مصطفى صادق الرافعي : سيرة بسيطةٌ لشاعرٍ مرهفٍ

مصطفى صادق الراقعي

لن تجد في تاريخ العربيّة كلّها كاتبًا مرهفَ الإحساسِ والوجدِ مثل مصطفى صادق الرافعي ، إنّه حالة استثنائية، فقد جمع بين التراث والحداثة، كتب النثر والشعر، خاض معارك عدة مع ذاته والآخرين، عاشَ فاقدًا للسمعِ لكنّه كان يسمعَ وحي كلماتهِ إلى قلبِهِ تقولُ له : أخرجني للعالِم، وكان يلبِّي النداءَ دائمًا بأسلوبٍ جميلٍ مرهفٍ عميق، وهذه سيرة مختصرة للأديب الشاعر الرافعي.

نشأة الرافعي

مصطفى صادق الرافعي هو أديب مصري ولد في يناير 1880 في محافظة القليوبية، ينتمي إلى أسرة سورية الأصل، والده الشيخ عبد الرزاق الرافعي قاضيًا في المحاكم الشرعية، درس مصطفى صادق في الأزهر الشريف، وحصل على شهادة العالمية في الفقه الإسلامي، وقد بدأ الرافعي حياته الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تميزت كتاباته بالنقد الأدبي والشعر والفلسفة.

أسرة الرافعي

أسرة الرافعي هي أسرة سورية مصرية، عرفت بعلمائها وأدبائها، وكان والده هو الشيخ عبد الرزاق، أحد قضاة المحاكم الشرعية في مصر في ذلك الوقت، فقد كان رجلًا عالمًا وصالحًا، وهذَّبَ مثل البستانيِّ حياة ابنه مصطفى صادق الرافعي فصارت شجرة خلابة، فما كان للرافعي إلا أن يحب والده العالم التقي كثيرًا، وأن يتذكره بفخر دائمًا، وكانت أمُّه سورية، والدها هو الشيخ الطوخي، كان تاجرًا بين الشام ومصر، وكان مصطفى صادق يبرّ أمّه كثيرًا وينسب إليها الفضل فيما آل إليه من أمور.

طفولة الرافعي الأدبية

منذ أن كان صغيرًا وهو بارعٌ مجتهدٌ في آدابِ اللغة العربية، ومن ذلكَ أَنْ كتبَ أول قصيدة شعرية له وهو في سنة السادسة عشرة، وهو لا يزال غلامًا بعدُ! ولم يكتفِ بالشعر فقط، بل برع أيضًا في البلاغة والأدب، وتأثَّر بالعديد من الكُتَّاب والشعراء العرب، مثل جبران خليل جبران وأحمد شوقي، لقد كان معجزةً في عصره وملهمًا للأجيال التي حملت راية الأدب من بعدهِ.

مبادئ الرافعي وتفكيره النقدي

كان مصطفى صادق أديباً ثائراً، جاء أسلوبه مرنًا، غنيًا بالمجازات والاستعارات، يبتكر الاشتقاق من الأفعال، ويذهب بها كل مذهب في فضاء البيان الرحب، وقد خاض معارك أدبية عديدة، كان في كل منها رجلًا صعبَ المراس، عنيفًا قويًّا في نقده، صلباً في دفاعه، شجاعاً في موقفه، فقد كان يرى أن اللغة العربية هي روح الأمة، وهي أساس فكرها ونبع تراثها الثقافي، ويجب أن تحفظُ بعيدًا عن الإسفاف والابتذال.

ويذكر أنَّه خاض معارك أدبية عديدة مع مختلف التوجهات الثقافية، فناطح سلامة موسى محاولًا أن ينصرَ العربية على اللغة الفرعونية، وانتقد بشدةٍ وقسوةٍ ديوان العقاد المسمَّى “الأربعين”، مما أدَّى إلى نشوبٍ حربٍ أدبية كبرى بينه وبين العقاد، كما خاض حربًا مع لطفي السيد حول فكرة “تمصير” لغتنا الأمُّ اللغة العربية وتحويلها إلى لغة عامية.

علاقات الرافعي بأدباء عصره

الرَّافعيُّ مثله مثل أيِّ أديبٍ في أيِّ عصرٍ لا بدّ من أن يكوّن علاقاته الخاصة ويأخذ موقفًا يستظلُّ بهِ ليمتازَ عن البقيّة وفيما يلي نسردُ علاقات مصطفى صادق الرافعي بأدباء عصرِهِ ذلك الوقت:

علاقة الرافعي بمي زيادة

هذه العلاقة كانت مليئة بالشغفِ العاطفي كثيرًا حيث أحب مصطفى صادق هذه الفتاة الشاعرة وعشقها عشقًا يصل إلى حد الهوس؛ وأدت إلى استلهامه منها أعمالًا أدبية مهمة، وتركت أثرًا عميقًا في حياته الشخصية والإبداعية، فيُقال إن حُب الرافعي لمي زيادة دفعه لرؤيتها في كل مكان، وهو ما أدى إلى هجران زوجته وأبنائه بسبب هذا الوله العاطفيّ! بل تجاوز حبه لها هذه الحدود الطبيعية، وبدأ يميل نحو الجنون الخفي لولا اللغة وخياله الحيّ.

يصعب أن نتصور رجلًا عاقلًا ذا حسبٍ ونسبٍ ودينٍ يسافر مسافات طويلة من طنطا إلى القاهرة صباحًا كلَّ ثلاثاءٍ متحملاً عناء القطارات القديمة ومحطات البرد القارص في الشتاءِ الرهيبِ فقط ليستمع إلى ما لدي مي زيادة في صالونها الأدبي! لم يكن دافعه نيلَ الثقافة أو مناقشات معاصرة، بل كان أعمق من ذلك، ففي سعيه وراء حب مي زيادة، واجه هؤلاء الذين هاموا وغاموا في سبيل الوصول إلى قلبها أمثال طه حسين، والعقاد، والمازني، هؤلاء الذين دخلوا في حربٍ محتدمة لم يكن قادرًا على التعامل معها في خلوتِهِ وظاهرِه.

ولكن في نهاية الأمر لم تكن لهُ ميّ أبدًا ولم تُصِبْ رسائل الرافعي لمي زيادة الهدفَ المنشودَ وفي آخر العلاقة ستدرك أيّها القارئ أن حبه لها كان محفزًا لإبداعه الأدبي وكتابته، وباتت هذه العلاقة جزءًا من مسيرته الأدبية والشخصية، ولم ينل منها شيئًا سوى الإلهام والوحي الإبداعي والأفكار الكتابية وهذا هو حال الشعراء والكتاب في المطلق.

علاقة الرافعي بالعقاد

علاقة مصطفى صادق الرافعي بالعقاد كانت علاقة حادة بين شيئين لا يجتمعان أبدًا!  وهي إحدى أشهر المعارك الأدبية في تاريخ الأدب العربي، ففي عام 1917، أبدى عباس العقاد انتقادات شديدة اللهجة لأدب مصطفى صادق وخصوصيته، مُشيرًا إلى أنه ركيك الكتابة وضعيف التأليف وقد أدَّى ذلك التصريح إلى إشعال نار الفتنة بينهما، واشتدت المعركة أكثر بعدما نشر الرافعي كتابه “إعجاز القرآن”، مُصدَّرًا من قبل سعد زغلول رئيس حزب الوفد، ومعشوق العقاد، فقد ادعى العقاد أن الرافعي زوَّر كلام سعد زغلول في مقدمة كتابه وأنّه كذبَ على سعد، ومن هنا توترت العلاقة للأبد.

وقد تجلى الخلاف الشعري بين الرافعي والعقاد في أشعارهما، حيث يعلق العقاد بسخرية على شهرة مصطفى صادق الرافعي الزائفة، ويُجيبه الرافعي بتعليقات لاذعة على بلاهة تعامله وسوء أخلاقه، ويستمر الصراع الذي يشبه الصداع بين العقاد و مصطفى صادق الرافعي بتبادل الاستفزازات والنكات والسخرية فيما بينهما ولم يحدث صلحٌ بينهما حتى بعد وفاة أحدهما الآخر، وتظل هذه المعركة الأدبية جزءًا من تاريخ الأدب العربي الثري.

علاقة الرافعي بطه حسين

أصدرَ طه حسين كتابًا في القرن الماضي يدعو فيه إلى إعادة نظرة شاملة في الموروث العربي بأكمله حيث ادعى في كتابه “الشعر الجاهلي” أنّ الشعر الجاهلي بأكمله مزوَّرًا من قبل العربِ، ولذلك انتفض النقاد العرب والأدباء من أجل الرد على هذه الشبهة، ومن هؤلاء الشرفاء مصطفى صادق.

فقد كتب مصطفى صادق الرافعي كتابًا عنوانه “تحت راية القرآن” يرد فيه بكل حزمٍ ومنطقٍ مسددٍ على شبهات طه حسين حول الشعر الجاهلي، وقد صدر في هذا الكتاب أجمل اقوال مصطفى صادق الرافعي التي تعني بالغيرة على الموروث العربي والكرامة العربية الأصيلة، وباتت هذه هي المعركة الأدبية الأكبر في العالم العربي بالقرن الماضي ليس فقط بين طه حسين والرافعي بل بين طه حسين وجميع الأدباء الشرفاء

حول أعمال الرافعي

كان مصطفى صادق الرافعي أديبًا مرهف الحس، وشاعرًا رقيقًا، وكاتبًا مبدعًا؛ تميزت كتاباته بأسلوبها الرائع ولغتها الجميلة، كما تميزت بأفكارها العميقة ورؤيتها الثاقبة للحياة، ومن مؤلفاته المهمة: وحي القلم ، تاريخ آداب العرب، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، رسائل الأحزان ، حديث القمر، السحاب الأحمر ، ويُعد من أعلام الأدب العربي الحديث، ومن أهم رواد النهضة العربية، وتوشحت كتاباته بالتجديد والابتكار، ونستعرض بعضًا من أعماله الأدبية مع إبداء كلمةٍ عنها:

وحي القلم

يعد كتاب وحي القلم أهم عملٍ أدبيٍّ يعني بالتراث العربي للأديب الشاعر مصطفى صادق، حيث أظهر في هذا العمل مجملَ براعتِهِ اللغويّة والشاعرية والأدبية والفقهيّة والفلسفية، وقد تناول الكتابَ جوانب متعددة في ذات الرافعي مثل شخصيته وعقيدته وشبابه وعواطفه وجدارته وكرامته وفكاهته وغضبه وغير هذه الأمور النفسية في قالبٍ فلسفيّ تحليليٍّ عميق، وقد حوى الكتاب أجمل مقالات الرافعي المستلهمة من الحياة الاجتماعية الحديثة، والتاريخ الإسلامي.

المساكين

وهو من أفضل كتب الرافعي الهادئة المرهفة، حيثُ يصوِّرُ مصطفى في هذا الكتاب آلام النفس الإنسانية بأسلوبٍ حكائيٍّ مشوق، فيروي حياة الفقراء ويبرزُ مأساة الفقر والعوز الإنساني ومعاناة البشر النفسية والمعنوية في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر، ويعبر عن حالات الشعور الإيماني بالفقراء ويثري الروح والقلب، ويبين حكمة الله في البسطاء.

أوراق الورد

صدر هذا الكتاب في القرن الماضي تحديدًا سنة 1931، يتحدثُ عن فلسفةٍ العشقِ وروحانية الجمال الوجداني، حيث كتب عدة رسائل منثورة وخواطر روحية إلى مي زيادة وحبيبته الأولى، في أسلوب بلاغي مميز، ونظرة صوفية تسبح في الملكوت الهائم في العشق، ويبين كتاب أوراق الورد مدى قدرة الرافعي على الإبداع والتميز والتفرد في كتابة الأحاديث الرومانسية الصوفية في طلب الحب العذري.

حقائق مثيرة عن حياة الرافعي

1- ينتمي مصطفى صادق الرافعي لعائلة عريقة، حيث ينحدر من الأسرة العُمَرِيَّة، واسم والده هو عبد الرزاق مصطفى صادق، فنسبه يعود إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

2- يعدُّ مصطفى صادق الرافعي من الأدباء المحافظين حيث شارك في المناظرات الفكرية والأدبية مع علماء وأدباء آخرين من ضمنهم طه حسين ومحمود المصري النمنم.

3- تعرض مصطفى صادق الرافعي للصمم عندما بلغ من العمر ثلاثين عامًا، لكنه استمر في تأليف الأعمال الأدبية رغم هذه الإعاقة، بل ازداد رهفةً وإحساسًا عميقًا.

4- عاش مصطفى صادق الرافعي معظم حياته في طنطا، وأحب السيد البدوي بل وكان يزوره كثيرًا ويبكي أمام ضريحه، ولا يستطيع أحد أن يذم عقيدة مصطفى صادق الرافعي بهذا الفعل، لكنه حب شديد للدين ولمن سبقوه من الأحباب الأوفياء لله وللدين.

5- النشيد الوطني التونسي “حماة الحمى” هو من تأليف مصطفى صادق الرافعي ، من ثمَّ أُضِيفَ عليه بيتان للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي من ثم اعتمد كنشيدٍ وطني لتونس سنة 1987.

6- أخرجَ الرافعي ديوانَه الأوَّل إلى النَّورِ سنة 1903، وهو لا يزال شابًا يافعًا، ونال إشادة كبرى من البارودي وحافظ إبراهيم، لكنه في نهاية الأمر ترك الشعر واتجه إلى النثر وبرع فيه وطور كثيرًا من الكتابة النثرية آنذاك.

7- في عام 1912، انتقل الرافعي إلى لبنان، حيث استلهم كتابه “حديث القمر” الذي أوردَ فيه الأحاسيس المرهفة لدى الشباب تجاه الحب والحياة، وبعد نشوب الحرب الكبرى في العشرينات وجدَ مصطفى صادق ذاته محاطةً بالجوع والبلاء، فاستلهمت مشاعره عملًا كتابيًّا رائعا سماه “كتاب المساكين”. من ثم كتب “رسائل الأحزان” سنة 1924.

نهاية رحلة مصطفى صادق الرافعي

توفي مصطفى صادق الرافعي في العاشر من مايو عام 1937 بمدينة طنطا وترك وراءه إرثًا أدبيًا غنيًا وثريًا، وقد اعتُبر واحدًا من أقطاب الأدب العربي الحديث، أمَّا أعماله التي تركها فقد تُرجَمت إلى لغات كثيرة، بل وواصل ميراثه الثقافي الانتشارَ عالميًا، ولا زال النقاد يقيمون الدراسات والأبحاث الأدبية على مجمل أعماله.

وفي الختام لقد عاش مصطفى صادق الرافعي حياةً مليئة بالعطاء والتفرد، وترك بصماته العميقة في عالم الأدب والشعر العربي، بالإضافة إلى تأثره بتاريخ مصر العريق وروعة الموروث الشعري العربي، لقد صاغ معانيه بأسلوب جذب قلوب القرّاء وشد أوتار أحاسيسهم نحو موسيقى مرهفة، وتركت أعماله الأدبية الفذة أثرًا رائعًا في الأدب العالمي لا العربي فقط، واستمر تأثيره عبر الزمن لتبقى ذكراه خالدة في قلوب محبيه.

ما هي أهمية كتاب السحاب الأحمر للرافعي؟

يعد جزءًا من التراث الأدبي العربي الهام، حيث يتناول قصة الحب والألم، فيصف الكتاب التناقضات بين العشاق أثناء التواصل العاطفي وبعد الانفصال، ويسلط الضوء على تأثير الكراهية بعد زوال الحب مباشرة.

ما المواضيع الرئيسة التي تناولها الرافعي في أعماله؟

أعمال الرافعي تشمل مواضيع متنوعة منها الحب والثقة بالله، وتعبيره عن العواطف والإيمان بالقدر، كما يناقش الكمال الإنساني ونقصه، ويبرز الكثير من التحديات والصراعات التي يواجهها الإنسان في حياته.

هل كان الرافعي يكتب الشعر فقط أم أن لديه أعمالًا نثرية أيضًا؟

في بدايته كتب الشعر لكنه اتجه للكتابة النثرية بعد ذلك وكان أكثر براعة فيها، وفي المجمل قدم الرافعي أعمالًا في فنيِّ الشعر والنثر، وتنوعت مواضيع أعماله الأدبية باحثًا عن الحق والخير والجمال.

ما السبب الذي دفعه لترك التعليم وهو صغير؟

مرض الصمم، لكنه قرأ كثيرًا في مكتبة والده وتأثر بها حتى ثقف نفسه وصار ما هو عليه حتى وفاته.

مواضيع ذات صلة

نيلسون مانديلانيلسون مانديلا | أيقونة السلام وقاهر التفرقة العنصرية

أبو القاسم الشابيأبو القاسم الشابي : سيرة الشَّاعِر الثَّائِر والعاشِق المرهف