معركة ذات السلاسل | المواجهة الأولى مع الإمبراطورية الساسانية

معركة ذات السلاسل

صدق الفاروق عندما قال ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله))، ولعل معركة ذات السلاسل أحد البراهين التي تثبت لنا ذلك، فما هي أحداث هذه المعركة وما تاريخ وقوعها وما النتائج التي أسفرت عنها؟ وهل معركة ذات السلاسل هي نفسها غزوة ذات السلاسل المعروفة بسرية عمرو بن العاص أم أنها معركة مستقلة عنها رغم تشابه الأسماء؟ لنتابع إذاً القادم من سطور هذا المقال حتى تتسنى لنا الإحاطة بما وقع وصار دون لبسٍ أو إشكال.

نبذة عن معركة ذات السلاسل :

تجدر الإشارة في بادئ الأمر إلى أن معركة ذات السلاسل لا علاقة لها بالغزوة أو السرية التي تحمل الاسم ذاته، فغزوة ذات السلاسل المعروفة بسرية عمرو بن العاص وقعت في العام الهجري الثامن في أعقاب غزوة مؤتة أي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بيد أن المعركة التي نتحدث عنها هنا وقعت في العام الهجري الثاني عشر في أعقاب حروب الردة أي في زمن خلافة الصديق رضي الله عنه.

ويعود سبب المعركة إلى أن رجلاً من المسلمين اسمه المثنى بن حارثة الشيباني أغار على بلاد العراق بعد انتهاء حرب الردة، وكانت العراق آنذاك تابعة لحكم الدولة الساسانية الفارسية، فلما بلغ الأمر أبا بكر الصديق سأل الصحابة عن هذا الرجل فأشادوا به، فمكث المثنى غير بعيدٍ ثم قصد المدينة المنورة وطلب الإذن من خليفة المسلمين في أن يخرج لقتال الفرس في العراق مع مَن أسلم من قومه.

لم يبدِ أبو بكر اعتراضاً وبعدها أمر سيف الله المسلول خالد بن الوليد أن يخرج على رأس الجيش ذاته الذي خرج للقتال في اليمامة دون أن يكره أحداً منهم على ذلك وأن يقصد العراق لينضم إلى جيش المثنى، وأمر المثنى بالإذعان لخالد كونه أكثر دراية بأمور الحرب، فالتحم جيش خالد المكون من عشرة آلاف مع جيش المثنى المكون من ثمانية آلاف ليصبح قوام جيش المسلمين ثمانية عشر ألف بقيادة خالد بن الوليد.

أحداث معركة ذات السلاسل :

سار خالد بن الوليد بالجيش إلى العراق وقبل أن يبلغها بعث إلى حاكمها الفارسي هرمز رسالةً يخيره فيها بين أمورٍ ثلاثة أولها إعلان الإسلام وثانيها دفع الجزية وثالثها القتال فقال له ((أما بعد، فأَسلِم تسلَم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقومٍ يحبون الموت كما تحب الحياة))، فرفض هرمز خياري السلم وآثر خيار الحرب وبعث من فوره إلى كسرى يطلب المدد.

وعندما وصلت هرمز الإمدادات الضخمة تحرك إلى منطقة كاظمة بعدما علم بوجود المسلمين فيها، لكن دهاء خالد جعله يقرر اتباع استراتيجية المناورة لخداع الجيش الساساني وإنهاك قوته فما إن علم بتحرك جيش الفرس نحو كاظمة غادرها واتجه نحو منطقة الحفير وعسكر فيها، فلما وصل هرمز بجيشه إلى كاظمة لم يجد أثراً للمسلمين وعلم من جواسيسه بوجودهم في الحفير فلحق بهم إلى هناك، لكن خالد أعاد الكرة واستمر في المناورة وغادر الحفير عائداً إلى كاظمة مستغلاً نقطة ضعف الجيش الساساني وهي ثقل التسليح وصعوبة الحركة.

بلغ هرمز الحفير ووجدها خاوية فاستشاط غضباً وعاد إلى كاظمة، ولأنه أكثر دراية بالمنطقة عسكر بالقرب من الماء ليمنع المسلمين من الوصول إليه، ولم يعلم هرمز أنه أعطى المسلمين بذلك حافزاً أكبر للقتال إذ أثار حماستهم من أجل الحصول على الماء، ويذكر في قصة خالد بن الوليد أنه قال لهم ((ألا انزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين))، وفي لحظة طيش وغرور أمر هرمز جنوده بربط أنفسهم بالسلاسل حتى يستميتوا في القتال ولا يفكروا في الانسحاب، لكن هذه الحركة عادت عليهم بالوبال.

 نتائج معركة ذات السلاسل

نتائج معركة ذات السلاسل

تابع أحداث معركة كاظمة :

بدأت معركة ذات السلاسل بالمبارزة بين القائدين، حيث طلب هرمز من خالد أن يتقدم لمبارزته، لكن المبارزة لم تكن غرضه بل كان غرضه التخلص من خالد والإيقاع به إذ اتفق مع جنده على الفتك بخالد حال خروجه للمبارزة، غير أن عناية الله جعلت القعقاع بن عمرو يفطن إلى خطتهم ويهب على الفور لإنقاذ خالد، ثم تمكن خالد والقعقاع من الفتك بهرمز ومَن خرج من جنده لمعاونته، الأمر الذي أدى إلى اضطراب صفوف الساسانية وإضعاف روحهم المعنوية، بخلاف صفوف المسلمين التي دب فيها المزيد من الحماسة والشراسة.

استعر القتال بين الفريقين في معركة غير متكافئة من الناحية المادية والمعنوية، أما الناحية المادية فالفرس فيها أقوى وأما الناحية المعنوية فالفرس فيها أضعف خاصةً بعد قتل القائد الساساني هرمز، بدأ قتلى الفرس في السقوط واحداً تلو الآخر حتى بدءوا في الفرار فيما تعثر المكبلون بالسلاسل وقُتلوا عن بكرة أبيهم فألحقت بهم هزيمةً نكراء.

وتمثلت نتائج معركة ذات السلاسل في تحقيق جيش المسلمين نصر حاسم بعد خوض الحرب الأولى مع الإمبراطورية الساسانية العظمى دون سقوط عدد يذكر من الشهداء وهو إنذار بهدم هذه الإمبراطورية، كما تضمنت نتائج المعركة سيطرة المسلمين على تاج هرمز الذي قدر ثمنه وقتذاك بمائة ألف درهم، وقاد هذا الانتصار المسلمين لفتح مدينة الأبلة وهي الميناء الفارسي الوحيد في العراق.

ما الدروس المستفادة من معركة كاظمة ؟

نتعلم من معركة ذات السلاسل عدداً من الدروس الهامة التي يتجلى أبرزها فيما يلي:-

1) قوة المسلمين تكمن في وحدتهم، لذا أمر ابو بكر الصديق بالتحام ووحدة جيشا خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة.

2) صبر الصحابة على الجهاد وبذل نفوسهم في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ونشر دين الله، فلم يكن يفصل بين المعركة والأخرى سوى زمن يسير ومع ذلك لم تخر عزائمهم، وهو ما يؤكد لنا أن ((العبادات ليست ثقيلة، القلوب خربة)).

3) حسن اختيار القادة إذ أحسن أبو بكر اختيار خالد بن الوليد لكفاءته في مجال الحروب العسكرية.

4) وجوب طاعة ولي الأمر، إذ أطاع خالد بن الوليد أمر أبي بكر وأطاعه المثنى كذلك.

5) درس هذه المعركة وكل معركة ((كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)) سورة البقرة، الآية 249.

لماذا سميت معركة ذات السلاسل بهذا الاسم ؟

إذا تعرفنا على أحداث المعرفة سيتضح لنا لماذا سميت معركة ذات السلاسل بهذا الاسم تحديداً، فقد أمر القائد الفارسي هرمز جنوده بربط أنفسهم بالسلاسل حتى يضمنوا الاستماتة في القتال ولا يتسنى لهم الفرار من أرض المعركة.

لماذا سميت معركة ذات السلاسل باسم معركة كاظمة ؟

سميت معركة ذات السلاسل باسم معركة كاظمة نسبةً إلى المكان الذي وقعت به وهو منطقة كاظمة التابعة لدولة الكويت.

من هو قائد غزوة ذات السلاسل ؟

يتساءل البعض من هو قائد غزوة ذات السلاسل والإجابة هي أن قائد هذه الغزوة هو الصحابي عمرو بن العاص، أما معركة ذات السلاسل فقائدها هو الصحابي خالد بن الوليد.

هل تناول غزوة ذات السلاسل ابن كثير ؟

نعم تناول غزوة ذات السلاسل ابن كثير في كتابه المعروف باسم البداية والنهاية، وجاء ذكر هذه الغزوة في نهاية الجزء السادس من الكتاب.

مواضيع ذات صلة

حروب الردة | ملحمة شرسة بين الحق والباطل

دعاء القنوت في صلاة الوتردعاء القنوت في صلاة الوتر مكتوب