معركة بلاط الشهداء | هزيمة أوقفت الزحف الإسلامي نحو أوروبا

معركة بلاط الشهداء

دارت العديد من المعارك بين المسلمين والأوروبيين منذ قيام الدولة الإسلامية ولعل معركة بلاط الشهداء تعد أكثرها شهرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي والأوروبي على حد سواء كون أن الغرب نجا بها من الغزو الإسلامي الذي كاد أن يجتاح أراضيه كاملة لولا التفرقة التي حدثت بين صفوف الجنود حينذاك، فمعركة بلاط الشهـداء كانت الستار الذي أُسدِل على قائمة الفتوحات العظيمة التي بدأها سيف الله المسلول في معركة اليرموك وظلت محتدة على مدار 14 قرناً حتى ذلك اليوم الفارق في تاريخ واستراتيجية الطرفين.

تاريخ الفتوحات الإسلامية قبل معركة بلاط الشهداء

أثبتت الجيوش الإسلامية تفوقها العسكري في كل المعارك الحربية التي سبقت معركة بلاط الشهداء المعروفة بمعركة (تور بواتييه) وتلت حروب الردة التي قادها كبار الزعماء في مواجهة القبائل العربية المرتدة عن الولاء الإسلامي، حيث تمكن القادة الإسلاميون من تحقيق النصر في الحروب المحلية مما حمسهم لغزو الغرب وإعلاء راية الدين الإسلامي في أراضٍ جديدة غير أراضي شبه الجزيرة العربية.

نجح القادة بالفعل في مد السيطرة الإسلامية على الكثير من الأراضي الشامية والبيزنطية والأندلسية وتحويل هوية أبنائها من المسيحية إلى الإسلام، وظل النصر حليفهم في كل المعارك حتى أتت معركة (تور بواتييه) وجمدت التوغل الإسلامي المفزع داخل بلاد الفرنجة، وعلى الرغم من قلة المعلومات المذكورة في كتب المؤرخين عن ملحمة تور إلا أنها تعد إحدى العلامات الحربية الفارقة في العلاقات بين الفرنجة والمسلمين مثلها مثل معركة حطين ، عسقلان، ملاذكرد، العُقاب، والمعارك الحاسمة الأخرى.

الموقع الذي حدثت فيه موقعة بلاط الشهداء

ذكر المؤرخون أن موقع معركة بلاط الشهداء يوجد عند السهل الممتد بين المدينتين الفرنسيتين (تور – بواتييه) بالقرب من قصر مهجور يبعد حوالي 20 كيلومتراً من شرق مدينة بواتييه، ولهذا السبب سمى الفرنسيون معركـة بـلاط الشهـداء بمعركة تور بواتييه.

من هو القائد العسكري لمعركة بلاط الشـهداء؟

قائد معركة بلاط الشهداء هو التابعي (أَبُو سَعِيِد عَبْدُ الرَّحْمَٰن بِن عَبْدُ الله الغافِقِـي بن العكـي) الذي وُلي على الأندلس بعد مقتل خامس الولاة الأندلسيين (السمح بن مالك الخولاني) المكلف من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بفتح بلاد الغال (جنوب فرنسا) في معركة (تولوز)، واستطاع الغافقي الاستيلاء على (دوقية أقطانية) في أثناء خلافة هشام بن عبد الملك والتوغل إلى الوادي الموجود بين مدينتي تور وبواتييه استعداداً لمواجهة جيش الفرنجة في معركة بـلاط الشهـداء، وهي المعركة التي قُتِل فيها القائد عبد الرحمن الغافقي.

نتائج معركة بلاط الشهداء

نتائج معركة بلاط الشهداء

أحداث معركة تور بواتييه

تنحت معظم كتب السلف عن ذكر تفاصيل وقوع معركة بلاط الشهداء في عهد الخليفة (هشام بن عبد الملك) كونهم كانوا يعتقدون أنها نكسة كبيرة تبعث التشاؤم في نفوس المسلمين، وساعد ذلك المسيحيين في نسج المزيد من الروايات الخيالية عن الانتصار الساحق الذي حققه الفرنجة في معركة (تور بواتييه) عام (114) هجرياً، ولكن مع تدقيق المؤرخين العرب في الأحداث الحقيقية لـ قصة معركة بلاط الشهداء كاملة استطاعوا أن يأتوا لنا بتفاصيل مقاربة جدًا للحقيقة وخالية من المبالغة كالتالي:

1) استعداد الجيشين للمعركة

وضع القائد العسكري لجيش المسلمين (عبد الرحمن الغافقي) الخطة التي سيواجهون بها قائد الفرنجة في السهل الواقع بين مدينتي تور وبواتييه بعد الانتصارات العديدة التي حققها في غرب أوروبا، وأهمها فتح مدن (آرال، بوردو، أقطانية)، وبالنسبة لقائد الطرف الآخر فقد بدأ في جمع الجنود والمقاتلين المرتزقة من أماكن متفرقة بعد تحالفه مع (أودو) قائد إقليم أقطانية المهزوم، ولمن لا يعرف من هو قائد الفرنجة في معركة بلاط الشهداء فإنه (كارل مارشال) الملقب بالمطرقة لشد حنكته السياسية وأسلوبه العسكري المميز.

2) التقاء جيش المسلمين بجيش الفرنجة:

التقى الجيشان في عام 114 هـ بين تور وبواتييه لتبدأ ملحمة القتال المحتدة بين جيش المسلمين الذي بلغ عدده 80 ألف مقاتل تقريباً، وبين الجيش المختلط الذي جمعه قائد الفرنجة (كارل مارشال) من المرتزقة الجرمان والمقاتلين من الفرنجة، قبيلة بورغانديا، حدود الراين، ومناطق أخرى بعدد 400 ألف مقاتل وفقاً لأقوال المؤرخين، واستطاع مارشال بتفكيره العسكري الفذ استدراج جيش المسلمين إلى وادٍ بالقرب من غرب نهر (اللوار) حتى يكون من السهل على جيشه الهمجي إدارة الحرب بطريقة رابحة.

2) هزيمة المسلمين بعد اقترابهم الشديد من النصر:

ظلت نيران الحرب متوهجة بين المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي والفرنجة بقيادة كارل مارشال لمدة 9 أيام دون أن يستطيع أحد الطرفين التغلب على الآخر، حتى أتى اليوم العاشر من بدء الملحمة التاريخية معلناً في بوادره اقتراب المسلمين من تحقيق النصر المبين على مارشال وجنوده، وهو الأمر الذي انقلب رأساً على عقب بعد أن نجح الفرنجة في نشر شائعة تقول بأن غنائم المسلمين التي حصدوها من الحروب السابقة قد سُرقت، وهنا تقهقر عدد كبير من جنود المسلمين إلى مكان الغنائم لحمايتها مما أفقدهم زمام المعركة.

حاول القائد (عبد الرحمن الغافقي) توحيد صفوف المسلمين في معركة بلاط الشهداء مرة أخرى بعد أن انتشرت شائعة سرقة الغنائم بينهم كما النار في الهشيم، ولكن أحد سهام العدو الغادرة اخترقت صدره وتوفى في الحال مما أدى إلى انسحاب جيش المسلمين من المعركة والعودة إلى مكان وجود الغنائم في جنوب أرض الأندلس، وهنا خشي (كارل مارشال) الملقب عند العرب بـ (قارله) تتبع خطى المسلمين بعد تقهقرهم كيلاً تكون تلك مكيدة، وأعلن انتصار جيشه في معركة تور بواتييه.

3) النتائج المترتبة على معركة بلاط الشهداء

اختلفت آراء المؤرخين والكتاب المسلمين في بلاد العرب والمسيحيين في بلاد الفرنجة حول نتائج معركة بلاط الشهداء (تور بواتييه)، فالمؤرخين العرب أكدوا بأن فتوحات المسلمين في أوروبا لم تندثر بعد تلك المعركة رغماً عن تثبيطها التوغل الإسلامي في غرب أوروبا، وأن السبب وراء جلاء المسلمين عن الأندلس هو تكالب الحكام على السلطة بدلاً من تحصين الإمبراطورية، ويرى المؤرخون الغربيون أن اتحاد المسيحيين بعد معركة تور بواتييه كان له السبب في إخراج الحكام المسلمين تماماً من بلاد الغال.

أشاد معظم المؤرخين الغربيين بدور (كارل مارشال) البارز في الحفاظ على التراث المسيحي بهزيمته للمسلمين في معركة بلاط الشهداء عام 114 هـ، وكونه السبب في تأسيس الإمبراطورية (الكارولونجية)، وقالوا إنه يستحق لقب (المطرقة) الذي أطلقه عليه (البـابا) بفضل ضرباته القوية التي يوجهها إلى أعداء المسيحية، وعلى الجانب الآخر وجد العرب أن مارشال خير مثال على مقولة اذا المرء لم يدنس من اللؤم بسبب استخدامه للأساليب الجبانة في الحرب والدليل على ذلك لجوئه إلى الحيل والأكاذيب في المعركة من أجل النصر.

موقع معركة بلاط الشهداء

موقع معركة بلاط الشهداء

الأسبـاب التي أدت لهزيمة المسلمين في معركة تور بواتييه

أرجعت مصادر التاريخ الإسلامي الحافل بالمعارك والملاحم الحربية أسباب انهزام المسلمين في معركة بلاط الشهداء إلى النقاط الآتية:

1) وجود الخلافات العرقية الشائكة بين البربر والمسلمين كان سبباً أساسياً في ضعف قوة الجيش وتفرقة صفوفه في أثناء معركة تور بواتييه.

2) الخوف من خسارة الغنائم الكبيرة التي حصدها الجيش في ملاحمه السابقة كان عاملاً مهماً من عوامل هزيمة الجيش الإسلامي في معركة بلاط الشهداء أمام الفرنجة.

3) لم يستطع المسلمون الحصول على إمدادات عسكرية في أثناء القتال بسبب المسافة الشاسعة بين موقع المعركة ومكان قوات الإمداد التي امتدت لـ 400 كم تقريباً.

4) النطاق الجغرافي الذي حدثت فيه ملحمة بـلاط الشهـداء كان له دور مؤثر في هزيمة المسلمين بسبب المناخ القاسي وعدم معرفتهم لتضاريس المنطقة بشكل كاف، وذلك على عكس الفرنجة الذين كانوا يعلمون طبيعة المكان جيداً ولديهم القدرة على التعايش مع ذلك المناخ.

تحليل معركة بلاط الشهداء

حلل وقائع معركة بلاط الشهداء راغب السرجاني وغيره من الكتاب المصريين كالدكتور عبد الرحيم عويس واللذان اتفقا معاً على دور القبلية والعنصرية بين العرب والأمازيغيين في تمهيد البساط أمام الفرنجة بقيادة كارل مارشال لكسب المعركة، وقال الدكتور عبد الرحيم عويس إن حب الغنائم ومخالفة أوامر القائد هما السبب لخسارة المسلمين في احد أول الهجمات ضد الكفار، وهما أيضًا السبب الذي أضاع من يد الجيش الإسلامي فرصة نشر الإسلام في كامل أوروبا.

لماذا سُميت المعركة ببلاط الشـهداء؟

سميت المعركة ببلاط الشـهداء بسبب وقوعها بالقرب من قصر مهجور والقصر في اللغة آنذاك كان يسمى (بلاط)، ولحقت بكلمة البلاط كلمة الشهداء لكثرة عدد القتلى من جيش المسلمين في تلك المعركة.

متى بدأت معركة بـلاط الشهداء، وكم يوم استمرت؟

لم تتفق المصادر بشكل جازم على إجابة سؤال متى وقعت معركة بلاط الشهداء وكم يوم استمرت، فالبعض يقول إنها حدثت في رمضان عام 114 هـ وهناك من يقول أواخر شعبان عام 115 هـ، واستمرت ما بين 8 إلى 10 أيام.

ما أشهر أقوال المؤرخين الغرب عن بلاط الشـهداء؟

يعد أشهر أقوال المؤرخين الغرب عن المعركة قول جوستاف لوبون (لو إن العرب استولوا على فرنسا لصارت باريس مركزا للحضـارة والعـلم منذ ذلك الحين).

ما عدد الشهداء في معركة تور بواتييه؟

لا يوجد حصراً دقيقاً لأعداد الشهداء في معركة تور بواتييه، ولكن معظم الأقوال تزعم أن المسلمين خسروا قرابة عشرة آلاف شهيد في أثناء القتال.

مواضيع ذات صلة

بيعة العقبة الثانيةبيعة العقبة الثانية | رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ

إنما الأعمال بالنياتأهمية حديث إنما الأعمال بالنيات في الإسلام