طرفة بن العبد : حكاية الصَّبي الذي قتله شعره.

يقالُ دائمًا إنَّ الشاعر الحقّ هو ابن بيئتهِ وتجربتهِ، هذا طرفة بن العبد شاعرٌ حقُّ، تكلَّم شعرًا وهو صغيرٌ، ووصل إلينا ناضجٌ، ومات صغيرًا، ولكن كلماته خلَّدها التاريخ العربيّ.

فتَى في مَحارَبَةِ الرِّيحِ

هو عبيد بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك، ولقبه طرفة وجاء هذا من بيت شعرٍ قاله :
لا تعجلا بالبكاء اليوم مطَّرفا        ولا أميريكما بالدار إذ وقفا
وقليل هم من لقبوا بأبياتٍ قالوها في العصر الجاهلي، ولكن منهم على سبيل المثال: المتلمس خال طرفة، والمثقب العبدي والمرقش الأكبر.

أمُّه هي وردة بنت عبد المسيح بن عبد الله، وقد كان لموت والد طرفة وهو صغير أثر سيء على مسار الأسرة بكاملِها.

غُلامٌ ثابتٌ كالجَبَلِ

بعد موت أبيهِ شبَّ يتيمًا وصارَ شاعرًا وحيدًا يستوِحِش ما حولَه، وقد قرَّرَ أعمامه بعد موت أبيهِ ألَّا يقسموا تركته وظلموا حقَّ أمِّه في الورث وأكلوه عيانًا، فتصدى لهم طرفة وهو لا يزال صغيرًا وأشهرَ سلاحَه في وجههم، وإنَّ سلاح الشَّاعر أحدّ من السَّيفِ المهنَّدِ إذ يقول شعرًا:

ما تنظرون بحقّ وردة فيكم صغر البنون ورهط وردة غُيَّبُ
قد يبعث الأمر العظيم صغيره حتى تظلّ له الدماء تصبّبُ
أدّوا الحقوق تفر لكم أعراضكم إن الكريم إذا يحرّب يغضب

وهذه الأبيات دلَّت على نبوغ عقله في سن مبكرةٍ، وعلى مروءته القويِّة، ونبلٍ أخلاقِهِ وفطرتِه السَّليمة، فهو يذكِّر أعمامه أنّهم لم يكونوا ليتجرأوا على أمّه وأبوه حيٌّ، وإنَّما فعلوا ذلك فقط لأنّ أباه مات، وهكذا كان طرفة قويًّا شديدًا في مظلمة أمِّه فهو القائِل:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً    على النَّفسِ من وقعِ الحسامِ المهنَّدِ.

حياة طرفة بن العبد

إنَّ قصة طرفة بن العبد يحفُّها الغموض، ولا غرو في ذلك فإنَّنا نتحدث عن العصر الجاهلي حيث لم تكن إلَّا المرويّات الشفهيّة سبيلًا لحفظ التَّاريخ، ومهم يكن من شيء فإنَّ المكان الذي ولد فيه لا نعلم عنه شيئًا وكذلك تاريخ ولادته وتاريخ وفاته، فلا أحد من المؤرخين تعروضوا لهذا الأمر، ولكنَّ غالب الأمر أنّه ولد في أطراف العراق حيث شرق الجزيرة العربية.

لم يعمّر كثيرًا طرفة بن العبد فقد عاش بين عشرين إلى ست وعشرين سنة، وسنة وفاته غير معروفة بالضبط، ولكنَّ يشاع عاش عمره بين 528هـ و569هـ، يقال إنّه عاش عشرين سنة وآخرون يقولن بستٍ وعشرين سنة وبين هذا وذاك تتذبذب الرؤى.

شهادة لبيد بن أبي ربيعة

قيل بأنًّ لبيد بن ربيعة قد مرَّ بمجلس بني نهدٍ بالكوفة فبعثوا خلفه غلامًا يسأله من أشعر النّاس فقال: ذرو القروح يعني – امرؤ القيس – قال ثم من؟ قال: ثم ابن العشرين يعني طرفة بن العبد .

حالته الاجتماعية

كان طرفة بن العبد فقيرًا، ليس له مالٌ ولا أولادٌ، وغاية ما يتمناه أن يكون مثل قيس بن خالد ابن عمّه، ذا مالٍ وأولادٍ، ولعلَّ طرفة لم يتزوّج بسبب ذلك، فإنّ من عادة العرب أن تزوج أبناءها مبكرًا ولكن لم تصلنا أخبار بذلك، وقد كان راعيًا لأبل أهلهِ.

النَّخيل الذِي نمَا مبكِّرًا

ظلَّ نبوغ طرفة مبكِّرًا في الشعر لغزًا محيِّرًا لكل المؤرخين والباحثين، فقد كثر شعر طرفة بن العبد في الفخر والحكمة وشغل أذهان القدماء والمحدثين حتَّى قيل أن طرقة أنشد الشعر في السابعة من عمرِه! وإلَّا كيف تبوَّأ هذه المكانة الكبيرة بين الشعراء الكبار الفحول الجبابرة.

قصته مع القنابر

يحكى أنّ طرفة بن العبد وهو في السابعة من عمرهِ كان مع أحد أعمامِه في سفرٍ، وقد حطّوا رحالَهم في الصّحراء ليستريحوا من قيظِها وهجيرِها، ذهب طرفة بن العبد ينصب فخّا للقنابِر في الصّحراءِ ونثر عليه الحبَّ كي تلتقطَه القنابِر، وظلّ يومه يرقبها تأتي فتقع في الفخ فلم تفعلْ ذلك القنابِر أبدًا كأنّها علمت بهذا الخ مسبقًا وحذرت منه.

ظلَّ طرفة بن العبد صابرًا ولكن بلا جدوى، إلى أن جاء وقت الرّحيل، فيئسَ طرفة ولملم الفخ، وأثناء المسير نظر طرفة وراءه فوجد القنابر تأكل الحب مكان الفخِّ المنشودِ، فهيَّج ذلك قريحته وأشعر في ذلك الموقف قائلًا:

يا لك من قبرة بمعمرِ           خلا لك الجو فبيضي واصغري
ونقري ما شئت أن تنقري      فقد رحل الصياد عنك فابشري
ورفع الفخ فماذا تحذري         لا بد من صيدك يوما فاصبري

ليست كلُّ الحكايات تنتهِي بالمسرّات

قد يسأل أحدهم من هو الشاعر الذي قتله شعره ؟ فيجيب قائلًا أبو الطيب المتنبّي، هذا صحيح  ولكن هنالك آخر، أجل إنّه: طرفة أحد، وهذه هي الحكاية.

كان لطرفة بن العبد خالٌ مشهورٌ يدعى بالملتمس الضبعي يعمل عند ملك الحيرة عمرو بن هند، وكان طرفة دائمًا يفخر بقبيلته ويتبختر في مشيته، حتى نقل أحد الوشاة إلى ملك الحيرة خبرًا يفيد بأنَّ طرفة بن العبد يهجوه، فلمّا مرّ طرفة بن العبد على الملك بتلك المشية المتبخترة تلك غضب الملك غضبًا شديدًا.

ولمَّا شاهد خاله نظرة الملك على وجهه حذّر طرفة بن العبد من هذه النظرة فلم يعبأ بذلك طرفة، وقرر ملك الحيرة أن يرسل الاثنين إلى المكعبر أمير البحرين برسالتين لكل منهما، وهما في الطريق قابلا شيخًا حذرهما مما في الرسالتين، وقد كانا يظنان أنّ ما في الرسالة مكافاة لهما، ولم يكونا عالمين بأسس القراءة، فجاءا فغلام يقرأ لهما الرسالة.

حينما فتح المتلمس رسالته كانت مفاداة الرسالة هي قتل خال طرفة، فألقاها في النهر وأمر طرفة بفتح رسالته لكن طرفة قرر الذهاب بها دون خاله وإيصالها على آي حال فإنها أمانة والأمانة عند العرب شرف مهما كانت، وعندما وصل طرفة إلى المكان وبلغ الرسالة، كانت الرسالة تفيد بأنه لا بد أن يقتل، لكن تم إرسال رسالة إلى ملك الحيرة برفضه قتل طرفة.

ولكن أمير البحرين بعث لملك الحيرة بأن يأتي بأحد رجاله ويقتله طرفة هو لأنه لن يقتل طرفة، فبعث ملك الحيرة رجلًا من رجاله وقتل طرفة، وانتهت حياته بسبب هذه القصيدة التي يهجو فيها ملك الحيرة:

فَلَيتَ لَنا مَكانَ المَلكِ عَمروٍ      رَغوثاً حَولَ قُبَّتِنا تَخورُ
مِنَ الزَمِراتِ أَسبَلَ قادِماها      وَضَرَّتُها مُرَكَّنَةٌ دَرورُ
يُشارِكُنا لَنا رَخِلانِ فيها          وَتَعلوها الكِباشُ فَما تَنورُ

معلقة طرفة بن العبد

إنَّ المعلقات السبع هي جواهر الشعر العربي القديم، وسميت بالمعلقات لأنّها كانت تعلق على أستار الكعبة، والعجب أن طرفة وهو في هذه السن الصغير يكتب بتلك البراعة اللا متناهية حتى تكون له معلقة تتناقلها العرب وتنشدها فيما بينهم بعد موت صاحبها ومطلع هذه المعلقة هو لخولة أطلال ببرقة ثهمد، وهذه بعض أبياتها

لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ         تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ

وُقوفًا بِها صَحبي عَلَيَّ           مَطيَّهُم يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ

كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً         خَلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ

عَدَوليَّةٌ أَو مِن سَفينِ اِبنِ يامِنٍ   يَجورُ بِها المَلّاحُ طَورًا وَيَهتَدي

يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيزومُها بِها    كَما قَسَمَ التُربَ المُفايِلُ بِاليَدِ

وَفي الحَيِّ أَحوى يَنفُضُ المَردَ     شادِنٌ مُظاهِرُ سِمطَي لُؤلُؤٍ وَزَبَرجَدِ

خصائص شعر طرفة بن العبد

إنَّ أصداء مجازات طرفة بن العبد ترنّ في أذن القارئِ، وخيالاته بمعانيها وصورها وتشبيهاتها تتراقَصُ مثل الأشعّة في صحراءٍ تستقبلُ الفجرَ.

الأسلوب

لقد أبان أسلوبه عن خصائص شعره وعبر عن مميزاته ولولا هذا الأسلوب لاختلط بغيره وما وصل إلينا، وضمن هذه الأمور هو هيام طرفة بالصحراء، وارتمائه بين أحضانها، فهو الذي لم يترك حصاةً إلا وتكلم عنها، ووصفها، وعشقها.

تحدث عن النجاد والوهاد والتلال والجبال والطرق والمرابع والرسوم والأطلال، ونسيمها وريحها، وغمامها ومطرها، وبرقها ورعدها وحرورها، وأعشابها وأشجارها، ولم يترك شيئًا إلا تحدث عنه.

واستعماله لألفاظ مثل الظباء والبقر الوحشي والحمر والحجل والنعام والتي لا تكون غالبًا إلا في بيئة صحرواية، وإننا نلحظ أسلوب طرفة يتسم بالطابع الصحراوي لا يلفه غموض أو غبش، يعالج مشكلاتها وينقل واقعها بوضوح وعدم تكلف.

التطور في شعره

التجارب الأولى لأي شاعر عادة ما تندثر لأنها غير ناضجة، فهي محاولة للوصول إلى الشعر، إلى شكل الشعر الأصيل، فلا يبقى إلا تلك التي نضجت بعد وقت كثير من التأمل والجهد الكبير، ولكن شعر طرفة وصل إلينا ناضجًا كاملًا والنقاد تجزم أنّه من بواكير شعره.

المعاني

القارئ يستطيع أن يستسيغ سهولة المعنى والصياغة المتينة القوية، والبلاغة التي ترقى لأن يكون شاعرًا مخضرمًا في الطبقات الأولى لأشهر الشعراء العرب ، فأنت ترى في ديوانه بعد النظر والحكمة الكبيرة التي يمتكلها في شبابه بل في مراهقته، وهذا يدل على نبوغه في الكتابة مبكرًا وفهمه أكثر فأكثر ما يريد أن ينقله من عقله إلى العالم.

ما منزلة طرفة من طبقات الشعراء؟

يعد طرفة بن العبد من فحول الشعراء وشعراء الطبقة الأولى في الجاهلية

ما معنى اسم طرفة؟

معناه الغريب المستحسن

من تكون محبوبة طرفة بن العبد؟

اسمها خولة، وقد ذكرها في مطلع معلقته الدالية الشهيرة.

هل يوجد شرح معلقة طرفة بن العبد pdf ؟

نعم بإمكانك تصفح كتاب شرح المعلقات السبع للحسين بن أحمد الزوزني وهو موجود على مواقع الانترنت مجانًا.

مواضيع ذات صلة

أبو-تمامأبو تمام الطائي | المبدع الخارج عن عمود الشعر

زهير بن أبي سلمىزهير بن أبي سلمى | شاعر الحوليات وأحد أصحاب المعلقات