قيس بن الملوح | إمام العاشقين

قيس بن الملوح

ومن الحب ما قتل، إنَّ أسمى أبطالٍ خلَّدتهم صفحات التَّاريخ؛ هم من أحبَّوا فعاشوا، وأدناهم مرتَبةً هؤلاء الذين كرهوا فقتلوا، أما أكثرهم قدسية هم من استولى الحب على قلوبهم فماتوا طواعية لأجله، وبجانب التاريخ الزاخر بالحروب والصراعات البشرية، تظل قصص الحب بروايتها وأشعارها وعذوبتها نورا واهنا في نهاية سرداب التاريخ يعطي أملا بسيطا في إمكانية البشرية واستطاعتها على الاستمرار، وأبرز هذه القصص المخلدة في التاريخ على الإطلاق قصة مجنون ليلى قيس بن الملوح الشاعر العاقل المجنون.

نبذة عن قيـس بن الملوح

يعتبر قيـس بن الملوح أحد الشعراء العرب في العصر الأموي وأشهرهم في فن الغزل، فكان أسيرا في سجون العشق، وتعد قصته واحدة من أبرز حكايات الهيام والغرام في التاريخ، واتسم عشقه وغزله بالغزل العذري النقي الطاهر.

اسمه قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن نزار بن معد بن عدنان العامري الهوازاني.

ولد قيـس بن الملوح في منطقة نجد في شبه الجزيرة العربية سنة 645 ميلاديا الموافق لعام 24 هجريا، كبر وترعرع في قبيلة بني عامر في واد يطلق عليه وادي الحجاز، ويتواجد هذا الوادي بين المدينة المنورة ومكة المكرمة.

لُقب بالمجنون لشدة هيامه وعشقه الكبير لابنة عمه ليلى العامرية التي كبر معها وبدأ حبها يتغلغل إلى قلبه منذ نعومة أظافره، فأحبها حبا جنونيا، وأراد أن يكلل هذا الغرام بالزواج منها، ولكن أهلها رفضوا أن يزوجوها إياه.

حب منذ الصغر

جاء مجنون ليلى قيـس بن الملوح إلى الحياة في عهد الدولة الأموية وعاصر بعض حكامها  مثل مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان.

قال معظم المؤرخين إن قيس وليلى كانت تجمعهما صلة قرابة فهما أبناء عمومة، فقد تربيا معا وعاشا فترة الطفولة والصبا مع بعضهما يرعيان مواشي أهلهما، فازداد تعلق كل منهما بالآخر وبدأ الحب يكبر معهما يوما بعد يوم.

وكعادة القبائل العربية، عندما كبرت ليلى مُنعت من رؤية قيس، ذلك الأمر الذي أثر فيه، فقد اشتد به الحنين وأخذ يجوب في ذكريات الصبا البريئة ويرجو لها أن ترجع لسابق عهدها لينعم بالحياة بجانها، وهكذا أصبح قيس هائما ولعا ينشد الأشعار المثيرة، فخلد الأدب في ذاكرته شعر قيس بن الملوح العذب النقي.

لم يجد قيس بُدا من ذلك، فذهب لعمه يطلب يد ابنته ليلى، بعد أن قام بجمع مهر عظيم لها وحشد لها خمسين ناقة حمراء، لكنه قوبل بالرفض، حيث جرت العادات عند العرب على عدم تزويج من انتشر صيتهما بالحب والهيام، لأن العرب قديما كانوا يعتقدون أن تزويج العاشق المعلن عن عشقه بين الناس يجلب لهم العار والفضيحة.

نهاية قصة قيس وليلى

بعد أن رفض أهل ليلى زواجها من قيس، جاء شخص آخر لخطبتها، وكان من قبيلة ثقيف ويدعى ورد بن محمد العقيلي وكان من أثرياء الطائف، فانتهز والد ليلى هذه الفرصة ووافق على تزويج ابنته من هذا الرجل رغما عنها، وانتقلت ليلى مع زوجها ورد إلى الطائف، وبذلك حيل بين العاشقين قيس وليلى.

أظلم العالم في وجه قيس، وهام ضائعا في البراري واعتزل الناس، فأخذ ينشد الشعر والقصيد ويألف بالوحوش ويترنم بحبه العذري، ويتنقل من مكان إلى آخر فيُرى مرة في الشام وثانية في الحجاز وأخرى في نجد، فلم يجد له مكانا يسع حبه وعشقه، إلا أن لقى حتفه بين الأحجار.

وقد ورد الكثير من الأقاويل والشواهد على مدى حب قيس لليلى الذي وصل حد الجنون، فقد زهد الحياة بعدها ولم يتزوج أبدا، وقيل إن والد قيس أخذه إلى الحج لكي يدعو المولى تعالى أن ينزع من قلبه حب ليلى ويشفيه من هذا المرض اللعين، وقال له (تعلق بأستار الكعبة وادع الله أن يشفيك من حبها، فذهب قيس وتعلق بأستار الكعبة وقال، اللهم زدني لليلي حبا وبها كلفا ولا تنسني ذكرها أبدا).

معلومات عن معلقة قيس بن الملوح

تعتبر معلقة قيس بن الملوح أو كما يُعرف عنها قصيدة المؤنسة إحدى قصائد الشعر العذري، وأكثر قصائده التي قالها في ليلى طولا، وداوم على الترنم بها، وقيل إنه كان يصمها عن ظهر قلب مقارنة بأشعاره وقصائده الأخرى، وورد عن إطلاق اسم المؤنسة عليها أن قيـس بن الملوح كان يستأنس بها في عزلته وانفراده بذاته، فهي عبارة عن سلسلة أحداث وتجارب للشاعر قالها على بحر الطويل على قافية ونهاية واحدة، وتدور أبيات هذه القصيدة حول خسارة الشاعر لحبيبته ليلى العامرية، وتصوير معاناته وآلامه ونفاد صبره بعد زواجها والتهاب قلبه بنار الهوى، ومن أبيات هذه المعلقة ما يلي:

تَذَكَّرتُ لَيلى وَالسِنينَ الخَوالِيا

وَأَيّامَ لا نَخشى عَلى اللَهوِ ناهِيا

وَيَومٍ كَظِلِّ الرُمحِ قَصَّرتُ ظِلَّهُ

بِلَيلى فَلَهّاني وَما كُنتُ لاهِيا

بِثَمدينَ لاحَت نارُ لَيلى وَصُحبَتي

بِذاتِ الغَضى تُزجي المَطِيَّ النَواجِيا

معلقة قيس بن الملوح

معلقة قيس بن الملوح

الحب في حياة الشعراء | كالأرض بلا ماء

لقد امتلأت خزينة الأدب العربي بروايات حب الشعراء الذين كان شغلهم الشاغل الحديث عن اجمل ما قيل في الحب والتغزل بحبيباتهم بأعذب الكلمات، هؤلاء الذين لم يتوان كاتب التاريخ في حفر أسمائهم في صفحاته، فظلت ذكراهم موجودة حتى وقتنا هذا، فكثيرا ما سمعنا عن حكايات هؤلاء الشعراء التي كانت متشابهة في مضمونها ونهايتها إلى حد كبير، ومن أمثالها قصص قيس وليلى وجميل وبثينه.

وظهر في شعر قيس وليلى الفراق في أصعب معانيه ومدى تأثرهم الشديد بمفارقة بعضهما البعض، حتى قيل أن قيس بن الملوح هو من قال هذا البيت “وقالوا به داء عياء أصابه   وقد علمت نفسي مكان دوائيا“، ولكن هذا البيت قاله جميل بن معمر في حبيبته بثنيه، ولقد لقي جميل نفس مصير قيس بن الملوح، فالبعد والفراق كانا نهاية قصتي حبهما.

نار اللوعة والأسى

ظل عشق قيس بن الملوح حكايةً مازال وقعها يُحكى حتى الآن، فقد ورد إلينا من شعر قيس بن الملوح وقصائده عن طريق التراجم والشواهد التي بينت مدى صدق عشقه لليلى وذاك العهد الذي ربط قلبين وعلقهما ببعضهما منذ الصغر، ومن أبيات قصيدة مجنون ليلى كاملة ما يلي:

بَذَلتُ لِلَيلى النُصحَ حَتّى كَأَنَّني بِها غَيرَ إِشراكٍ بِرَبّي أَدينُها

فَيا لَيتَ أَنّي كُلَّما غِبتُ لَيلَةً مِنَ الدَهرِ أَو يَوماً تَراني عُيونُها

لأبرِئَ أَيماني إِذا ما لَقيتُها وَتَعلَمُ لَيلى أَنَّني لا أَخونُها

تأثير قيس بن الملوح على الأدب

كان لحكاية قيس وليلى الملحمية تأثير كبير على الأدب بشكل عام والأدب العربي خاصة، فقد أثرت عقول الأدباء وألهبت أحاسيسهم، ذلك بجانب الأشعار والقصائد التي خلفها قيس بن الملوح نفسه، والتي تتبلور معظمها حول عشقه لليلى.

وقد أخذ الأدب الفارسي نصيبه من قصة قيس بن الملوح ، إذ قام الكاتب والشاعر الفارسي نظامي كنجوي بتألف كتاب الكنوز الخمسة ووضعها بين القصص التي قام بسردها والحديث عنها، وأثرت هذه القصة أيضا في الأدب الهندي والأدب التركي.

وفي الأدب العربي كانت قصة قيس وليلى بمثابة بحر إلهام للعديد من الشعراء مثل احمد شوقي  الذي استغل هذه القصة الثرية بالمشاعر ووظفها في أعماله الأدبية، فأوحته إلى تأليف وكتابة مسرحية مجنون ليلى التي لاقت استحسان وإعجاب الجميع، والشاعر صلاح عبد الصبور الذي كتب مسرحية ليلى والمجنون.

كيف مات قيس بن الملوح؟

قيل أن قيس بن الملوح فارق الحياة في عام 688 ميلاديا، فقد عُثر عليه ميتا بين الأحجار في البرايا، فأُخذ إلى أهله، وقيل إن سيدة من قبيلته كانت تحمل له الطعام إلى البرية  كل يوم وتتركه، فإذا رجعت في اليوم التالي ولم تجد الطعام تعلم أنه مازال على قيد الحياة، وفي إحدى المرات وجدت الطعام كما هو فأخبرت أهله بذلك، فبدءوا يتحرون عنه في كل مكان إلى أن وجدوه في وادٍ مليء بالأحجار ميتا، ورأوا أبيات من الشعر عند رأسه كتبها بنفسه وهي:

تَوَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ
فياليت هذا الحِبَّ يعشقُ مرةً فيعلمَ ما يلقى المُحِبُّ من الهجرِ

وظل قيس بن الملوح عاشقا لليلى حتى مات هو وحبه، ولكن لم تفارق الحياة  معه قصائده وأشعاره العذبة التي قالها فيها، فإلى يومنا هذا مازال شعره ينبض بالحياة لكي يروي لنا حكاية إمام العاشقين.

ما هي ديانة قيس بن الملوح ؟

إن الديانة التي كان عليها قيس بن الملوح هي الإسلام.

هل تزوج قيس بن الملوح غير ليلى؟

لا لم يتزوج قيس بن الملوح بامرأة أخرى غير ليلى، فبعد أن رفض عمه زواجهما، زهد الحياة وعاش وحيدا ومات وحيدا.

ما أشهر ما قاله قيس بن الملوح في محبوبته؟

أرى أهل ليلى أورثوني صبابة ومالي سوى ليلى الغداة طبيب إذا ما رأوني أظهروا لي مودة ومثل سيوف الهند حين.

ما هي أشهر قصائد قيس بن الملوح المغناة؟

تعتبر قصيدة المؤنسة وقصيدة يقولون ليلى بالعراق مريضة أشهر القصائد المغناة لـ قيس بن الملوح، فهذه القصائد زاخرة بالألفاظ الرقيقة والمشاعر الجياشة التي تعبر عن حب الشاعر وآلامه ومعاناته بسبب بعده عن محبوبته.

مواضيع ذات صلة

بلال بن رباحبلال بن رباح | أول مَن صدح بحي على الفلاح

السموألمن هو السموأل ولماذا صار أيقونةً للوفاء؟