عمار بن ياسر | ميزان الفتنة ورجل المحنة الذي اشتاقت له الجنة

عمار بن ياسر

مقالنا اليوم عن أحد فرسان المسلمين السابقين الذين أفنوا أعمارهم في سبيل رفعة هذا الدين، بشره الرسول بالجنة وأطلق عليه اسم الطيب وأوصانا باتباع هديه كما لو كان خامس الخلفاء الراشدين، ولي الإمارة بعد أن كان من المستضعفين ونال الشهادة بعد بلاءٍ حسنٍ في موقعة صفين فعرف الناس بموته أي الفريقين على الباطل وأيهما على الحق المبين، نعم إنه الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي ملئ إيماناً حتى مشاشه كما وصفه بذلك رسولُه وقاتل المرتدين إلى أن بترت أذنه فلم يبالِ وواصل القتال كنجمٍ لا يرجى أفولُه.

إنه ((رجل المحنة وميزان الفتنة والمؤمن الذي اشتاقت إليه الجنة))، فَـ ((رحم الله عماراً يوم أسلم ورحم الله عماراً يوم قتل ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً)).

نسب عمار بن ياسر ومولده :

ينحدر نسب فارسنا من قبيلة مذحج العنسي التي تعد واحدة من القبائل العربية القحطانية العريقة في أرض جزيرة العرب، فهو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن عنس بن مذحج العنسي، وتعود أصول والده ياسر إلى بلاد اليمن لكنه قدم إلى مكة المكرمة برفقة أخويه الحارث ومالك، وعندما قرر الأخوان النكوص إلى اليمن آثر ياسر البقاء على هذه الأرض الطاهرة تنفيذاً لإرادة الله، فلو عاد من حيث أتى ما كانت لـ قصة آل ياسر أن تكون!

وعلى أرض مكة لازم ياسر أبو حذيفة بن المغيرة المخزومي الذي كان سيداً من سادات قريش، فتزوج ياسر من أمة أبي حذيفة وهي سمية بنت خياط التي أنجبت له عماراً، وقد أعتق ابن المغيرة عماراً فصار أحد موالي بني مخزوم، ورغم اختلاف الروايات حول العام الذي ولد فيه عمار إلا أن غالبية المصادر تشير إلى أن عمره كان قريباً من عمر النبي عليه الصلاة والسلام حيث يصغر عمار النبي بأعوامٍ قليلة، ويكنى بأبي اليقظان.

إسلام عمار بن ياسر :

شرح الله صدر عمار بن ياسر في وقتٍ مبكر إذ كان ضمن أول سبعةٍ يعلنون إسلامهم، فقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أول مَن سارع بإظهار إسلامه سبعة هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ابو بكر الصديق وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد رضوان الله عليهم أجمعين، وقد كان الرسول يحتمي بعمه وأبو بكر يحتمي بقومه فصب مشركو قريش غضبهم على المستضعفين الذين لا قوة لهم ولا قبائل تمنعهم.

كان على رأس المستضعفين عمار الذي لاقى وأهله صنوف العذاب حتى أن أبا جهلٍ – قبح الله وجهه – طعن سمية والدة عمار في قلبها فلفظت أنفاسها الأخيرة وأضحت أول شهيدة في الإسلام، وبينما كان رسول الله يمر بعمار وأهله ويعاين حالهم دون أن يملك دفع العذاب عنهم أوصاهم بالصبر وبشرهم بالجنة فقال ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة))، لم تكن هذه بشرى لعمار وذويه وحدهم بل كانت ولا تزال بشرى لكل مَن لاقى ويلاقي العذاب في سبيل الله في كل زمانٍ ومكان، نعم صبراً فإن الموعد الجنة مع الأحبة، عمار وأهله والنبي وصحبه.

استشهاد عمار بن ياسر

استشهاد عمار بن ياسر

إلا مَن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان :

كثيراً ما كان يجبر المشركون عمار وغيره من المستضعفين على سب النبي عليه الصلاة والسلام وذكر آلهتهم المزعومة بالخير تحت وطأة التعذيب، وقد أحزن ذلك عماراً فذهب إلى الرسول معترفاً بفعلته شاكياً ضعف حيلته فما كان من الحبيب إلا أن قال له ((كيف تجد قلبك؟)) فأجابه عمار قائلاً ((مطمئن بالإيمان))، فقال له النبي ((فإن عادوا فعد))، أي لا بأس يا عمار دع لسانك يردد ما يملونه عليك كراهيةً طالما أن قلبك بالإيمان مطمئن، وفي هذا الشأن نزل قول الله تعالى ((مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)).

ولا نزال نرى حتى يومنا هذا سفهاءً من ذوي السلطة يحاولون إجبار الناس على التخلي عن معتقداتهم من خلال إخضاعهم للتعذيب، لو فلح أبو جهل وأعوانه في محاولاتهم لأفلح هؤلاء، لكن ((صمٌّ بُكْمٌ عمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)).

مكانة عمار بن ياسر وفضائله :

إذا عرفنا ماذا قال الرسول عن عمار بن ياسر فسيسهل علينا تصور مكانته وسيبيت بمقدورنا التعرف على فضائله، ومن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام وصفه بالطيب بالمطيب وأخبر أصحابه أن بغض عمارٍ يوجب بغض الله عز وجل وأخبرهم أيضاً أن الجنة تشتاق لأربعة أشخاصٍ وذكر ضمنهم عمار بن ياسر، كما أوصى النبي أمته باتباع هدي عمار والسير على نهجه مؤكداً أن الحق لن يفارقه طيلة حياته وأن قاتله في النار، وفي السياق ذاته قال الرسول ((ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه)) أي اختلط الإيمان بلحم عمار وعظامه ودمائه.

وكان من فضائل أبي اليقظان رضي الله عنه أنه هاجر الهجرتين وشارك في بناء مسجد قباء وشهد بدراً والمشاهد كلها كما شارك في حروب الردة وفقد على إثرها إحدى أذنيه إضافةً إلى مشاركته في موقعتي الجمل وصفين، وكان من اقوال عمر بن الخطاب لخباب بن الأرت رضي الله عنهما ((ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار)).

استشهاد عمار بن ياسر :

اشتعلت الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فوقعت معركة صفين في العام الهجري السابع والثلاثين، كان أبو اليقظان عمار بن ياسر حينذاك شيخاً طاعناً في السن يبلغ من العمر ما يناهز الرابعة والتسعين، ومع هذا لم يتقاعس عن الجهاد ولم يقف على أرض الحياد بل عرف الحق وانحاز له وقاتل من أجل إنصافه واتخذ مكانه في صفوف جيش الإمام علي كرم الله وجهه، وفي خضم المعركة تلقى عمار الطعنة التي أزهقت روحه ومنحته وسام الشهادة الذي يستحق أن تتوج به حياته.

تجول الإمام علي بن ابي طالب متفقداً جيشه ففجع بمقتل العزيز عمار وحق له أن يفجع بمقتله، بكاه بكاءً شديداً ورثاه قائلاً ((رحم الله عماراً يوم أسلم ورحم الله عماراً يوم قتل ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً))، ثم حمله أمير المؤمنين وصلى عليه برفقة المسلمين ودفنه في ساحة معركة صفين دون أن يغسله ودون أن يجرده من ثيابه الملطخة بالدماء عملاً بوصيته، وكان استشهاد عمار بن ياسر بمثابة بوصلة استرشد بها الكثير وعرفوا من خلالها أن الحق حليف علي، كخزيمة بن ثابت الذي قال حينها ((قد بانت لي الضلالة)).

ما هو لقب عمـار بن ياسر ؟

لقب عمار بن ياسر رضي الله عنه هو الطيب المطيب أي الطاهر المطهر، وقد أطلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللقب إذ قال عندما استأذن عليه عمـار ((الطيب المطيب ائذن له)).

ما هي صفات عمـار بن ياسر الجسدية ؟

تجلت أبرز صفات عمار بن ياسر الجسدية في أنه كان صاحب قامةٍ طويلة ومنكبين عريضين وعيون شهلاء وبشرة تميل إلى اللون الأسود كما أنه كان جعداً، ويذكر البعض أن عماراً كان أصلعاً وفي مقدمة رأسه عدة شعرات.

هل تزوج عمـار بن ياسر أم لا ؟

يتساءل الكثير من الناس هل تزوج عمار بن ياسر أم لا والحقيقة أنه لم يرد في قصة عمار بن ياسر شيئاً عن هذا الأمر، لكن بعض المصادر تذكر أن عماراً قد تزوج لكن لم يُعرف بمَن غير أنه أنجب صبياً يدعى محمد وفتاةً تدعى أم الحكم.

ما الكتاب التاريخي الذي ذكر مقتل عمـار بن ياسر ؟

يعد كتاب البداية والنهاية من الأعمال الموسوعية التاريخية الضخمة التي عكف على تأليفها ابن كثير، وقد ذكر مقتل عمار بن ياسر البداية والنهاية بشكل مفصل في الجزء السابع منه وتحديداً في الصفحة رقم 296.

مواضيع ذات صلة

عثمان بن عفانالخليفة المظلوم عثمان بن عفان

البراء بن عازبالبراء بن عازب | المبارز المغوار