معلقة لبيد بن ربيعة : ما وراء الحياة والموت

ما يجعلُ الإنسانَ شاعرًا هو أن يقفَ أمام الأشياء العادية في خاطر الآخرين مذهولًا ومصابًا بالدَّهشةِ، وما يجعلُ القصيدةَ غاية الشاعرية هو امتلاؤها بالتفاصيل الدقيقة التي تحيط بالإنسان من كلِّ جانبٍ وانظُرْ إلى شاعرٍ مثل لبيد ثم انظُرْ إلى معلقة لبيد بن ربيعة ، كيف صوَّر تفاصيل الحياة البدوية الدقيقة في عدة صور غاية الفصاحة والبلاغة والبيان.

التعريف بالشاعر صاحب المعلقة

هو لبيد بن ربيعة بن عامر، يكنَّى بأبي عقيل، عاش في الجاهلية والإسلام، ويقال لأبيه : المقتر، أيّ الكريم بطبعه، أمُّه تسمَّى تامرة بنت زنباع من بني عبس، قتِلَ أبوه وهو لا يزال طفلًا صغيرًا في تلك الحرب التي نشبت بين بني لبيد وبني عامر، ويعدُّ من أفضل الشعراء العرب على مر العصور.

النَّشأة من الطفولة للشباب

إنَّ لبيد بن ربيعة عاشَ في طفولتِهِ بين نارَين فقد ماتَ أبوه وهو بعدُ لم يتجاوز العاشرة من عُمْرِهِ، قُتِلَ في حربٍ ضروسٍ نشبت بين بني عامرٍ وبني لبيد، ولكنَّ أهله من جهة أبيه وهم أعمامه قد قرّروا كفالته لينشأ لبيد في حياةٍ ترفٍ ورخاءٍ وهناءٍ، ولكن لم يستمرَّ هذا الأمر حتَّى نشب الخلافُ بين أعمامِهِ وبينه، فتشتَّت أمرُهُ.

وحينَما وصلَ لبيد سنَّ الخامسةَ عشر صارَ رجلًا مهيبًا، وقد بدت عليه أمارات البلاغة والفصاحة واللسان العربي السليم بالإضافة إلى نباهة التعبير وقوته، فعيَّنه قومه متحدِّثًا رسميًّا باسمِهم في مجالِسِ الملكِ النعمان بالحيرة، من ثمَّ في أزمنةِ الحروب برزَ قويًّا مهيبًا فارسًا لا يخافُ، شجاعًا يرتجِفُ منه الجميع، وقد بلغ بفصاحته أعلى المراتِب في مجالِس الشعراء.

إسلام لبيد بن ربيعة

لا شيءَ نقوله في إسلام لبيد بن ربيعة أو في معلقة لبيد بن ربيعة إلَّا أنَّه أسلمَ وحسنَ إسلامه وتوقَّفَ عن كتابة الشعر والقصائد الطوال التي تشبه معلقته بعد إسلامه، فقد كان من المؤلَّفة قلوبهم، وكان إسلامه قبل فتح مكة، وكان جوادًا كريمًا يذهبُ إلى مسجد أهلهِ ويطعم من به كلَّ يومٍ، حتَّى إنَّه نذرَ إلى الله نذرًا إن هبَّت ريح الصبا في أي وقتٍ فسوف يطعمُ النَّاسَ في بلدِهِ، فما أكرمَه وأطيب قلبه وأقربه إلى ربّه.

اعتزاله قول الشعر بعد إسلامه

كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه من أكثر المهتمِّين بلغة العربِ وديوانِها بشعرها ونثرها وخصوصًا شعرها، فهو الذي حث على تعلم العربية فهي تزيد المروءة، وكانت تعجبه معلقة لبيد بن ربيعة فأرسلَ في طلبِهِ يومًا ليحدثه شعرًا من شعره القديم ولم لا وهو شاعر من شعراء المعلقات الكبار ، ولما وصل لبيد وسمع طلب أمير المؤمنين رفضَ قول الشعر وأنشده سورة البقرة وقال لبيد الجملة الخالدة: أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر.

وإنَّنا نقولُ تعقيبًا على ذلك الأمر: لا أحدَ بإمكانِه أن يألفَ فهمَ الشاعِر لنفسِهِ حتَّى إنَّ الشاعر نفسه لا يستطيع فهم نفسه جيّدًا، فلماذَا يحضرُ الإلهام فجأةً في خيالِ الشعراءِ مثل مطرٍ مهيبٍ نزلَ لتوّه من السماءِ دون سابق إنذارٍ! ولماذا يعرضُ الإلهام عن الشعراءِ فترةً قد تصل لسنين! ولكنَّ المتفرّس في شعر لبيد سيجد أنَّ شعره وأسئلوأقته دائمًا تكون حول الموت والحياة وقد أتى الإسلام وجاوب عن هذه الأسئلة الكثيرة فاستقرّ الإيمان في قلب لبيد ولم يعد هناك شيءٌ يسأل عنه! وهذا الظن أقرب لتفسير الاعتزال.

المواضيع التي تناولتها معلقة لبيد بن ربيعة

توجد فنونٌ كثيرةٌ في شعر لبيد بن ربيعة ومواضيع عامة تكلَّم فيها مثل بقية شعراء جيله وخصوصا في معلقة لبيد بن ربيعة ، وقد تميزت خصائص شعر لبيد بن ربيعة جملةً في بعض المواضيع ولم يُظْهِرْ لبيد أفضل ما لديه في مواضيع أخرى، وكان من أجود ما كتب فيه لبيد (الوصف، الرثاء، الفخر) وأما الغزل والهجاء والمدح لم يبلغ ما بلغه الشعراء الكبار في هذا الصدد، ويجد القارئ الكثير من الفخر في معلقة لبيد بن ربيعة خصوصًا في المقطع الأخير منها الذي يفخر بنفسه وبقومه فيه.

شرح المقاطع الأبرز في معلقة لبيد بن ربيعة

يعدُّ لبيد بن ربيعة من أشرف الشعراء العرب الذين يجيدون الفخرَ والوصفَ والرثاء، له منطق رقيق عذبٌ، كلامُ نبيلٌ به حكم الماضي والآتي، ومن أرق ما كُتبَ من المعلقات بالتأكيد معلقة لبيد بن ربيعة ، لا يوجد سبب لنظم هذه المعلقة إنّما هو شيءٌ نفسيٌّ في ذاتِ الشَّاعر مثل أي قصيدةٍ تخطرُ فجأة على بال الشعراءِ فيكتبونها في ذات اللحظة، لكنَّه أجاد فيها الوصفَ والمثلَ وتصويرَ الأخلاق ورؤية الحياة الصحراوية وتوصيف البدوي في عزة نفسهِ وهمته العالية

بدأت معلقة لبيد بن ربيعة بوصفِ الدِّيارِ أو البكاء على الأطلال المقفرة وما حدث بها من نزول المطرِ الذي شوَّهَ بعض جنباتِها، من ثمَّ يذهبُ إلى التغزَّل في حبيبته نوار وكيف هي بعيدة عنه، ثم يصف ناقته بسحابةٍ حمراء فارغةٌ من الماءِ، وصوَّرَ لنا بقرةً قد افتَرَسَ السَّبعُ ولدَها، ثم عرجَ إلى الحالة التي كانت بها البقرة عندما تصارع مع الكلاب، ثم عرج إلى وصف نفسهِ الهادئة الحكيمة، وكذلك الخمرَ وشربها، وجواده السريع ثم يفخر بنفسه وبقبيلته وتنتهي المعلقة بذلك الأمر.

قبل البدء في شرح المعلقة لا بد للقارئ أن يقرأ معلقة لبيد بن ربيعة pdf كاملةً من أول بيتٍ حتى آخر بيتٍ حتى يتسنّى له معرفة سياق المعلقة والحالة الشاعرة التي خلقها الشاعر قصيدته.

1- وصف الدّيار في معلقة لبيد بن ربيعة

عَفَتِ الدِّيَار مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا                  بِمِنىً تَأَبَّد غَوْلُهَا فَرِجَامُها
فَمَدافِعُ الرّيَانِ عُرّى رَسْمُهَا           خَلقًا كما ضَمِنَ الوُحيَّ سِلامُها

بدأ لبيد بوصف الديار مثلما فعل امرؤ القيس في معلقته المشهورة، العفاء هو المحو الامحاء يعني الزوال، ويقال عفت الريح المنزل أي صارَ خربًا أو متآكلًا ممحيًّا بفعل الرياح، والمقام هو الإقامة، ومنى موقع آخر غير موضع منى بالحرم، وتأبًّد تأتي بمعنى صار مفترسًا، أما الغول والرجام فهما جبلان مشهوران.

والمعنى هو أنَّ الديار صارتَ متآكِلة ممحيَّة لا أثرَ لها يدلُّ عليها كما هي في ذاكرتنا، لا الأحبة موجودة ولا الإقامة صارت ممكنة فيها، لقد اختفت مظاهر الحياة في منى وافترستها الطبيعة برياحها ورمالها وصحرائها، وكذلك مدافع الريان هذه الأماكن لم تعد كما كانت في ذاكرتي، إنّها صورتها الآن مختلفة تمامًا بعد أن امّحت وتآكلت كأنّ هذه الدِّيار بمكانها كتابٌ موضوع في حجارةٍ، تقرأه فقط ولا تستطيع أن نعيش ما بداخله.

الوحشة التي أصابت الديار

دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهدِ أنيسِها               حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُها وَحَرَامُها
رُزِقَتْ مرَابيعَ النّجومِ وَصَابَهَا              وَدْقُ الرّواعِدِ جَوْدُهَا فَرِهامُها

التجرُّم هو الانقطاع والاكتمال في ذات الوقت، والحجج جم حجة أي سنة، ومرابيع النجوم: هي مواضع الشمس في فصل الربيع، والصوب هو الإصابة، والودق هو المطر الكريم الكثير، والرهم هي المطرة المتراخية اللينة.

لقد صارت هذه الدِّيار الخالية من أهلِها موحشةً لا أنيسَ بها، أو جالسَ نحادثه ونتسامر معه، لقد محيت الآثار وانقطعت بعد زوال أهلها، وقد مضت عليها سنون طويلة، مضت عليها الأشهر الحرم، والأشهر الحل، وهطلت عليها الأمطار الثقيلة والخفيفة، واعشوشبت جدرانها المتآكلة وصارت خضراء.

سؤال لبيد للديار

فوقَفْتُ أسألُهَا وكَيفَ سُؤالُنا              صُمًّا خَوالِدَ ما يَبينُ كَلامُها

وقفت أمام هذه الآثار البالية للديار الحبيبة، الآثار التي لا تدلُّ على أي شبهٍ بينها وبين ما في ذاكرتي من عمارٍ تليدٍ، وقفتُ أمامها أسألها عن الأحباب، عن الصحابِ، عن حالها، عن الينابيع الساخنة، عن الحي الصاخب وعن الأطفال المشاغبين، لكنَّها خرساء لا تستطيع الكلام ولا يمكن أن أفهم ما تشعر به من ابتعادها عنا وابتعادنا عنها، ولا يمكن لإنسان أن يفهم حجارةً صمَّاء.

2- ذكر المحبوبة في معلقة لبيد بن ربيعة

بَلْ ما تَذَكَّرَ من نَوَارَ وقَد نأتْ             وَتَقَطّعَتْ أَسبابُها وَرِمَامُهَا
مُرّيّةٌ حَلّتْ بفَيْدَ وَجَاوَرَتْ                 أهْلَ الْحِجازِ فأينَ منكَ مَرَامُها

نوار هو اسم حبيبته التي يتغزَّل بها، وقد رحلت هي الأخرى مع أهل الحي الذين تركوا الديار، ولم يعد يعرف لها خبرًا أو سرًا، ولم تعد هناك طريقةً لوصولِ شاعرنا إليها فهي بالقربِ من أهلِ الحجازِ فكيف يصل إليها، وهو لا يعلم حالها هل تنتظره كما ينتظرها؟ هل تشتاق إليه كما يشتاق إليها؟ كل ذلك غامضٌ استدعى الشاعر أن يقول في نهاية البيت “أين منك مرامها؟” أي مستحيل أن تصل إليها يا لبيد مع كل هذه العوائق.

3- ذكر البقر الوحشي في معلقة لبيد بن ربيعة

أَفَتِلكَ أَم وَحشِيَّةٌ مَسبوعَةٌ                خَذَلَت وَهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها
خَنساءُ ضَيَّعَتِ الفَريرَ فَلَم            يَرِ مْعُرضَ الشَقائِقِ طَوفُها وَبُغَامُها
لِمُعَفَّرٍ قَهدٍ تَنازَعَ شِلوَهُ                 غُبسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
صادَفنَ مِنها غِرَّةً فَأَصَبنَها                إِنَّ المَنايا لا تَطيشُ سِهامُها

هذا المقطع من أكثر المقاطع شاعرية في معلقة لبيد بن ربيعة فالفريسة المسبوعة في أول البيت هي التي نال المنها السبع بافتراسٍ صغيرها، والهادية هي التي تتقدم القطيع، والصوار هو القطيع من البقر الوحشي، والفرير وهو صغير البقر الوحشي، والقهد هو الأبيض، والشلو هو العضو أو بقية الجسد، والغرة هي الغفلة، والطيش هو الانحراف.

وانظُرْ إلى تلك البقرة الوحشيّة التي هي في مقدمة القطيع وقد غفلت عن صغيرها لمدة زمنية قصيرةٍ، لقد ضيَّعت ولدها وخذلته، بعد أن افترسه السبع وأكله، أخذت تدير رأسَها يمينًا وشمالًا وتبحث هنا وهناك عنه ولم تجده، وأخذت في طلبه بكل بقاع الصحراء، تصيح في الرمال، وتصرخ في الصبار، وإذ بها تجده ملقًى على الأرضِ تأكل من بقاياه الكلاب، يا إلهي إنّ الموت لا يرحم أبدًا.

الشجرة التي احتضنت حزن البقرة

باتَت وَأَسبَلَ واكِفٌ مِن دِيمَةٍ            يُروي الخَمائِلَ دائِمًا تَسجامُها
يَعلو طَريقَةَ مَتنِها مُتَواتِرٌ                 في لَيلَةٍ كَفَرَ النُجومَ غَمامُها
تَجتافُ أَصلاً قالِصاً مُتَنَبِّذًا               بِعُجُوبِ أَنقاءٍ يَميلُ هُيامُها
وَتُضيءُ في وَجهِ الظَلامُ مُنيرَةً        كَجُمانَةِ البَحرِيِّ سُلَّ نِظامُها

أمطرت السَّماءُ بكثافةٍ على البقرةِ وهي في حالةِ ذهولٍ وجنونٍ، أخذ المطرُ يروي الرِّمال حتى أنبتت، لكنَّ قلبُ البقرةِ ذابلٌ وحزينٌ على ولدِها، لقد تحرَّكت ببطءٍ وإحباطٍ تحت المطر واحتمت منه في جوفِ شجرةٍ فاحتضنتها الشجرة كأنّها زهرةٍ تقلّصت أغصانها عليها مثل حضنٍ واسعٍ، ومن فرط لونها الأبيض صارت تضيءٌ الظلام في جوف الشجرة، مثل درة في صدفة البحر.

ملاحقة كلاب الصيد للبقرة

فَتَوَجَّسَت رِزَّ الأَنيسِ فَراعَها        عَن ظَهرِ غَيبٍ وَالأَنيسُ سَقامُها
فَغَدَت كِلا الفَرجَينِ تَحسَبُ أَنَّهُ         مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وَأَمامُها
حَتّى إِذا يَئِسَ الرُماةُ وَأَرْسَلوا             غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أَعْصَامُها
فَلَحِقْنَ وَاعتَكَرَت لَها مَدَرِيَّةٌ               كَالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وَتَمامُها
فَتَقَصَّدَت مِنها كَسَابِ فَضُرِّجَت        بِدَمٍ وَغودِرَ في المَكَرِّ سُخَامُها

توجَّست البقرة من صوتٍ خفيفٍ راعها ولم تعرف من أي جهةٍ أتى إنه يشبه صوت إنسانٍ صيّادٍ قادمٍ نحوها، ففزعت فزعًا شديدًا لا تعرفُ أين تذهبُ يمينًا أم يسارًا من شدة الهلع، وأخذت تجري بعيدًا وفي قلبها حزنٌ كبيرٌ وخوفٌ مرير، ولما يئسَ الرماة الصيادون من كثرة ما أطلقوا سهامهم واحتملتها البقرة أطلقوا خلفها الكلاب لاصطيادها.

لحقت الكلاب بها وأخذت تحاصرها وكانت للبقرة قرونٌ حادة تشبه الرماح أخذت تطعنهم بهذه القرون، وحاولت صدهم فقتلت منهم كلبين لكنها عرفت أنّ هذا الوقت هو وقت مصرعها، بعد موت ولدها الصغير، فابتسمت، لقد قتلت كلاب الصيد البقرة الضحية، وتركتها مضرجة بدمائها ولحقت البقرة بولدها، هكذا وصف لبيد افتراق البقرة وولدها ومصرعهما الحزين لكن هذه هي الحياة وهذا هو قانون الغاب إن لم تكن مفترسًا فلا شكَّ أنت الفريسة.

4- الخمر في معلقة لبيد بن ربيعة

أُغلي السِّباءَ بِكُلِّ أَدكَنَ عاتِقٍ        أَو جَونَةٍ قُدِحَت وَفُضَّ خِتامُها
وَصَبوحِ صافِيَةٍ وَجَذبِ كَرينَةٍ              بِمُوَتَّرٍ تَأتالُهُ إِبهامُها

سبأت الخمرَ يعني اشتريتها، والأدكن هو المائل للظلمة، ويقول: لقد اشتريت هذه الخمر بسعرٍ ثمينٍ لرفاقي الندامى، أشتريها أقربَ إلى السوادِ، داكنةً، أفضُّ ختامها وأغترِفُ منها في الحال، وأستمع إلى أغاني الجواري في صبوحٍ صافٍ هذه الأغاني تصلحُ أشياء كثيرة فاسدةً في خواطري وذكرياتي.

6- الفخر في معلقة لبيد بن ربيعة

وَلَقَد حَمَيْتُ الْحَيَّ تَحمُلُ شِكَّتي   فُرُطٌ وَشاحِيَ إِذ غَدَوتُ لِجامُها
فَعَلَوتُ مُرتَقِبًا عَلى ذي هَبْوَةٍ       حَرِجٍ إِلى أَعلامِهِنَّ قَتَامُها
حَتّى إِذا أَلقَت يَدًا في كافِرٍ          وَأَجَنَّ عَوراتِ الثُّغورِ ظَلامُها
أَسْهَلْتُ وَانتَصَبَت كَجذْعِ مُنيفَةٍ      جَرداءَ يَحصَرُ دونَها جُرّامُها

إنِّي حميتُ أهلي وناسِي وقبيلتي بفرسِي السَّريع حتَّى وصلتُ مكانًا مرتفعًا عاليًا، ربّما كان جبلًا، كنت قريبًا من الأعداءِ وكنت أرى راياتهم، حتَّى إذا جنَّ الليل الكافِر الذي يسترُ الأشياء ويخفيها، ووضعت الشمسُ يدها في السواد الحالك، نزلتُ من على جبلي رافعًا عنق الفرس وهو يصهلُ نحو الأعداء.

إِنّا إِذا اِلتَقَتِ المَجامِعُ لَم يَزَل               مِنّا لِزازُ عَظيمَةٍ جَشّامُها
وَمُقَسِّمٌ يُعطي العَشيرَةَ حَقَّها            وَمُغَذْمِرٌ لِحُقوقِها هَضّامُها
فَضلًا وَذو كَرَمٍ يُعينُ عَلى النَّدى        سَمحٌ كَسوبُ رَغائِبٍ غَنّامُها
وَإِذا الأَمانَةُ قُسِّمَت في مَعشَرٍ            أَوفى بِأَوفَرِ حَظِّنا قَسّامُها

وإذا اجتمعت الخصومُ، والتقت القبائل بنا، لا يزال الرجل منا يسود الجميع ويتأهب لرئاسة الجمع الغفير، ويستطيع قمع الخصوم عن الحرب، وعندما تقسم الغنائم لدينا من يعطي الحقوق ولا يظلم محاربًا في غنيمته أبدًا، كريم بطبعه، يعين نفسه وأصحابه على الكرم، ونهاية المعلقة تشبه كثيرًا نهاية معلقة عمرو بن كلثوم من حيث الفخر بالنفس والاعتداد بها وكذلك الفخر بالقبيلة والقوة والكرامة والكرم وصفات العرب الحميدة المتعارف عليها.

إن هذا الجزء على وجه الخصوص هو شرح معلقة لبيد بن ربيعة مفتخرا بمناقب قومه وإننا كم نعرف أن العربي يأكل العزةَ والشرفَ ويتعشى الإباءَ والكرامة ويفطر الجود والكرمَ، لذلك تجد دائمًا في كل المعلقات قسمًا خاصًا يفخر الشاعر فيه بنفسه وبقومه دلالةً على عظم المكارم عند العرب.

إلى هنا انتهى شرح معلقة لبيد بن ربيعة وما نقصده من كلمة الشرح هو الشرح المبسط اليسير الذي يجعل القارئ فاهمًا وواعيا بمصطلحات المعلقة وحوليات المعلقة وسياقها فيما يخص أغراضها الرئيسة.

ما عمر لبيد بن ربيعة الحقيقي؟

قيل مائة عام وعام، وقيل مائة وخمسون عاما، وقيل مائة وعشرون عاما، واختلفت الروايات.

لماذا يعد لبيد شاعرا مخضرما؟

لأنه أدرك الجاهلية والإسلام وكل شاعرٍ أدرك الحقبتين فإنّه يعد من الشعراء المحضرمين.

هل يوجد سبب لنظم معلقة لبيد؟

حتى الآن لا يعرف سبب نظم معلقة لبيد بن ربيعة فإن غالبية النقاد أجمعوا على أن لبيد نظمها لشيءٍ في ذاته لا لسببٍ محدد.

متى أسلم لبيد؟

قبل الفتح وعمر طويلًا حتى حسن إسلامه وتشرب مفاهيم الإسلام كلها.

مواضيع ذات صلة

معلقة-امرؤ-القيسمعلقة امرؤ القيس | قصيدة أدبية تاريخية تسحر الألباب والعقول

كتب خلدها التاريخنخبة مختارة من كتب خلدها التاريخ