للعالم أجمع، فبالرغم من أنه سار على نهج شعراء العصر العباسي إلا إنه أبدع في تدوين قصائده الشعرية والنثرية؛ حيث تركت مؤلفاته بصماتٍ مؤثرةٍ في عالم الأدب، ولعل من أبرز هذه الآثار تلك القصيدة التي امتدح بها الصحابة، والتي لا زالت محفورةً في أذهان الجميع حتى يومنا هذا.

ومن أجمل أبيات تلك القصيدة ما يلي:-

فَإِلى مَن تَميلُ قُلتُ إِلى الأَربَعِ       لا سِيَّما إِلى الفاروقِ

لقد نطق صفي الدين الحلي بهذا الشطر العظيم في قصيدته “قيل لي تعشق الصحابة طرا” والتي انبلج فيها شدة هيامه بالفاروق والد عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وأكاد أجزم بأن ذاك الكون الفسيح لم يُخلق فيه بعد مَن يعادي بن الخطاب شهيد المحراب باستثناء هؤلاء الشيعة الكارهين له ولأصحابه، فالقلوب تميل إلى مَن يشبهها أو يرغب في الاحتذاء بها؛ لذا مال وتين صفي الدين كل الميل إلى عمر؛ الذي اتصف بالحزم والقوة والهيبة.

ديوان صفي الدين الحلي

ديوان صفي الدين الحلي

كتب صفي الدين الحلي

لعل تعاطي صفي الدين لعلوم الأدب جعله مبدعًا في سائر فنون الشعر، ولقد أفنى وقته في سبيل التفقه في علم المعاني والبيان؛ وهذا ما جعله أحد أفضل الشعراء العرب على مر العصور، فلقد ظلّ يُشكل قصائده بأجمل الألفاظ الزخرفية؛ فلمَ لا وهو مَن قصد الدخول إلى عالم الشعر من أوسع أبوابه باغيًا التغلغل في فنونه؟!

لقد اشتهرت مؤلفات صفي الدين؛ فارس البيان بالسهولة والعذوبة؛ كما ابتعدت بعيدًا عن التعقيد والغموض، وكان من ألمع الشعراء الذين كتبوا بالفصحى والعامية، وله أرتقيات تحتوي على 29 قصيدة مرتبة وفقًا لحروف المعجم؛ وتُبدأ أبيات كل قصيدة بحرف ما وتُختتم به.

ومن أجمل مؤلفات فارس العقيدة والشعر في الأدب واللغة ما يلي:-

– كتاب العاطل الحالي والمرخص الغالي الذي تحدّث فيه عن الشعر العامي.

– معجم أغلاطي الذي يحتضن بداخله سائر الأغلاط اللغوية في عصره.

– كتاب نتائج الألمعية في شرح الكافية البديعية؛ يتواجد منه نسختان إحداهما في إسبانيا والأخرى في مصر.

– كتاب الدر النفيس في أجناس التجنيس الذي يتواجد الآن في دار الكتب المصرية.

– ديوان صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء.

أما عن أجمل قصائده التي كتبها فهي قصيدة لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا، والتي سأذكر بعضًا من أبياتها فيما يلي:-

من فاتهُ العز بالأقلامِ أدركه  …    بالبِيضِ يقدحُ من أعطافِها الشرَرَا

بكل أَبيَض قَد أَجرى الفِرِندُ بِه   …   ماءَ الرَدى فلو استقطرته قَطَرا

خاضَ العَجاجةَ عُرياناً فَما انقَشعت  …  حَتى أَتى بدمِ الأَبطالِ مُؤتَزِرا

خصائص شعر صفي الدين الحلي

رقةٌ في الأسلوب؛ جزالةٌ في الألفاظ؛ تميزٌ في صياغة العبارات؛ انسجام وتوافق بين شطور الأبيات؛ تفننٌ بالمحسنات المعرفية واللفظية، تلك هي لمحة مختصرة عن أبرز سمات شعر صفي الدين الحلي ؛ فارس الشعر والعقيدة في بلاد الشرق الذي أسهم في تدوين وقائع تاريخية قد عاصرتها منطقتنا العربية.

ولقد تميز شعره بمجموعة من الخصائص والتي سأسطرها فيما يلي:-

– اتسمت مدلولات الألفاظ المستعملة في قصائد صفي الدين باتصالها المتين بعلوم علم البيان؛ فلم تخلُ كتاباته من الأسلوب المجازي والكنايات والتشبيه بل أبدع في تصوير الخيال بشكل أدبي راقي في مؤلفاته.

– تمكن من إدخال المصطلحات العلمية القوية في كتاباته، وذلك جراء معرفته الواسعة بعلوم الحديث والفقه والفلسفة.

– استعان في الكثير من قصائده بالأحداث التاريخية والقصص الشهيرة التي سبق وأن حدثت على مر الزمان.

– كان شاعرًا بارعًا ذا لسانٍ بليغٍ وهذا ما ظهر عليه في أبياته الشعرية عن الغزل والوصف والمدح.

– لقد كانت القافية أشبه ما تكون بدروبٍ يسير على خطاها صفي الدين عند كتابة قصائده.

– تطرق إلى الحديث عن مواضيع حساسة كالحكم والمجون والخمر في أبياته الشعرية.

وفاة صفي الدين الحلي | أحد عمالقة الشعر

لقد توفى أحد عمالقة الشعر العربي؛ صفي الدين الحلي في مسقط بغداد عاصمة العراق في أوائل السنة الهجرية 750، وعام 1349 ميلاديًا.

ما هما الخصلتان البارزتان في شعر صفي الدين الحلي؟

لقد نظم صفي الدين الشعر في كافة أغراضه ولكنه تفرد بخصلتين متميزتين في شعره ألا وهما أنه كان مولعًا بتصنيع الشعر وإدخال المحسنات البديعية فيه، وحبه لمعارضة مَن سبقوه من الشعراء لا سيما المتنبي.

كيف خلّد صفي الدين انتصارات العرب على الجيوش المغولية؟

لم يترك صفي الدين تلك اللحظات التاريخية بل قام بتخليدها في قصيدة شعرية له قد بُدأت بهذا السطر:- سَلي الرّماحَ العَوالي عن معالينا ... واستشهدي البيضَ هل خابَ الرّجا فينا.

ما هو الشعر العاطل الذي تحدث فيه صفي الدين الحلي؟

لقد تميز صفي الدين عن غيره من الشعراء لا سيما عندما كتب في الشعر العاطل أو المهل الذي تخلو كلماته من وجود النقط مثل قوله: سدد سهماً ما عَدا روعَه .. وروع العُصم وللأُسد صاد.

ما أجمل أرتقيات التي ألّفها هذا الشاعر؟

مغانم صفو العيش أسمى المغانم .. هي الظلُّ إلاّ أنّه غير دائمِ.

مواضيع ذات صلة

حافظ ابراهيمحافظ ابراهيم | شاعر النيل صاحب العقل الرزين

مصعب بن الزبيرمصعب بن الزبير | أمير العراقين وسافك الدماء