ولادة بنت المستكفي | أميرة الأندلس المُغردة بالقصائد الفصيحة

ولادة بنت المستكفي

بليغة هي الشطور الشعرية التي أنسجتها ولادة بنت المستكفي في قصائدها الأدبية الفصيحة، فبها قد جُسدت معانى الهيام والعتاب ولهفة التوق واللقاء! فما أجمل بيتها الشعري الذي تتلفظ فيه متفوهةً: “أغار عليك من نفسي ومني .. ومنك ومن زمانك والمكان، ولو أني خبأتك في عيوني .. إلى يوم القيامة ما كفاني”.

إلماعة عن الأميرة المتمردة والشاعرة الجريئة

عُرفت بكونها أشد الناس حبًا للشعر والأدب إذ كانت مجالس الشعراء شاهدةً على تواتر حضورها فيها، وليدة مدينة قرطبة الساحرة عام 994 م وإحدى أميرات الدولة الأموية، إنها ولادة بنت المستكفي ابنة الخليفة الأموي، التي حظت بمكانة عربية مرموقة حيث سُطّرت مسيرتها الحياتية والأدبية في إحدى صفحات كتب التاريخ الفريدة.

مَن كانت تبارز أدباء الأندلس في الشعر

ترعرعت ولادة بنت المستكفي في بيئة مترفة بين أكناف الخلافة الأموية، وتميزت بفصاحة لسانها وشدة هيامها بالشعر العربي منذ صباها حتى صارت أشهر النساء في بلاد الأندلس حينئذ، فظلّت تنافس شعراءها وتناضل قصائدهم بأشعارها إلى أن حُفر اسمها بحروف مولعة بالأدب.

اشتُهرت ولادة بنت المستكفي بملاحتها إذ ورثت الجمال الأسباني عن والدتها (سكرى) ذات الأصول الغربية، فعيناها زرقاوان وخصلات شعرها صفراء اللون وبشرتها كبياض الثلج، فما أجملها هذه الحسناء التي رغم بهارها ذاك والتفاف الكثيرين حولها إلا أنها لم تعرف أي طريق موصل لمقطن الزوجية ومسكن الأمان!

ديار أميرة الأندلس | ملتقى شعراء الأندلس

لقد أصبحت ديار ولادة بنت المستكفي مأوىً لالتقاء الشعراء والأدباء بعد احتضار والدها، فلطالما توجّه رجال الشعر إليها لحضور هذه الجلسات الأدبية، وكان من ضمن هؤلاء بحتري العرب ابن زيدون شاعر الأندلس الجليل، الذي تعّرف على هذه الأميرة الأديبة في إحدى هذه الحلقات، فنشأت بينهما علاقة حب كبيرة إذ كان للقصائد الشعرية الرائعة دور بارز فيها.

بداءة قصة الحب بين شاعر وشاعرة الأندلس

لقد أشرقت قصة حب شاعر وشاعرة الأندلس إلى البشرية جمعاء فصار أهل الأندلس يتحدثون عنهما وعن قولهما الشعر في بعضهما البعض سواء كان بالمدح أو الهجاء، ولكن كما تُخبرنا رواية ابابيل أن الحب قد خُلق لذوي القلوب الصادقة لا لمختلقي الحجج والافتراءات، فلم يكن الدوام من نصيب علاقتهما حيث انشغل وجدان ابن زيدون بحب جارية ما مشهورة بالغناء.

قول بنت المستكفي لشعر الهجاء والعتاب

لربما لم تعرف الآلام مسكنًا آمنًا سوى وجدان ولادة بنت المستكفي ، فكثيرًا ما راودتها هذه الأوجاع لا سيما حينما تركها ابن زيدون في منتصف الطريق تائهةً لا تعرف كيف تخلى عن حبهما! فلم تكن بيديها حيلة غير مخاطبته بألفاظ الهجاء واللوم على فِعلته الأليمة.

لقد كان هجاء ولادة لابن زيدون ممتزجًا بنكهة الغيرة إذ تلفظت في إحدى قصائدها موجهةً له العتاب قائلةً:-

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ..  لم تهوَ جاريتي ولم تتخير

وتركت غصنًا مثمرًا بجماله ..  وجنحت للغصن الذي لم يثمر

لم تكن هذه الشطور الأدبية مجرد أبيات شعرية قيلت من أجل الهجاء بل كلمات فصيحة قد أُثريت بها المكتبة العربية كباقي الأشعار، ولطالما عوّدنا أفضل الشعراء العرب على إثراء خزائن الكتب بأروع المعلقات على مرّ الأزمان.

هجاء ولادة لابن زيدون

هجاء ولادة لابن زيدون

اتخاذ ولادة للوزير ابن عبدوس حبيبًا لها

كان الوزير ابن عبدوس أكثر المولعين بـ ولادة بنت المستكفي ، ولهذا اتخذته حبيبًا نيابةً عن ابن زيدون الذي تركها وتغزل في جاريتها وكأنها أرادت رد الانتقام إليه، وما كان على هذا الوزير سوى التخلص من هذا الشاعر الذي تُكنّ له ولادة الحب الشديد، ولقد تمكّن حقًا من تلفيق التهم والأكاذيب له، مما كان السجن والاحتجاز خلف القضبان مصيره الأبدي.

ظلّ ابن زيدون محتجزًا في إحدى الزنزانات طيلة أربعين عامًا، يُدوّن القصائد والأشعار موجهًا فيها العتاب وعارضًا الظلم البين الواقع عليه من قِبل فقيه الأندلس الذي تربطهما عداوة شديدة، وبقت ولادة بنت المستكفي صامدةً على موقفها إذ أبت الزواج على الإطلاق وفاءً لحبيبها الذي أُخذ أسيرًا.

لهفة الاشتياق واللقاء بعد الرحيل والافتراق

أربعون سنةً كانت كفيلةً بإثبات ذاك الحب الصادق المكنون داخل ولادة بنت المستكفي لابن زيدون، فلم يكن مرور أيام هذه الأعوام سهلًا عليها بل كانت مشتاقةً متلهفةً للحظة تجمعهما مجددًا في ذاك البستان، الذي ظلا يلتقيان فيه ويتبادلان الأحاديث قبل أن يُكتب عليهما الفراق وعدم اللقاء.

ظلّت ولادة بنت المستكفي مرتقبة لحظة لقائها بابن زيدون، ولكن عندما آن الأوان أبت رؤيته! فالشيب قد تمكّن منها إذ صارت كالمسنين، ولهذا استنكرت أن يراها بعد هذه الغيبة الطويلة وهي كهلة، فما أروع صورتها التي ظلّت محفورةً في أذهان ابن زيدون وهي امرأة ثلاثينية فائقة الجمال!

بحتري المغرب مثال رائع في الوفاء

لم تكن ولادة وحدها مَن أُنجبت من رحم الوفاء بل حبيبها أيضًا، فالكثيرون يتساءلون هل تزوج ابن زيدون أم ظلّ مخلصًا في حبه لبنت المستكفي رغم ابتعاده قليلًا عنها وانشغاله بأخرى؟ فلقد ضربا هذان أروع الأمثال في الإخلاص وكأنهما حقًا مخلوقان من الإخلاص! ولعل قصيدته “أضحى التنائي بديلًا من تدانينا” التي قالها في محبوبته خير مثال على ذلك.

ويُقال في أول أبيات قصيدة ابن زيدون الى ولادة المستكفي ما سأُدوّنه في السطور التالية:-

أَضحى التَنائي بَديلًا مِن تَدانينا  ..  وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا

أَلّا وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا   ..  حَينٌ فَقامَ بِنا لِلحَينِ ناعينا

تُظهر هذه الشطور الأدبية كمّ الأسى والمعاناة التي عاشها ابن زيدون بعيدًا عن ولادة، فبها ما يفيض من كلمات التوجع والتحسر على ذاك الحال الذي وصل به، فاللقاء صار جفاءً والقرب أصبح هجران، فكم كان صادقًا في مشاعره شاعر الأندلس الفصيح! فحقًا فـ مدينة الحب لايسكنها العقلاء بل يستوطن بها المهووسين بالهيام والعطاء.

وفاة ولادة بنت المستكفي | أيقونة الشعر النسائي

كانت ولادة بنت المستكفي مثالًا يُحتذى به في الوفاء وصدق الهيام، فلقد عاشت حياتها دون وجود مَن يؤنس وحدتها ويربت على كتفيها معها، فكثرة اشتياقها إلى ابن زيدون قد جعلتها تتناسى احتياجها إلى إدراك لطافة الونس، فكم أن التوق إلى الحبيب شعور عصيب!

تركت وفاة ولادة أثرًا وجيعًا في قلوب الكثيرين الذين لطالما استلذوا بمذاق قصائدها الأدبية، ففي السادس والعشرين من مارس عام 1091م فقد الشعر العربي أحد رموزه الأجلاء بل أميرته النبيلة التي فارقت الحياة في عمر الثمانين، ولقد سبقها حبيبها في توديع الحياة بعشرين عامًا.

تشييد نصب الحب | تخليد لذكرى الأحباب

لقد شُيّدت الكثير من النصب التذكارية تخليدًا لذكرى أصحابها العظماء، ولعل من أبرزها “نصب الحب” أو كما يُطلق عليه قبر ولادة وابن زيدون المتمركز بمدينة قرطبة، والذي أُسس إحياءً لتلك الذكريات الجميلة التي عاشها ابن زيدون مع ولادة بنت المستكفي أبرز الشاعرات العربيات.

ما أبرز الأبيات الشعرية التي قيلت في ولادة؟

قال ابن زيدون فيها قصائدًا عدة من أبرز أبياتها: إِلَيكِ مِنَ الأَنامِ غَدا ارتِياحي .. وَأَنتِ عَلى الزَمانِ مَدى اِقتِراحي، وَما اعتَرَضَت هُمومُ النَفسِ إِلّا .. وَمِن ذِكراكِ رَيحاني وَراحي.

ماذا كتبت ولادة على قبر ابن زيدون؟

ذهبت ولادة إلى قبر أبي الوليد بعد وفاته في عام 1070 م وكتبت عليه اسمها (ولادة بنت المستكـفي) وكأن عينيه النائمتين ستريان اسمها المكتوب بالخارج حينما تستيقظان من سباتهما.

ما هي أجمل قصائد ولادة بنت المستكفي ؟

ترقّب إذا جنّ الظلام زيارتي .. فإنّي رأيت الليل أكتم للسرِّ وَبي منك ما لو كانَ بالشمسِ لم تلح .. وبالبدر لم يطلع وَبالنجم لم يسرِ.

ماذا قال ابن زيدون في فراق ولادة؟

رَأَيتُكَ قُلتَ إِنَّ الوَصلَ بَدرٌ .. مَتى خَلَتِ البُدورُ مِنَ السِرارِ وَرابَكَ أَنَّني جَلدٌ صَبورٌ .. وَكَم صَبرٍ يَكونُ عَنِ اِصطِبارِ.

مواضيع ذات صلة

البراء بن عازبالبراء بن عازب | المبارز المغوار

الأصمعيالأصمعي | إمام الرواة وأصدقهم