المناضل الفلسطيني غسان كنفاني | عندما يكون النضال بالكلمة

غسان كنفاني

لطالما كانت الكلمات طلقات بارود مدوية ودبابات قتالية وصواريخ حربية وقنابل نووية، وإن كنتَ في ريبٍ من هذا ولا تزال تجهل ماذا بوسع الكلمة أن تفعل فتعالَ أذكرك بقول النبي عليه الصلاة والسلام لحسان بن ثابت رضي الله عنه ((اهجُ المشركين فإن روح القدس معك))، تعالَ أخبرك كيف قض غسان كنفاني مضاجع بني صهيون حتى أردوه قتيلاً لإخراس قلمه، تعالَ أصطحبك في جولة داخل سجوننا العربية لترى بأم عينك كم سجيناً تهمته مزاولة مهنة الصحافة.

تعالَ أنبش ذاكرتك لتسترجع حادثة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي وقفت كلماته كالغصة في حلاقيم آل سعود، ومن المؤكد أن خبر مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة برصاص الاحتلال الصهيوني لا يزال عالقاً في ذهنك إذ لم يمضِ عليه سوى أشهر قليلة، أزعجتهم كلماتها فرأوا أن البنادق هي الحل! أرأيت كيف بمقدور الكلمة أن تفزع دولاً وكياناتٍ عظمى؟ هل تيقنت أن الحروب الفكرية أعنف من الحروب العسكرية وأن ثمة مَن يناضل بكلمته!

غسان كنفاني فكرة والأفكار لا تموت :

((بقتلي لن يموت الحق بل خابت مساعيكم وموتي فى سبيل الله يحييني ويفنيكم))، نعم فنى جسد كنفاني وخاشقجي وشيرين وغيرهم لكن ظلت كلماتهم محفورة في ذاكرة التاريخ وظلت أفكارهم محلقة عبر الأزمان ليشار لها في كل عصرٍ بالبنان، فها قد مر على استشهاد كنفاني ما يناهز نصف قرنٍ من الزمن ومع هذا نعرف كلنا من هو غسان كنفاني ونتداول كلماته ونغرق في سطور رواياته، وكأن مغتاليه كافئوه بجائزة الخلود تكريماً له وعرفاناً بمجهوداته.

وعرفاناً منا نحن أيضاً سنفرد سطور هذا المقال لسبر أغوار حياة غسان كنفاني والوقوف على أهم منعطفاتها، عسى أن يُخرج الله من أصلابنا غساناً آخر يصوب فوهات بنادقه – المسجاة على ورق – نحو حصون الأعداء فيدكها دكاً.

من هو غسان كنفاني ؟

يعد غسان كنفاني أحد أشهر الروائيين والصحفيين العرب، أنجبته أرض فلسطين – مثل محمود درويش – في التاسع من شهر نيسان عام 1936 م تحت سماء مدينة عكا، ثم ترعرع تحت سماء مدينة يافا حتى نشوب أولى الحروب العربية الصهيونية عام 1948 م، إذ اضطر على إثرها أن يغادر البلاد برفقة عائلته ليلوذوا باللجوء إلى الأراضي اللبنانية في بادئ الأمر ثم إلى الأراضي السورية التي عاش بها شطراً من حياته وعمل فيها بعد حصوله على شهادة البكالوريا، انتقل بعد ذلك إلى دولة الكويت ثم قضى الفصل الأخير من حياته تحت سماء العاصمة اللبنانية.

ورغم تنقل غسان بين البلاد بقيت فلسطين متربعة على عرش فؤاده، شغلت الحيز الأكبر من فكره ولم تغِب يوماً عن خياله، علقت بذهنه الأحداث التي عايشها في عكا ويافا والتي سمع عنها في حيفا ودير ياسين وشتى مدن فلسطين، عجز عن النضال والمقاومة بالأسلحة فمضى يناضل ويقاوم بفكره وقلمه لمساندة القضية الفلسطينية، انضم في ريعان شبابه إلى هيئة التدريس بوكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين في دمشق إذ كان بارعاً في فنون الرسم فصار معلماً لمادة التربية الفنية في المدارس التابعة للوكالة.

تابع حياة غسان كنفاني السياسية والأدبية :

علاوةً على ما سبق انضم غسان كنفاني إلى حركة القوميين العرب وأصدر ملحقاً خاصاً بالقضية الفلسطينية بعدما تقلد منصب رئيس التحرير في صحيفة المحرر ثم أطلق مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما انخرط غسان في العديد من الأعمال النضالية التي تستهدف مساندة القضية فكان يعقد الاجتماعات ويجري المقابلات وينفذ المشروعات ولا يدخر جهداً في خدمة بلاده.

هذا إلى جانب إنتاجه الأدبي الذي كرسه لخدمة القضية الفلسطينية فكانت أعماله مشحوذة بعاطفة مَن التاع لفراق وطنه وذاق ألم النزوح وتجرع مرارة اللجوء، وقد نجح – من خلال كتاباته – في التحريض وخلق حالة من التعبئة النفسية القائمة على المنطق والعاطفة معاً منادياً بحق الفلسطينيين في استرداد أرضهم المغتصبة.

من هو غسان كنفاني

من هو غسان كنفاني

حياة غسان العاطفية ورسائله لغادة السمان :

في خضم الحياة السياسية والأدبية التي عاشها غسان كنفاني تسللت إليه مشاعر حب جارفة تجاه الأديبة السورية غادة السمان بعدما التقى بها في أحد المحافل المسائية، لكن هذه المشاعر ظلت حبيسة الورق كالمشاعر التي جمعت مي زيادة وجبران خليل، وقد صارت رسائل غسان كنفاني لغادة السمان موروثاً أدبياً عظيماً يجسد المشاعر الإنسانية واللغة العميقة وذلك بعد إقدام غادة على نشر هذه الرسائل بعد وفاة غسان تخليداً لها، لكنها لم تستطع نشر كل رسائله إذ ذهب بعضها ضحية حريقٍ نشب بمنزلها عام 1968 م في بيروت.

اغتيال غسان كنفاني :

كانت كلمات غسان كنفاني رنانة ولافتة للأنظار ومؤثرة إلى درجة كبيرة في دعم القضية الفلسطينية ومناهضة العدو الصهيوني مما أثار حنق الموساد وأرق مضجعه، ونتيجةً لذلك قرر رئيس المخابرات الصهيونية – آنذاك – تسفي زامير إدراج غسان ضمن قائمة الأسماء التي ستتم تصفية أصحابها، وبالفعل نجح الأوغاد في زرع عبوات ناسفة في سيارته لتنفجر به بمجرد إدارة المحرك.

وقد جرت الأمور كما خُطط لها من قِبل الموساد ولسوء الحظ اصطحب غسان في ذلك اليوم ابنة شقيقته لميس التي لم يتجاوز عمرها حينها سبعة عشر خريفاً فذهب كلاهما ضحية الانفجار الذي هز أرجاء العاصمة اللبنانية بيروت صبيحة يوم الثامن من يوليو عام 1972 م، لقد كان جهاز الموساد بقوته وعتاده أضعف من أن يواجه غسان الأعزل إلا من قلمه وفكره، ((نسفوك كما ينسفون جبهة وقاعدة وجبلاً وعاصمة، وحاربوك كما يحاربون جيشاً، لأنك رمز وحضارة جرح)).

وتجسيداً لشعور الانتصار الواهم الذي تسرب إلى بني صهيون إثر اغتيالهم لغسان نذكر مقولة المرأة الحيزبون التي كانت تتقلد منصب رئيس الوزراء في الدولة الصهيونية آنذاك ((بمقتل غسان تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان كان يشكل خطراً على إسرائيل أكثر من ألف فدائي مسلح))، وواللهِ إن مقولتها تلك اعتراف ضمني بانتصار غسان وقلمه وأفكاره.

ما هي روايات غسان كنفاني الأدبية ؟

على الرغم من كون حياة غسان كنفاني قصيرة – إذ لم تدم أكثر من ستة وثلاثين عاماً – إلا أنها كانت كثيفة للدرجة التي أفزعت العدو الصهيوني، فخلال هذه الأعوام القليلة كماً والغزيرة كيفاً استطاع غسان إصدار ما يزيد عن ثمانية عشر كتاباً ونشر عدداً هائلاً من المقالات الصحفية، ومن أشهر روايات غسان كنفاني ما يلي:-

1) رواية عائد الى حيفا :

تعد رواية عائد الى حيفا الصادرة عام 1969 م واحدة من أشهر الروايات التي عكف كنفاني على تأليفها، وناقشت الرواية مفهوم العودة وأعادت صياغة مفهوم الوطن كما سلطت الضوء على تجربة التهجير التي عايشها الفلسطينيون عقب أحداث النكبة متكبدين مشاعر الألم والقهر والظلم والتشريد، وقد تُرجمت رواية عائد الى حيفا إلى لغات عديدة كاللغة الإنجليزية واليابانية والروسية.

2) رواية أرض البرتقال الحزين :

عبرت رواية أرض البرتقال الحزين الصادرة عام 1962 م عن معاناة الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها من خلال مجموعة قصصية مستوحاة من أحداث واقعية، وتضمنت هذه المجموعة قصة السلام المحرم والأفق وراء البوابة وورقة من الرملة وورقة من غزة.

3) رواية أم سعد :

صدرت هذه الرواية عام 1969 م وتحدثت عن الدور العظيم الذي تلعبه الأم الفلسطينية المتجسدة في شخصية أم سعد، وأوضحت أن كل أم في فلسطين هي أم للشعب كله وليست أماً لأبنائها فقط فهي مَن تناصر الحق وتدفع ثمن الهزيمة غالياً وتقدم أبناءها واحداً تلو الآخر فداءً للوطن.

4) رواية رجال في الشمس :

واحدة من الروايات الشهيرة التي أفرزها الكاتب غسان هي رواية رجال في الشمس الصادرة عام 1963 م، وقد وصفت الرواية بشكل مفصل تأثير النكبة على الفلسطينيين من خلال الانغماس في حياة أربعة شخوص من أجيال مختلفة وهم أسعد ومروان وأبو قيس وأبو الخيزران، وفي عام 1972 م أنتجت المؤسسة العامة للسينما بدمشق فيلماً سورياً مبنياً على أحداث رواية رجال في الشمس ليظفر الفيلم بالجائزة الذهبية للأفلام العربية ويدرج ضمن قائمة الأفلام السياسية الأكثر أهمية في تاريخ السينما.

من هم أفراد عائلة غسان كنفاني ؟

ينحدر غسان كنفاني من عائلة مكونة من مجموعة من الأفراد وهم الأب فايز كنفاني والأم عائشة السالم والأخوة مروان وحسان وعدنان وغازي والأختين سهى وفايزة، أما زوجة غسان فهي آني هوفر التي أنجبت له فايز وليلى.

ما الجوائز التي حصدها غسان كنفاني ؟

حصد غسان جوائز أدبية عديدة أبرزها جائزة منظمة الصحفيين العالمية وجائزة أصدقاء الكتاب وجائزة اللوتس، كما حاز اسمه على وسام القدس للثقافة والفنون.

ما أشهر اقتباسات غسان كنفاني ؟

لـ غسان كنفاني اقتباسات ملهمة عدة أشهرها اقتباس ((لك شيء في هذا العالم فقم)) واقتباس ((أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله))، بالإضافة إلى اقتباس ((تسقط الأجساد لا الفكرة)) وأيضاً ((أنتِ في جلدي وأحسكِ مثلما أحس فلسطين، ضياعها كارثة بلا أي بديل)).

لماذا لم يتزوج غسان كنفاني لغادة السمان ؟

يتساءل الكثير من الناس لماذا لم يتزوج غسان كنفاني لغادة السمان والإجابة هي أن تعارف غادة وغسان جاء بعد زواج غسان من آني الكندية وإنجابه منها طفلين، الأمر الذي جعل غادة ترفض الارتباط به حرصاً على استقرار حياته الأسرية حسبما صرحت به، لذا عمدت إلى الصد وتجاهلت الكثير من رسائله.

مواضيع ذات صلة

جورج أورويل | صاحب الكلمة الحرة والقلم المضيء

من هو مؤلف كتاب لا تحزنهل تود التعرف على من هو مؤلف كتاب لا تحزن