معركة النهروان | صراع بين الصدق والافتراء

معركة النهروان

إن كُتب التاريخ الإسلامي مليئة بالقصص المأساوية والمعارك الضارية مثل معركة النهروان التي كانت شاهدة على اجتثاث جماعة الخوارج صاحبة الفكر المتطرف والنفس الخبيثة من فوق الأرض، فكانوا يعتبرون أنفسهم معيارا للعدالة والإنصاف دون أي  حُجة أو برهان.

الشرارة الأولى لاندلاع معركة النهروان

كان مثار الفتنة لقيام معركة النهروان بدايته هو مقتل خليفة المسلمين آنذاك صاحب ذي النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- واشتدت الفتنة إلى أقصى حدودها بين صفوف المسلمين وانقسموا إلى قسمين أحدهما يترأسه الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- والآخر يترأسه معاوية بن أبي سفيان الذي رفض تسليم القيادة للخليفة على بن أبي طالب وهيمن على بلاد الشام، وحدث بين الفئتين الكثير من الصِدامات لعل من أقواهم الصدام المُريع الذي وقع عام 37 هجريا وأطلق عليه اسم معركة صفين.

كانت معركة النهروان إحدى نتائج معركة صفين التي حدثت بين جيش خليفة المسلمين علي بن أبي طالب وجيش معاوية الثائر على الخليفة وكان الانتصار قريبا من جيش أمير المسلمين، ولأن الحرب خُدعة خرج داهية العرب القائد عمرو بن العاص المؤيد لمعاوية بن أبي سفيان بخديعة جديدة ألا وهي رفع المصاحف على أسنة السيوف لكي يتوقف جيش الخليفة عن الحرب ويركنوا للتحكيم.

تناثر أفكار الجنود وانقسامهم إلى شقين

انشطر جيش الخليفة على بن أبي طالب -رضي الله عنه- آنذاك بين مؤيد لفكرة وقف الحرب حقنا للدماء وبين معارض لتلك الفكرة حيث يرى الجزء المُعارض وجوب قتال الفئة الباغية حتى تعود إلى صوابها وتُعلن انضمامها تحت راية الخليفة المُنتخب وأن تلك المكيدة ما هي إلى من دواهي عمرو بن العاص الذي رأى اقتراب هزيمة جيش معاوية ففعل تلك الفعلة.

حدث انقسام حقيقي في جيش الخليفة الذي كان يميل إلى فئة المُعارضين الذين كانوا يرفعون شعار (لا حكم إلا لله) ولكنه في النهاية اختار أن يحقن دماء المسلمين وآلت تلك المعركة بلا فائز، وكأني بالحزبين قد خسرا، فما هي إلى فتنة عمياء لم يقف المسلمون بعدها إلا على ضلع أعوج، ولجأ الطرفان إلى حل وسط ألا وهو إرسال حكمين ليفصلا في الأمر، ولكن هذا لم يكن على هواء الخوارج.

ظهور الخوارج على الساحة

توقفت المعارك الضارية بين الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومعاوية بن أبي سفيان بعد اللجوء إلى التحاكم بما يُلزم به كتاب المولى -عز وجل- ورجوع كل طرف إلى موقعه الطبيعي، انطلقت معارك أخرى بين الخليفة وبين ما يُسمون أنفسهم ناصري الإسلام وناشري العدل في الأقطار ألا وهم الخوارج.

في أثناء عودة خليفة المسلمين إلى مقر الخليفة في الكوفة إذ بجماعة من جيشه التي لم تكن مؤيدة لفكرة التحكيم التي حدثت في معركة صفين تتباطأ وتتقاعس عن مسار الجيش وركنوا إلى قرية يُطلق عليها اسم (حروراء) ليست ببعيدة من مدينة الكوفة وكانت تلك الجماعة تتألف مما يُقارب 12000 شخص وعينوا عليهم أميرا للحرب والاشتباك وآخر للصلاة.

على الرغم من ذلك لم يتركهم الخليفة لأفكارهم السوداوية وأقبل عليهم يدعوهم بالتي هي أحسن، وقد لعب العباس في معركة النهروان دورا كبيرا ولكنه قبل بداية المعركة أُرسل من قبل الخليفة إلى الخوارج ليقنعهم بالعودة إلى الكوفة مرة ثانية فرفضوا في بادئ الأمر ولكنهم وبعد مرات عديدة من الإقناع داخلوا مرة ثانية إلى الكوفة.

مغادرة الخوارج الكوفة من جديد

كان ابو موسى الاشعري هو خيار الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ليكون حكما في قضية التحكيم مع معاوية بن أبي سفيان وعندما علم الخوارج بأمر إرساله بعثوا رجلين منهم إلى الخليفة وكانت أسمائهم؛ (زرعة بن البرج) و(حرقوص بن زهير)، وكانا يحملان شعار (لا حكم إلا لله) ويرددان تلك الكلمة على الدوام، ورد عليهم الخليفة في المناظرة التي دارت بينهم أنها بالفعل كلمة حق ولكن يُراد بها باطل.

انتهت تلك المناظرة بعدم إقناع إي من الطرفين للآخر وخرج رجلي الخوارج ينشران العداوة والتآمر ويُحرضان على الانقلاب على الخليفة، بينما رد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عليهما وعلى جماعة الخوارج كافة بالحكمة والرزانة وقال لهم: (إن لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا وإنما فيكم أمر الله).

بعد ذلك أخذ الأفراد المُكونة لجماعة الخوارج عقد اجتماعات فيما بينهم وانتهت تلك الاجتماعات بالاتفاق على الانصراف من الكوفة ووقع اختيارهم على الذهاب إلى مكان قريب من مقر الخلافة يُطلق عليه اسم النهروان وهو موقع معركة النهروان فيما بعد، وجرى اتفاق بين الخوارج الموجودين بمدينة البصرة مع الآخرين الموجودين بمدينة الكوفة على أن يخرجوا في آن واحد إلى جسر النهروان.

فرصة أخرى للعودة لصفوف المسلمين

بعد أن آلت قضية التحاكم بين الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومعاوية بن أبي سفيان إلى الفشل وباتت قضية خاسرة لم تحقق نتائجها المرجوة، لذا قرر الخليفة إعلان الحرب على معاوية وأنصاره في بلاد الشام مرة ثانية، وكون جيشا يتألف من 65000 رجل من رجال العراق.

بعث الخليفة للخوارج القاطنين بالنهروان يدعوهم للانضواء له ولكنهم أبوا أن يُلبوا دعوته قائلين له: (إنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نبذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين).

كان ابن عباس يرغب بشدة في لم شمل صفوف جيش الخليفة وأتت له فكرة التوجه إلى معسكر الخوارج ليُرشدهم إلى الصواب ويحثهم على الرجوع إلى كلمة الحق، وكان الخليفة قلقا بشأن تلك الفكرة ولكن ابن عباس ملأ قلبه بالطمأنينة.

ذهب ابن عباس بالفعل إلى مكان إقامة الخوارج، وحدث بينهم نقاشا طويلا دلل فيه ابن عباس على مهاراته الإقناعية الرائعة وتحدثه بالفقه والعلم، وتمكن من العودة إلى الكوفة وبصحبته عدد كبير من الخوارج التائبين، فسعِد بهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وخص ابن عباس بالدعاء.

معركة النهروان

معركة النهروان

اعتداءات الخوارج الصارخة واندلاع معركة النهروان

ظلت جماعة الخوارج لا يُحركون ساكنا ولا يُبدون أي تجاوزات أو عداوات حتى تتطرق إلى أسماعهم تأهب الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وجيشه للتوجه إلى بلاد الشام لقتال الغاوين هناك، فأرادوا أن يكيدوا بأمير المؤمنين ويتسللوا إلى الكوفة ويدخلونها في غيابه، فأخذوا يتحركون على طريق النهروان، وفي خلال سيرهم حدثت واقعة أليمة كانت من أهم اسباب معركة النهروان .

كانت تلك الحادثة التي اندلعت بسببها معركة النهروان واعُتبرت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة للمسلمين، وذلك حينما رأيت جماعة الخوارج رجلا يُدعى (عبد الله بن خباب بن الأرت) وكان واحدا من صحابة سيدنا محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتلوه قتلة شنيعة هو وامرأته الحامل دون أن يرف لهم جفن، ولم يتوقفوا عند ذلك فحسب بل أرهبوا الناس في كل مكان.

عندما وصل خبر تلك الواقعة لخليفة المسلمين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وما يفعلونه بالناس، فضل الخليفة أن يناقشهم أولا بالحُسنى فأرسل إليهم رسولا من عنده ولكنهم واصلوا الفُجر والعناد وقتلوا المبعوث، وضاق الناس ذرعا من أفعال وتصرفات الخوارج وراحوا يشتكون لعلي بن أبي طالب وطلبوا منه أن يأخذ بحق الأبرياء من هؤلاء الظالمين الذين جاروا على العيال والأموال، وبالفعل قرر أمير المؤمنين أن يقمع شر هؤلاء الضالين قبل الذهاب إلى بلاد الشام.

حان وقت المعركة

جمع علي بن أبي طالب جيشا من أهل العراق وحول دفته صوب النهروان لمحاربة جماعة الخوارج، وقبل أن تندلع معركة النهروان على أرض الواقع طلب الخليفة منهم أن يُسلموا من ساهم في قتل (عبد الله بن خباب) ولكن كان ردهم أكثر خسة ودناءة فقالوا: (كلنا قتله، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم).

وعلى الرغم من ذلك كان علي بن ابي طالب -رضي الله عنه- حريصا للغاية على ألا تُهدر دماء المسلمين هباء، فأمر أبي أيوب الأنصاري بأخذ راية والوقف جنبا قبل الدخول في معركة النهروان والترديد بكلمات أن من أتي واحتمي بهذا اللواء فهو آمن وأن من تخلف عن الخوارج وترك القتال وعاد إلى الكوفة له الأمان، وبالفعل انصاع عدد ليس بالقليل من جامعة الخوارج لتلك الكلمات وانصرفوا من معسكر الخوارج.

بقى قائد جيش الخوارج والذي كان يُسمى بـ (عبد الله بن وهب الراسبي) مع 2800 شخص، وبدأت معركة النهروان ، ولأن جيش الخوارج كان عدده قليل ولم يكونوا على قدر كبير الخبرة في القتال، سيطر عليهم جيش علي بن أبي طالب ووضعهم كما يُقال بين المطرقة والسنداب، وآلت نتائج معركة النهروان إلى هزيمة الخوارج هزيمة ساحقة وكُسرت شوكتهم ووصل عدد قتلاهم إلى قرابة 2400 شخص وفر الآخرين، بينما خسائر جيش أمير المؤمنين تكاد تكون لا تُذكر.

يمكنك عزيزي القارئ بواسطة كتاب معركة النهروان pdf  معرفة المزيد من التفاصيل الدقيقة والمعلومات القيمة عن معركة النهروان عند السنة .

أين وقعت معركة النهروان ؟

حدثت معركة النهروان في دولة العراق وتحديدا في مكان يقع غرب نهر دجلة يتواجد بين مدينة بغداد ومدينة واسط يُطلق عليه جسر النهروان.

في أي عام اندلعت معركة النهروان ؟

تقول الروايات التاريخية إن تلك المعركة قد حدثت في سنة 38 هجريا والتي توافق عام 659 ميلاديا.

من كان يرأس جيش المسلمين في معركة النهروان؟

كان الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو الموجود على رأس جيش المسلمين في تلك المعركة.

لماذا قرر الخليفة علي بن أبي طالب قتال الخوارج؟

حاربهم -رضي الله عنه- لأنهم سفكوا الدماء بغير وجه حق وأغاروا على مال العباد وأخرجوهم من الملة، وأشاعوا الفساد بين الناس فوجب القضاء عليهم وتخليص العباد من شرهم وبطشهم.

مواضيع ذات صلة

سورة الإسراءسورة الإسراء وما تحويه من معجزات وأسرار

معركة اليمامةمعركة اليمامة | يوم أن انتصر الحق على الباطل