محمود سامي البارودي | رب السـيف والقـلم

محمود سامي البارودي

الطيور وإن هاجرت لنطاقات متباينة فإنها لا تضل الطريق إلى أعشاشها، والشجرة مهما ابتعدت عنها الفروع تبقى جذورها ثابتة، كذلك الموهبة التي ارتبطت بروح محمود سامي البارودي فإنها وإن كانت بعيدة عنه في صغره، إلا أنها ظهرت فيما بعد لترسخ أقدامه في الميادين الشعرية وتبرز تفرده وبلاغته بين أقرانه من شعراء العهد الحديث، فتراث الشعر الجليل الذي تركه البارودي سيظل سراجاً لكل محبي الشعر العربي وكُتابه، ويصف رصانته اللغوية قول محمود درويش : (الشاعر الكبير هو من يجعلني صغيراً حين أكتب وكبيراً حين أقرأ).

نبذة عن حياة محمود سامي البارودي

كان للشاعر محمود سامي البارودي دور كبير في إعادة الروح مرة أخرى إلى الشعر العربي الذي ردح في قيد التبلد لوقت طويل، فهو لم يكتف بإعادته لمكانته التليدة ولكنه طوره حتى امتزج برحب اللغة وخيالها البديع، ووصل البـارودي بالشعر العربي إلى تلك الرتبة الرفيعة ليس فقط بفضل موهبته الشعرية الفذة، ولكن عاونته فيها كل الدروس والمبادئ والقيم السمحة التي فَتِيَ عليها، والتي أمدته بها الأقدار في أهم مراحل حياته المتمثلة في الآتي:

1) مولده

وُلِد محمود سامي البارودي في تاريخ 27 رجب عام 1255 هجرياً الموافق لـ 6 أكتوبر عام 1839 ميلادياً في مدينة القاهرة لأب وأم ينحدران من السلالة الشركسية المستوطنة في مصر، وانتسب اسم عائلة محمود سامي ذات النفوذ والثروة إلى أجداده الذين كانوا ملتزمين بجمع الضرائب من أهالي مدينة (إيتاي البارود) بمحافظة البحيرة، وكان والد البارودي يشغل منصباً كبيراً في الجيش المصري حيث كان يحمل رتبة (لواء)، وتوفي في أثناء عمله كمديراً لمدينتي (بربر، دنقلا) بدولة السودان وابنه في السابعة من عمره.

2) تعليمه

أتم البارودي -رائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي- دراسته الابتدائية في مدرسة (المبتديان) بالقاهرة، وذلك بعد أن تأسس جيداً في علوم القراءة والكتابة وتلقن مبادئ النحو والصرف وحصَلَ شيء من المعلومات عن الفقه وبعض المواد الدراسية مثل الرياضيات والتاريخ بجانب حفظه للقرآن الكريم، وكانت والدة محمود سـامي تهتم بتعليمه ونشأته كثيراً حتى أنها جلبت له المعلمين في المنزل لتدريسه أهم العلوم، وساعده ذلك كثيراً في الانتظام داخل المدرسة الحربية المفروزة بعد أن التحق بمرحلتها التجهيزية.

درس محمود سامي البارودي علوم اللغة العربية والحساب والدين بجانب الفنون العسكرية في المدرسة الحربية التي انضم إليها في الثانية عشرة من عمره عام 1852 مـ، وفي تلك المرحلة بدا تعلق البارودي بالشعر الذي ومقَ نوابغه منذ صغره مثل المتنبي و البحتري جلياً على شخصه كضياء الشمس المبين، وتخرج البارودي من المدرسة الحربية سنة 1855 مـ برتبة رقيب (باش جاويش)، وانضم لجيش السلطان بعد عجزه عن استتمام  الدراسات العليا كما هو مذكور في كتاب حياة محمود سامي البارودي pdf لأحمد خالد عبد المنعم.

3) حياة محمود سامي البارودي العملية

استهل محمود سامي الملقب وسط فحول الشعـراء بـ رب السيف والقلم حياته العملية في مدينة (إسطنبول) التركية التي كانت حينها مقراً للخلافة العثمانية عام 1857 ميلادياً عندما التحق بديوان الخارجية، وهناك تعلم البارودي أصول اللغة التركية حتى نظم أشعارها كما ينظم أشعار اللغة العربية، وبعد قرابة 8 سنوات عاد إلى مصر مع حاشية الخديوي إسماعيل عام 1863 مـ، ولكنه سرعان ما ولى أنظاره عن العمل الروتيني الممل وانتقل مرة أخرى إلى صفوف الجيش برتبة مقدم (بكباشي).

أثبت البارودي جدارته في العمل العسكري عندما عُين في آلاي (فوج) حرس الخديوي إسماعيل، واتضحت كفاءته بشكل أكبر عندما التحق بالبعثة المصرية المسانِدة للجيش العثماني في أثناء مهمته العسكرية القائمة على إخماد الفتنة التي هبت في جزيرة (كريت) اليونانية، وبعدها انتقل محمود سامي إلى معية الخديوي مرة أخرى ليعمل حارساً له (ياور)، وبعدها تولى مهمة رئيس الحرس لولي العهد الأمير توفيق ومن ثم شغل منصب سكرتير الخديوي إسماعيل، وبعد ذلك ترك البارودي وظيفته في البلاط الملكي وعاد للجيش ليظهر بسالته العسكرية حتى نال رتبة (لواء).

عُيِن محمود سامي البارودي بعد نيله العديد من النياشين والأوسمة الحربية محافظاً للدقهلية وبعدها للقاهرة، وتولى نظارة المعارف والأوقاف في عهد الخديوي توفيق ومن ثم نظارة الحربية حتى قدم استقالته من العمل الحكومي عام 1881 ميلادياً ليتفرغ للمشاركة في أعمال الثورة العرابية التي كان أحد زعمائها، وهو الأمر الذي تسبب في نفيه نهائياً إلى جزيرة سرنديب.

خصائص شعـر محمود سامي البارودي

جدد البـارودي في كيان الشعر العربي دون أن يمس بتقاليده المتجذرة حيث أضاف لمساته البلاغية والأدبية المفردة إليه في كلمات أبياته التي تتجلى بها سليقته اللغوية، والتي تنوعت لتصف حال كل الأشياء الآسنة والسائغة التي مر بها محمود سـامي في حياته كفراق الوطن وموت الزوجة ولذة الانتصارات والمرض والمطامح التي أسرت روحه، ولعل الذي يتساءل بما تميز شعر محمود سامي البارودي ؟ يمكنه أن يكتشف الإجابة بنفسه في خصائص أشعاره، والتي صَلت في النقاط الآتية:

1) كانت لمحمود سامي نظرة فاحصة في تصوير الحياة الواقعية بسبب قوة حاسة النظر لديه، حيث هيأ الواقع في قصائده بطريقة جزلة وكلمات سلسة دون أن يلجأ إلى المحسنات البديعية والتراكيب الخيالية.

2) تعد قدرة البـارودي على مزج العديد من الأغراض الشعرية في قصيدة واحدة، والمزج بين شعر البادية والشعر الحديث في نظم أبياته دون أن تفقد ميزانها إحدى أهم خصائص شعر محمود سامي البارودي التي ستظل بارزة في أعماله.

الأغراض الشعرية في ديوان البارودي

جمعت أغراض شعر محمود سامي البارودي في ديوانه كل ألوان الشعر التي تُميز موهبته الجبارة عن شعراء العصر الحديث وأبناء (مدرسة البعث والإحياء) التي أسسها البارودي كحافظ إبراهيم، احمد شوقي ، أحمد محرم، وتتنوع تلك الأغراض بين الغزل، الرثاء، الحكمة، الفخر، المدح، الهجاء، وغيرها من الأغراض التي تُثبِت فضل محمود سامي في إنعاش الشعر العربي من مرقده الذي هجَدَ فيه لوقت طويل.

أغراض شعر محمود سامي البارودي

أغراض شعر محمود سامي البارودي

شرح قصيدة طيف سميرة للشاعر محمود سامي البارودي

تَأَوَّبَ طَيْفٌ مِنْ سَمِيرَةَ زَائِرٌ ..                وَمَا الطَّيْفُ إِلَّا مَا تُريهِ الْخَوَاطِر

 طَوَى سُدْفَةَ الظَّلْمَاءِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ    ..    بِأَرْوَاقِهِ وَالنَّجْمُ بِالأُفْقِ حَائِرُ

أتى مطلع قصيدة (طـيف سميرة) كما في الأبيات السابقة ليروي لنا الوحشة التي أحس بها محمود سامي حينما ابتعد مرغماً عن وطنه الذي كان يمثل له الدنيا وما فيها، ووضح تحليل قصيدة محمود سامي البارودي في المنفى (طيف سمـيرة) التي تعد واحدة من أفضل القصائد التي كتبها في منفاه مثل (سرنديب، أبيت في غربة لا النفس راضية) أنه عانى كثيراً في المنفى حتى هرب من لياليه الوعرة بالاحتماء في طيف بلاده الذي لا يغيب عن مخيلته أبدًا.

رثاء محمود سامي البارودي زوجته

رثى البارودي زوجته ((عديلة بنت أحمد يَكَن باشا)) التي توفيت بعد سنة من نفيه إلى (سرنديب) في واحدة من أروع قصائد الرثاء التي كتبها الشعراء العرب على مر الأزمان، حيث عبرت قصيدة البارودي في رثاء زوجته عن الألم الذي اعتصر فؤاده عند رحيلها، وكتب في مطلعها الأبيات الشجية الآتية:

أَيَدَ المَنُونِ! قدَحْت أيَّ زِنـادِ .. وأطرْتِ أيَّةَ شعلةٍ بـفؤادي

وهنتِ عزمي وهو حملةُ فيلقٍ .. وحَطَمْتِ عودي وهو رمحُ طِرَادِ

لم أدر هل خطبٌ ألمَّ بساحتي .. فأناخَ، أم سهمٌ أصابَ سَوَادِي

أقذى العيونَ فأسبلتْ بمدامعٍ .. تجري على الخدين كالْفِرْصَادِ

أشهر القصائد التي كتبها البارودي عن الوطن

كتب محمود سامي البارودي الكثير من الأشعار الصادقة في حب وطنه الغالي مصر، ومن أبرزها ما يلي:

1) قصيدة واطول شوقي إليك يا وطن

استطاع البارودي برصانة كلماته في قصيدة (واطول شوقي إليك يا وطن) أن يترك لنا اقوال عن الوطن لا تُبلي أثرها العظيم تقلبات الدهر، حيث إن كل بيت فيها يشرح مدى هيام أبناء الوطن بكل ذرة تراب موجودة على أرضه، ويوضح عدم إغفال المصري عن وطنه حتى وإن سحبته أمواج المغيب بعيداً عن يابسته، وتتجلى تلك المعاني منذ بداية القصيدة التي يقول فيها محمود سامي الآتي:

وَاطُولَ شَوْقِي إِلَيْكَ يَا وَطَنُ .. وَإِنْ عَرَتْنِي بِحُبِّكَ الْمِحَنُ

أَنْتَ الْمُنَى وَالْحَدِيثُ إِنْ أَقْبَلَ الـ .. صُبْحُ وَهَمِّي إِنْ رَنَّقَ الْوَسَنُ

قصيدة محمود سامي البارودي عن الوطن

قصيدة محمود سامي البارودي عن الوطن

2) قصيدة أبابل رأي العين أم هذه مصر

تصف قصيدة محمود سامي البارودي عن الوطن (أبابل رأي العين أم هذه مصر) التي كتبها في مستهل عودته من المنفى إلى بلاده عام 1899 مـ بعد أن اشتد عليه السقم وضعف بصره عجز الغربة عن إنقاص صبْوه لوطنه الحبيب، حيث نحى البارودي علله ووحدته وبعده عن الأهل والأصدقاء جانباً وجلس يتغنى فقط بأرضه التي سكنت روحه كالتالي:

أَبَابِلُ رَأْيَ الْعَيْنِ أَمْ هَذِهِ مِصْرُ .. فَإِنِّي أَرَى فيها عُيُوناً هِيَ السِّحْرُ

نَوَاعِس أَيْقَظْنَ الْهَوَى بِلَوَاحِظٍ .. تَدِينُ لَهَا بِالْفَتْكَةِ الْبِيضُ وَالسُّمْرُ

كيف كانت حياة البارودي بعد المنفى، ومتى توفي؟

عاش محـمود سامي البـارودي حياة هادئة بمعزل عن الجميع بعد عودته من المنفى، ولم يكن يجالس سوى بعض الأدباء والشعراء مثل خليل مطران وإسماعيل صبري، وتوفي في 12 ديسمبر عام 1904 ميلادياً.

هل نظم محمود سامي قصائد في مدح الرسول؟

نظم محمود سامي قصيدة مكونة من 474 بيتاً في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم)، واسم القصيدة هو (كشف الغمة في مدح سيد الأمة).

ما هي أشهر أشعار البارودي السياسية؟

ألف البارودي الكثير من الأشعار السياسية، وأشهرها هي قصيدة (لأيِّ خليلٍ في الزَّمانِ أرافِقُ) التي كتبها عندما خذله رفاقه في الثورة وتراجعوا عن مواجهة الاحتلال.

ما أبرز الأبيات التي كتبها البارودي في الحب والغزل؟

يأتي بيت (سَلِي عَنِّيَ اللَّيْلَ الطَّوِيلَ فَإِنَّهُ .. خَبِيرٌ بِمَا أُخْفِيهِ شَوْقاً وَمَا أُبْدِي) في مقدمة أشعار الحب والغزل التي كتبها البـارودي.

مواضيع ذات صلة

ابو الاسود الدؤليابو الاسود الدؤلي | رجال اصطفاهم الله لحفظ لغة القرآن

الحطيئةالحطيئة شاعر التناقضات| شاعر المدح والهجاء