معلقة امرؤ القيس | قصيدة أدبية تاريخية تسحر الألباب والعقول

معلقة-امرؤ-القيس

إنَّ الغيمَ الذي يهطِلُ كثيرًا على منطقةٍ شاهقةٍ سيصيرُ بعد ذلكَ نهرًا جاريا ترتوي منه الكائنات، وتخضرُّ الأرضُ من تحتِهِ، ولا أبالِغُ إن قلتُ إنَّ معلقة امرؤ القيس هي الغيمةُ التي أمطرت صحراء الشّعر العربيّ، وروت ظمأَ الشعراء للخيالِ الأوسع، وعلى منوالِها وطريقِها سَارَ الشعراء يمشون، وبأطلالِها يبكون.

مؤلف المعلّقة الخالدة

• هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندي، ولد عام 496م، وهو أمير من أمراء مملكة كندة المفقودة، عاشَ حياة الترف واللهو في بداية عمره حتى طرده أبوه لذلك، ثم اتجهَ إلى الصعلكة مع شذاذٍ من أبناء العرب الصعاليك، وعندما قتل أبوه أقسم ألا يقرب النَّساء وألا يشرب الخمر حتى يأخذ بأثره، وفي أثناء محاولاته لاسترداد ملك أبيه الضائع نظَّم هذه القصيدة الخالدة.

مكانة امرئ القيس بين شعراء العربيّة

• قد عدَّهُ النُّقاد فحلًا من فحولِ الشَّعراء الجاهليين بل وتقدَّم عليهم جميعًا نظرًا لأنَّه سبقهم إلى معانٍ لم يتطرّق إليها شاعرٌ قبله، فهو من شعراء الطبقة الأولى، وأوَّل من وقف على الأطلال وبَكَاها، واستوقَفَ صاحبيه، وأنشدَ رقَّة النسيب، رقيق المأخذِ ذو جودة مجيدة في صياغة الأفكار، وفي شعره لمحات من حياتِه وبيئته فهو يعدُّ مرآة للعصرِ الذي عاشَ فيه، وإن كثرة الصور البلاغية في معلقة امرئ القيس تنبئ عن هذا الأمر باقتدارٍ شديد.

الأسبَابُ الدافِعَة لتأليفِ المعلّقة

قِيلَ إنّ السبَبَ الرئيس لكتابَة معلقة امرؤ القيس هذه القصيدة اللاميّة المفعمة بالصِّبا والحيويّة هو ما حدثَ يوم الغدِير أو يوم دارة جلجلِ وهو اليوم الذي ذهبَ فيه امرؤ القيس لمكان اغتسالِ العذارَى وسيتم تفصيل هذه الواقعة في أثناء الشرح.

لكنّنا لا نرى وحدة موضوعيّة في القصيدة فهي تحتوي على أكثر من موضوعٍ مثل وصف الليل والفرس والمطر والبكاء على الأطلال، ربّما يكون الباعث لكتابة القصيدة يوم الغدير لكنّه أضافَ إليها بعد ذلك كلّما سنحت الفرصة، فربّما كتبها في أثناء رحلته إلى قيصر، وكان تذكره لهذه الذكريات مرورًا على هذه الأطلال باعثًا لهذا الشجن وهذه الكتابة الفارقة.

رواة المعلقة

لقد اختلف قديمًا في رواية الأشعار الجاهلية، وخصيصى المعلقات، فإنها نقلت شفويًّا ولم تنقل إلينا كتابةً، فالعرب كانوا يعتمدون على الحفظ، ولا يتثبتون من الألفاظ المروية حتى إنّك ترى للقصيدة الواحدة في البيت الواحد أكثر من لفظ مختلفٍ لأكثر من راوٍ، وقد وصلت إلينا معلقة امرئ القيس كاملة pdf وقد اعتنى بها الرواة كثيرًا، وفي معلقة امرؤ القيس ستجد نسخًا لأكثر من راوٍ منها ابن الأنباري وهو ما اعتمدناه في مقالنا ومنها الأصمعي، ويمكنك الآن قراءة معلقة امرئ القيس برواية الأصمعي pdf ولكننا في هذا النص نعني برواية ابن الأنباري بشكلٍ دقيق.

موضوعات معلقة امرؤ القيس

بإمكاننا تقسيم معلقة امرؤ القيس على سبعة فصول:

1- الفصلُ الأوَّل يعني بوصفِ الأطلالِ وذكر الدّيارِ.

2- الفصل الثاني : واقعة دارة جلجل ويوم الغدير وذبح الناقة للعذارى.

3- والفصل الثالث يعني بالغزل الصَّريح مثل وصف محاسن المرأة الجسدية، وهو أطول هذه الفصول جميعا.

4- والفصل الرابع يشكو فيه الشاعر من طول الليل وثقله عليه، وهو ممتلئ بالأخطار..

5- وفي الفصل الخامس: يفخر فيه الشاعر بصبرِه وببطولته في رحلته، وحواره مع الذئب وتشبيهه به.

6- وفي الفصل السادس ستجده يصف فرسه وصفًا دقيقًا كأنَّه كاميرا عالية الجودة، يذكر سرعته ونشاطه وعدوه وقيده وكامل أعضاء جسده.

7- وفي الفصل السابع، ويسمى الطراد ويصف فيه البقر الوحشي في سبعة أبيات.

8- وفي الفصل الثامن يصف فيه الطبيعة، مثل البرق والمطر والسيل، وأنت حينما تتفقد معلقته تشعر أنَّها فلمٌ سينمائيٌّ يأخذُك في ساحة الحنين والحزن والبطولة والحب، وهذه اللغة الأصيلة جعلت المعلقة من جواهر العرب، وسنختار من كلّ فصلٍ أبياتًا عدَّة ليتم شرحها شرحًا تفصيليًّا.

ولقراءة المعلقة فعليك تحميل معلقة امرئ القيس pdf ، ولا بد من قراءة المعلقة جيّدًا قبل الانتقال لشرحها لتذوقها والإحساس بحالتها الخاصة.

الفَصلُ الأوَّلُ من معلقة امرؤ القيس : البكاء على الأطلال

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ      بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها     لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ

• يمرُّ امرؤ القيس على ديارٍ قديمةٍ باليّةٍ كان يسكنُها من قبلُ فينزل من فوق مطيِّتهِ ويطلب من صاحبيهِ البكاء معه على الذكريات التي سكنت في هذا المكان الذي كان يعجُّ بالأحبِّة والمنازِل الوارفة، هذا المكان الذي في سقط اللوى أي في آخر الرَّمل وبداية اليابسة، وهو أيضًا بين الدُّخول وحومَل وتوضح والمقراة وكل هذه الأسماء هي أماكن كانت موجودة ومشهورة وقتها.

• إنَّ هذه الأماكن لم يعفُ رسمُها أيّ إنّ خطوط الأساس لا تزال موجودة وبائنة على الرّمل، تستطيع أن تتعرف بكل سهولة ويسر على تصميم الدار من الأسفَل، فهذه حجرة النّوم، وهذه حجرة الضيوف، وهذه باحة البيت! وصار البيت الآن طللًا ترمي عليه الرياح رمالًا شمالًا وجنوبًا أي من ريح الشمال وريح الجَنوب.

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا          وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ
كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا          لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
وُقُوْفًا بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ     يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ
وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ           فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ

• الشَّرح: يا صاحبيَّ أنتما تستطيعان أن تريا فضلات الغزلان في ساحاتها وهي تشبه من بعيد حب الفلفل، أتذكّر ذلك اليوم الذي رحلوا فيه وأنا كنت أقف تحت شجرة السُّمرة الخضراء بظلالها الوارفة أبكي مثلما يبكي ناقف الحنظَل هذا النبات الذي لا يُبكِي عين الإنسان مثلما يفعل البَصلُ.

• أبكي وصاحباي يقولان لي يا امرأ القيس لا تبكِ إنَّك أمير كندة! ولا يليق بالأمراء البكاء مثل هذا، بل يليق بهم التجمَّل عن الحزنِ والتجلَّد، ولكنِّي لا أسمع لهما! إن الشفاء الحقيقي لي هو البكاء، هو نزول هذه الدموع الغزيرة من العين! فهل أستطيع أن أجد هذه الدموع الغزيرة الآن عند هذا الطلل؟.

الفَصلُ الثَّاني من معلقة امرؤ القيس : واقعة دارة جلجُل

ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ         وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي      فَيَا عَجَبًا مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا      وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ         فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي

• تروي الحكاية أن القبيلة وقت الرّحيل تركت العذارى تغتِسل في روضةٍ تسمَّى دارة جلجل، فذهب امرؤ القيس قبلهم، واختبأ خلف الأشجار، وعندما دخلت العذارى الروضةَ لتستحمَّ وقف امرؤ القيس على ثيابهن، وأبى أن يمشي قبل أن يخرجن منهن عاريات! وقد فعلَنَ جميعًا حتَّى عنيزة بنت عمه شرحبيل، فغضب أبوه غضبةً قاتمة، وطردَه من المملكة.

• ويقول امرؤ القيس في الأبيات إنّه ذبح ناقته للعذارى فأخذن يأكلن معه من لحمِها ثم عندما حان الرّحيل أخذت كل واحدة منهنَّ شيئًا من رحل ناقته المذبوحة، ثمَّ ركب مع عنيزة على ناقتها، فأخذ يدخل خدرها، وهو الهودج أعلى الجمل، وهي تصده حتى اهتز الخدر، وكاد يقع وهو هنا في هذه الأبيات يصف هذه الواقعة.

ويَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ        عَلَـيَّ وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ
أفاطِـمَ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ         وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي          وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي        بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ

• الشّرح: وفي يومٍ كنَّا على رملةٍ كبيرةٍ تمنَّعت عليَّ وحلفتْ يمينًا لم تحنثه أبدًا أن تصدَّني، يا فاطمة مهلًا اتركي هذا التدَّلَلَ وأجملي في صدِّك عنِّي كل هذا العتاب، هل غرَّكَ أنّ حبَّك تملك مني حتى كاد يقتلني وأنَّني لا أملك قلبي وأنت تملكينه! وما بكيتِ ودَمعَتْ عيناك إلَّا لترمي سهمَ عينك في قلبي، فهكذا النَّساء يبكين فتعتذر الرِّجال وإن كان الرّجال على حقّ.

الفصل الثالث من معلقة امرؤ القيس: بيضة الخدر

وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا       تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ
تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً    عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي

• الشّرح: وربّ بيضة خدرٍ يقصد بالبيضةِ المرأة المنيعة التي لزمت خدرها، وشبهها بذلك دلالة على سلامتها وسترها وصفاء لونها الأبيضِ، وقد انتفعَ بالحديث معها واللهو لوقتٍ طويلٍ غير مستعجلٍ فيه على أيِّ شيءٍ، وقد كان قبل ذلك تجاوز كثيرًا من حرَّاسِها هؤلاء الذين لو عثروا عليه سيقتلونه سرًّا ولن يعلم عن موته أحد.

تُضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا       مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
إِلَى مِثْلِهَـا يَرْنُو الحَلِيْمُ صَبَابَــةً       إِذَا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ
تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنْ الصِّبَـا    ولَيْـسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَـلِ
ألاَّ رُبَّ خَصْمٍ فِيْكِ أَلْوَى رَدَدْتُـهُ        نَصِيْـحٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَــلِ

• الشَّرح: إنَّ وجهها يضيءُ في الليلِ كأنَّه منارة راهبٍ زاهدٍ في السَّحَرِ، وإلى مثلها ينبغي أن يبصر العاقل حبَّا بها وتحنانًا إليها فهي طويلة القد مديدة القامة وهي لم تدرك الحلم بعد، وإنَّ كثيرًا من الرجال خرجوا من عماية الصَّبا واللهو ولكن هوايَ أبدًا لن يعمى عن هواها ولن يخرج من صباه.

• ألا رب خصمٍ شديدٍ قويٍّ الخصومةِ كان دائمًا ما ينصحني من فرط عتابه أن أترك هواكِ ولا أذهب فيه لكنِّي دائمًا أزجره وأنهيه على ذلك ولا ألتفت لقولهِ وهو شديد النصيحة لا يرتدع إلا إذا فعل المنصوح ما نُصِحَ به.

• ونستطيع أن نرى هوس امرئ القيس بالنساء مثل خاله عدي بن ربيعة المشهور بالزير سالم فهو خاله الذي علمه الشعر وهو الذي تولى رعايته منذ صغره.

الفصل الرابع من معلقة امرؤ القيس: وصف الليل

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَــهُ       عَلَيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُـمُوْمِ لِيَبْتَلِــي
فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّـى بِصُلْبِــهِ           وأَرْدَفَ أَعْجَـازاً وَنَاءَ بِكَلْكَــلِ
ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي        بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ
فَيَــا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَـهُ               بِـأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ

• الشرح: إنّ هذا الليل مثل البحر في طوله ومده لا نهاية لأوَّله ولا لآخره، قد أرخى عليَّ ستائره بكلّ أنواع الهموم والشدائد وامتحنني طويلًا بالمخافة والمهابة فقلتُ له: أيها الليل الطويل اذهب بعيدًا وامَّحِ وليطلع الصبح المنير ولا أظن أن الإصباح أفضل منك فهو أيضًا به ما به من الهموم والابتلاء.
فما أعجبك من ليلٍ طويل ثابت مهيب لا يتغيرّ لونُه أبدًا ولا تظهر بوادر الفجر على قسماته ولا تختفي نجومه كأنّها مشدودة ومثبتةٌ بحبلٍ متينٍ مربوط في صخور قاسية كأنّها الجبال الرواسي، وهذه الأبيات من أجمل ما جاء في معلقة امرؤ القيس ، حيث وصف الليل بما لم يصفه أحد من قبله.

الفصل الخامس من معلقة امرؤ القيس: الحوار مع الذئب

وقِـرْبَةِ أَقْـوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَــا        عَلَى كَاهِـلٍ مِنِّي ذَلُوْلٍ مُرَحَّــلِ

وَوَادٍ كَجَـوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُــهُ       بِـهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالخَلِيْعِ المُعَيَّــلِ

فَقُلْـتُ لَهُ لَمَّا عَوَى: إِنَّ شَأْنَنَــا      قَلِيْلُ الغِنَى إِنْ كُنْتَ لَمَّا تَمَــوَّلِ

كِــلاَنَا إِذَا مَا نَالَ شَيْئَـاً أَفَاتَـهُ        ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْـزَلِ

• الشرح: وربُّ وادٍ لا نباتَ فيه ولا زرعَ ولا ماءَ، وادٍ صحراويٍّ منقطع الحياةِ، يشابِه بطن العير (الحمار) قد طويتُه مشيًا وسيرًا، وكان به ذئبٌ يعوي مثل مقامرٍ لديه أبناء كثر يطالبونه النّفقة وهو لا يملك شيئًا لهم لذلك يعوي فيعلو صوته.

• ثمّ قلتُ لهذا الذئب لمَّا عوى: كلانا متشابهان غاية التشابه، فإننا لسنا أغنياء ونحن نطلب الغنى ولكن لا نظفر به، فإذا ظفرنا بشيءٍ ما بذرناه على الآخرين وأسرفنا فيه إلى من يريده، ومن عاش عيشتنا هذه سيصير لا محالة فقيرًا مهزولًا.

• ومما يجدر ذكره أن هذه الأبيات الثلاث قد نسبها بعض الرواة إلى الشاعر ثابت بن جابر المعروف بـ تأبط شرا نظرًا لكون الأبيات تتحدث عن صعلوك وليس أميرًا مثل امرئ القيس ولكن الصحيح أنّهم لامرئ القيس فهو أمير ولكن كان محبًا للصعلكة وقول الشعر ولذلك طرده أبوه من المملكة.

معلقة-امرؤ-القيس


معلقة-امرؤ-القيس

الفصل السادس من معلقة امرؤ القيس: وصف الخيل

وَقَـدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَـا          بِمُنْجَـرِدٍ قَيْـدِ الأَوَابِدِ هَيْكَــلِ

مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعــاً               كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

كَمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْـدُ عَنْ حَالِ مَتْنِـهِ         كَمَا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَنَـزَّلِ

عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنَّ اهْتِـزَامَهُ       إِذَا جَاشَ فِيْهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَـلِ

 

• الشرح: وإنَّني قد أغتدي وهذه الطيور لا تزال بعد مستقرة في أعشاشها نائمةً ناعِسة، وأنا أمضي على ظهر هذا الفرس المتجرِّد من شعرهِ، الذي يقيّد الوحوش بسرعةٍ خارقةٍ ويمسك بهم ويقيّدهم حيث لا فرار من هذه القبضة الغاشمة، وقد شبّه امرؤ القيس فرسَه بقيد الأوابد لشدّة سرعته فهو إن أصبح يعدو من أجل فريسته فلن تجد فكاكًا منه كأنّها مقيّدة منذ بداية عدو هذا الفرس.

• إنّ فرسًا مثل هذَا مكرٌّ إذا أردت منه الكرّ، وهو مفرٌّ إذا أردت منه الفرّ، وكذلك مقبلٌ ومدبرٌ إذا أردت منه الإقبال والإدبار، ويفعل كل هذا (معًا) بتناسقٍ تامٍ، وهذا معناه أنّ الكرّ والفرّ والإدبار والإقبال تجتمِعُ في صفاتِه بوقتٍ واحدٍ ولكن هذا تضاد ومفارقة محالة! والحقيقة أن هذا التضاد في قوّته وليس في فعله، وهو سريعٌ كحجرٍ عظيم سقط من مكانٍ عالٍ إلى الهاوية.

• وعلى هذا المنوال في كثيرٍ من المعلقات الجاهلية تم وصف الفرس وأصبح وصفه عبادة في القصائد العربية القديمة وخصيصى المعلقات منها.

الفصل السابع من معلقة امرؤ القيس: مغامرة صيد البقر الوحشي

فعَـنَّ لَنَا سِـرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَـهُ               عَـذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءٍ مُذَبَّـلِ

فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّـلِ بَيْنَـهُ           بِجِيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيْرَةِ مُخْـوَلِ

فَأَلْحَقَنَـا بِالهَـادِيَاتِ ودُوْنَـهُ               جَوَاحِـرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّـلِ

فَعَـادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَـةٍ             دِرَاكاً وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَـلِ

فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ      صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيْرٍ مُعَجَّـلِ

ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوْنَـهُ            مَتَى تَـرَقَّ العَيْـنُ فِيْهِ تَسَفَّـلِ

فَبَـاتَ عَلَيْـهِ سَرْجُهُ ولِجَامُـهُ              وَبَاتَ بِعَيْنِـي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَـلِ

• الشرح: فظهر لنا بعض قطعانٍ من البقر الوحشي، وما إن ترَ إناثهم ترَ عذارى يحاولن الطواف حول حجرٍ منصوبٍ، وهذه ذيولهنَّ كأنّها ملاء طويل يجرجرنه وراءهن في مشيةٍ متبخترةٍ عذراوية.

• حين أدبرت النّعاج بدت كالخرز اليماني، الذي تم الفصل بينه وبقية الجواهر موضوعًا في عنقِ فتى صغير، وقد شبه امرؤ القيس هذا البقر الوحشي بالخرز اليماني لأنّ به طرفًا أسود والبقيّة بيضاء وكذلك الخرز اليماني في الشكل.

• وهذا الفرس العظيم القوي قد عدا بين ثورٍ ونعجةٍ من تلك الأبقار الوحشية دون أن يتوقَّفَ ودون أن يتعرَّقَ هذا العرق الذي يجبره على الاغتسال، وقد تم تقسيم الطهاة من كثرة الصيد إلى من ينضّج اللحم على القدرِ المغلي فوق الحجارة المتأججة، ومن يشوونه على النارِ.

الفصل الثامن من معلقة امرؤ القيس: وصف البرق والمطر والسيل

أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ                كَلَمْـعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ            أَمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَـارِجٍ             وبَيْنَ العـُذَيْبِ بُعْدَمَا مُتَأَمَّـلِ
عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِـهِ          وَأَيْسَـرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُـلِ
فَأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ          يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
ومَـرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ              فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ

• الشرح: يا صاحِبي هل رأيت هذا البرق يلمَعُ ويشعُ ويتلألأ في هذا السحاب المرتَّبُ المصفّف المتراكِم حتى صارَ إكليلًا لهذا السحاب، وصارَ السحاب بهذا البرق كالوجه المبتسمِ، وهو تحريك اليدين المبتلّتين بسرعةٍ لامعة، وإن لمعان هذا البرق يشبه في مصباح الراهب إذا صب عليه الزيت فينوّرُ ويضيءُ.

• ثم قعدنا نتأمل السَّحابَ في هذا الشكّل الرائِع وهو يبتعِدُ عنَّا، ويسير في السماءِ ، يمينه الجبل المسمى بقطن ويساره جبل يسمى يذبل، ثم ها هو يلقي الماء على كتيفةٍ حتى إنّه ضر الأشجار في هذا الموضع واقتلعها.

وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ          وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيْداً بِجِنْـدَلِ
كَأَنَّ ثَبِيْـراً فِي عَرَانِيْـنِ وَبْلِـهِ           كَبِيْـرُ أُنَاسٍ فِي بِجَـادٍ مُزَمَّـلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُـدْوَةً         مِنَ السَّيْلِ وَالأَغثَاءِ فَلْكَةُ مِغْـزَلِ
وأَلْقَى بِصَحْـرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَـهُ         نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ
كَأَنَّ مَكَـاكِيَّ الجِـوَاءِ غُدَّبَـةً              صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلْفَـلِ
كَأَنَّ السِّبَـاعَ فِيْهِ غَرْقَى عَشِيَّـةً       بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُـلِ

• الشرح: وإن هذا السحاب الذي أمطر تيماء لم يترك شيئًا من جذوع النخل إلا وهدمه، حتى الأبنية والقصور العالية قد جعلها خاوية تمامًا، كأن رأس جبل المجيمر من كثرة الأشجار المقتلعة فوقه مثل فلكة المغزل التي يلتف حولها الخيط، وكأن السباع حين أغرقها السيل تشبه أصول البصل البري لكثرة تلطخها بالطين والماء.

كان هذا شرحًا مختصرًا وافيًّا لـ معلقة امرؤ القيس، وإذا أردت شرحًا تحليليًّا أكثر فعليك بتحميل شرح معلقة امرئ القيس pdf  وكذلك تحليل معلقة امرئ القيس pdf  معًا للإمام الزورني فالإمام الزورني قد شرح المعلقات السبع كاملة في كتابٍ له، ويعد هذا الشرح وافيًّا للطلاب المبتدئين.

التشبيهات الموجودة في معلقة امرئ القيس

• عادة ما يستهل الشعراء الجاهليون قصائدهم بذكريات الديار الجميلة وهذه القصيدة خير مثالٍ على ذلك، لأنّها أوّل قصيدة وقفت على الأطلال وبكت، وكذلك احتوت هذه المعلقة على كثيرٍ من الصور والتشبيهات المفعمة بالحيوية والفصاحة والبلاغة، فهي تعد غاية الجمال ونذكر جملة من هذه التشبيهات كالآتي:

بعرَ الأرآم وحب الفلفل

• حيث قال: ترى بعر الأرآم في عرصاتِها وقيعانها كأنّها حب فلفل، فقد شبَّه امرؤ القيس بعر الظِّباء وفضلاتِها التي غزت ساحة الديار المهجورة، بحبّ الفلفل الأسود، والأرآم لغةً هي الظِّباء الخالصة البياض، وهي تسكن الرمل، والعرصة هي ساحة الدار، وهي البقعة المتسعة في الفناء، والفلفل حبّ هنديّ، كأنّه يقول: انظر إلى هذه الديار التي كانت مأهولة بالنَّاسِ صارت خالية تمامًا حتّى إن الظّباء التي تعصى على الصيادين المهرة وتجيد الاختباء صارت تمشي في العرصات وتضع فضلاتها التي تشبه حب الفلفل الأسود.

ناقف الحنظل

• حيث قال كأني غداة البين يوم تحمَّلوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل، فالغداة هي الضحوة، والبين: الفرقة والفراق، وهو ما يريد أن يقوله هنا، وكلمة سمرات تعني أشجار الطلح، ونقف الحنظل: استخراج الحب منه عن طريق شقه.

• وإن نبات الحنظل نباتٌ مر يشبه البصل، فإن أنت شققته دمعت عيناك، والشاعر يصور موقفه من رحيل القبيلة وهو يختبئ خلف شجيرات الطلح بالشخص الذي ينقف الحنظل وتدمع عيناه من فرط الألم.

جيد الرئم

• إن لهذا البيت رائحة غزليّة، فالغزل بالمرأة هو وصف محاسنها المعنوية والجسدية، وهنا الشاعر يصف محاسن حبيبته المادية فهو هنا يكون غزلًا صريحًا، يصف مفاتن حبيبته بصراحة وتفصيل، حيث يقول امرؤ القيس: وجيدٍ كجيد الرئم ليس بفاحشٍ، إذا هي نصته ولا بمعطل، ونفصل ذلك كالتالي:

• فالرئم كما ذكرنا هو الظبي الأبيض الخالص البياض والجمع آرام، وهو هنا يصف عنق حبيبته بعنق الظبية في حال رفعها، ويرينا صورة لهذا العنق بأنّه ليس معطلًا أي به قلادة موصولة بجيده، وكان هذا من علامات جمال المرأة في زينتها ولا زال.

ليل كموج البحر

• يصف امرؤ القيس الليل مثل موج البحر، وهذا التشبيه لم يرد قديمًا عند العرب، فهو أول شاعرٍ اصطنع هذا المعنى واخترعه من ذاته المبدعة، فهو يقول إن الليل يشبه موج البحر العاتي المهيب، ويسدل عليَّ هذا الليل همومًا كثيرًة لا أوّل لها من آخر فهي مثل الستارة تسدل وترفع.

• وإن تشبيه الليل بالموج يدل على مهابة الليلة في نفس الشاعر العربي، من الأهوال والمخاطر! فنحن نستطيع أن نستشف غموض هذا الليل البهيم من خلال خوف الشعراء منه وكرهه له.

جلمود صخر

• يصف امرؤ القيس فرسه الهيكل المنجرد في أثناء سرعته بالصخرة المهيبة التي سقطت من أعلى الجبل، فهو بذلك يشبه فرسه بالسرعة والقوة في آن واحد فالصخرة إذا سقطت على أحد فهو هالك لا محالة وكذلك فرس امرئ القيس الذي إذا جرى خلف الفرائس فلن تستطيع الفرائس أن تلحقه من شدة سرعته ولا الفكاك من قبضته لشدة قوته فهو الصخرة الساقطة من أعلى الجبل.

فلكة مغزل

• يصف امرؤ القيس رأس جبل المجيمر بعدما اجتاحه السيل، وجرّ وراءه أشجارًا ونباتًا وصخورًا كثيرة، تجمّعوا فوق قمته، وصفها بفلكة المغزل، والفلكة: عود يلفّ عليه الخيط، ورأس هذه الفلكة ممتلئة بالخيوط المجعدة، وهذا هو لب التشبيه فهو يصوّر ما جرفه السيل أعلى قمة جبل المجيمر بفلكة المغزل.

 

ما معنى قيد الأوابد؟

الأوابد هي الحمر الوحشية، والقيد هو الأسر، وتركيبة قيد الأوابد تصف فرس امرئ القيس، وهي تعني الفرس الذي يقيِّدُ فرائسَه بسرعة من أن يفرِّوا منه ولن يستطيعوا الفكاك من عدوه.

هل تعد معلقة امرؤ القيس أفضل معلقات الشعر العربي؟

أجل هي أكثر المعلقات بلاغة ووصفًا ودقة في التصوير.

متى كتب امرؤ القيس هذه المعلقة؟

يقال إنّه كتبها في ريعان شبابه حيث الطاقة الشبابية واضحة تمامًا في النّص قبل أن يموت أبوه وتتحوّل أشعاره لهموم الثأر.

من تكون حبيبة امرئ القيس؟

هي عنيزة أو فاطمة بنت عمه شرحبيل، ولكن بيضة الخدر المذكورة في منتصف النص ليست هي فاطمة حبيبته بل فتاة أخرى لم يفصح عنها الشاعر.

مواضيع ذات صلة

عداء الطائرة الورقيةعداء الطائرة الورقية | كيف نكفر عن ذنوب الماضي؟

آل صبحي والأدب المسرحيحياة محمد صبحي | وأهم الإنجازات بمسيرته الفنية