مارية القبطية | الأمَة المصرية التي حملت أحشاؤها نجل الرسول

مارية القبطية

جارية ذات أصول مصرية، ترعرعت على أرض النيل تحت سماء إحدى القرى التابعة لمحافظة المنيا في صعيد مصر، ثم صارت أمَة في بلاط المقوقس حاكم الإسكندرية وقتذاك، كانت تسمع عن خبر الرسول الذي جاء بالدين الجديد في بلاد شبه الجزيرة العربية لكن لم يخطر ببالها أن تصبح أماً لابنه، إنها مارية القبطية ذات الدماء المصرية الممتزجة بالدماء الرومانية، جارية عظيم القبط التي صارت أم ولَد عظيم الإنسانية.

من هي مارية القبطية ؟

اسم مارية القبطية هو مارية بنت شمعون، وسميت القبطية إشارة إلى أصولها المصرية حيث كان يسمى المصريون أقباطاً آنذاك، تنحدر والدتها من أصولٍ رومانية، وقد ولدت في قرية حفن التابعة لمركز ملوى بمحافظة المنيا ثم انتقلت إلى بلاط الملك المقوقس في سنٍ صغيرة، وعندما بلغت العشرين من عمرها حطت رحالها في المدينة المنورة بعدما بعث بها المقوقس – وأختها سيرين – إلى رسول الله كهدية، وما أجملها من هدية!

قصه مارية القبطيه مع الرسول :

بعد عقد صلح الحديبية في العام الهجري السابع تفرغ النبي عليه الصلاة والسلام للدعوة إلى الإسلام، فمضى يبعث الرسل إلى البلاد ويكتب الرسائل إلى ملوك العالم يدعوهم إلى دين الله، وكان ضمن هؤلاء حاكم مصر المقوقس نائب الدولة البيزنطية في أرض النيل، فلما تلقى المقوقس كتاب النبي أعجب بفحواه وعلم أنه ليس كلام ساحر أو كاهن أو ضال ثم ختم عليه وسطر رده الآتي:-

((بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك))، والجاريتان هما مارية وشقيقتها سيرين.

عاد رسول النبي – وهو حاطب بن أبي بلتعة – إلى رسول الله في المدينة المنورة حاملاً إليه هدايا المقوقس، وكانت مارية فرحة بهذه الرحلة متشوقة للقاء النبي الذي بلغتها أخباره، وزادها تشوقاً حديث حاطب عنه طوال الطريق، وكأن روح النبي شعرت بها فما إن وقعت عين الرسول عليها حتى أعجب بها واتخذها سريةً له بملك اليمين، فيما وهب شقيقتها سيرين لشاعره حسان بن ثابت رضي الله عنه.

إنجاب مارية لإبراهيم ابن رسول الله :

توجت قصه مارية القبطيه مع الرسول صلى الله عليه وسلم بإنجاب ابنهما إبراهيم في شهر ذي الحجة من العام الهجري الثامن، الأمر الذي فرح له النبي عليه الصلاة والسلام فرحاً شديداً، إذ لم يبقَ من ذريته إلا ابنته فاطمة، ولم تلد له أي من نسائه بعد السيدة خديجة رضي الله عنها، فضلاً عن أن عمره قد ناهز الستين، وعرفاناً بفضل الله وشكراً على نعمته عق النبي عن ولَده بكبش في اليوم السابع وحلق شعر رأسه وتصدق على الفقراء والمساكين بوزن الشعر فضة.

كان اسم إبراهيم تيمناً باسم نبي الله الخليل عليه السلام، ولعل قصة الرسول مع مارية ذكرته بـ قصة سيدنا ابراهيم مع هاجر المصرية التي أنجبت له ولَده إسماعيل، وهو ما دفعه لانتقاء هذا الاسم، وقد تسابقت المرضعات في المدينة المنورة على إرضاع إبراهيم، فكل منهن تصبو لنيل شرف وضع ثدييها في فم نجل رسول الله، وسريان سقائها في جسده، فاختار له النبي أم بردة بنت المنذر بن زيد زوجة البراء بن أوس بن النجار رضي الله عنه.

لكن لم يكتب لإبراهيم العمر الطويل، فما إن ناهز عمره العامين حتى نزل به المرض الشديد الذي لم يجدِ معه دواء، فمات بين يدي أبيه الذي كان يرفعه في أثناء منازعته، وحزن عليه النبي حزن المؤمن الصابر المحتسب، وردد بينما الدموع تفيض من عينيه لشدة تأثره ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))، وحزنت لذلك أيضاً مارية القبطية رضي الله عنها، وكان هذا الحدث الأليم يوم الثلاثاء الذي يوافق العاشر من شهر ربيع الأول عام 10 هـ.

صفات مارية القبطية

صفات مارية القبطية

ما هي صفات مارية القبطية ؟

جاء في صفات مارية القبطية رضي الله عنها أنها جعدة بيضاء ذات جمالٍ طاغٍ وملامح جذابة لا شبيه لها في أرض جزيرة العرب، الأمر الذي أثار غيرة السيدة عائشة مذ وقعت عيناها عليها عند قدومها، فقالت ((ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية))، أما عن صفاتها الخُلقية فقد تمثلت في الكرم والعطاء وطيب القلب والشرف والاحترام وغيرها من الخصال الحميدة.

مكانة مارية القبطيـة :

كانت مارية القبطية رضي الله عنها تتمتع بمكانة رفيعة لدى النبي عليه الصلاة والسلام، فأوصى بأهلها وهم أهل مصر قائلاً ((إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً))، كيف لا وفلذة كبده إبراهيم ذو دماءٍ مصرية! وقد توفي نبي الله وهو عنها راضٍ إذ كانت حريصة دوماً على اكتساب مرضاته.

كما كان أصحاب رسول الله يجلون مارية حتى بعد وفاتها، إذ صلى عليها الفاروق وجمع الناس للصلاة عليها، ورفع معاوية بن أبي سفيان – في فترة خلافته – الخراج عن قرية حفن التي تنحدر منها أم إبراهيم إكراماً وتقديراً لها كونها حملت من النبي عليه الصلاة والسلام.

وفاة مارية القبطيـة :

عاشت مارية القبطية مع محمد رسول الله ثلاثة أعوام فقط، إذ لحق النبي بنجله بعد أشهرٍ فتضاعفت مصيبة مارية وعظم الحزن في فؤادها إثر فقدانها الابن والحبيب، لذا لزمت بيتها بعد وفاة النبي حتى يذكر أنها لم تكن تغادره إلا من أجل زيارة القبر الذي ضم رفات ابنها وقبر رسول الله.

ومرت السنون تلو السنين حتى قضت مارية نحبها في شهر الله المحرم من العام الهجري السادس عشر في فترة خلافة الفاروق رضي الله عنه، فصلى عليها عمر بن الخطاب بنفسه وجمع الناس من المهاجرين والأنصار للصلاة عليها ثم ووري جثمانها في مقبرة البقيع جوار ولَدها إبراهيم وإلى جانب نساء أهل البيت.

الرد على قول الرافضة أن عائشة تتهم مارية القبطية بالزنا :

تقول الرافضة زوراً وبهتاناً أن السيدة عائشة تتهم مارية القبطية بالزنا وهو قول عارٍ من الصحة إذ إنهم يستندون إلى رواياتٍ ضعيفة كرواية ((ما أرى شبهاً)) ويستغلونها أسوأ استغلالٍ لخبثهم وفساد تصوراتهم، فحتى إن كانت رواية ((ما أرى شبهاً)) صحيحة فهي لا تدل على رمي عائشة مارية بالزنا، وإنما تدل على أنها تنفي شبه إبراهيم بالنبي.

فمن المتعارف عليه أن الولد قد يشبه أحد أبويه أو أجداده أو نحو ذلك، وليس من شروط صحة النسب وجود الشبه، وإنما اعتاد الناس على إبداء رأيهم في مدى التشابه وحسب دون وجود نية الطعن والقذف، فأنى لهم الاطلاع على قلب عائشة وكشف الستار عن مقصدها؟ وكيف لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث المنكر والقول الزور والبهتان العظيم؟

ثم إن عائشة سبق لها الاكتواء بنار الظلم والقذف بالباطل فما كان لها لترمي غيرها بهذا البهتان، إنما هي القلوب الطاهرة النقية التي لا تقصد من وراء حديثها العفوي أي مثلبة، كـ ابو بكر الصديق الذي رأى الحسن بن علي يلعب مع الصبيان فقال ممازحاً ((شبيه بالنبي لا شبيه بعلي))، وعلي يضحك دون أن يأخذها على محملٍ سيء، لكن النفوس الخبيثة ذات ظنون ونوايا خبيثة.

هل أسلمت مارية القبطية ؟

يتساءل البعض هل أسلمت مارية القبطية والإجابة هي نعم، أسلمت مارية القبطية وشقيقتها سيرين على يد سفير الرسول حاطب بن أبي بلتعة الذي عرض عليهما أمر الإسلام في أثناء طريقهم من مصر إلى المدينة المنورة.

هل مارية القبطية زوجة الرسول ؟

يتساءل بعض القراء هل مارية القبطية زوجة الرسول والإجابة هي لا، لم يتزوج النبي مارية القبطية بل وطئها بملك اليمين، أي أنه لم يعقد عليها وإنما صارت سرية له.

لماذا لم يتزوج الرسول من مارية القبطية ؟

من الأسئلة المتداولة لماذا لم يتزوج الرسول من مارية القبطية والإجابة هي أن الشريعة الإسلامية منعت الزواج من الإماء إلا في حال تعذر الزواج من الحرة والخوف على النفس من الوقوع في فاحشة الزنا.

هل تناول ذكر مارية القبطية صحيح البخاري ؟

كلا، لم يتناول ذكر مارية القبطية صحيح البخاري في أي من مروياته.

مواضيع ذات صلة

ابن زيدونابن زيدون | شاعر الأندلس وصاحب النونية الفصحى

عروة بن الزبيرعروة بن الزبير | المُبتلى الصبور