قصيدة وليل كموج البحر | فما أتعس هذا الليل!

وليل كموج البحر

كان الديجور المعتم مسكنًا آمنًا لتلك الآلام التي ظلّت تراود أحد الشعراء النبلاء “امرؤ القيس” حتى سطّرها في معلقته وليل كموج البحر ، ويكأنه أراد بذلك إعلام الجميع بحال لياليه الظلماء التي حاوطتها المآسي من شتى النواحي!

إلماعة مشرقة عن أهم شعراء المعلقات

اشتُهر بكونه ملكًا ضليلًا إذ كان شجاعًا للغاية، صار منوالًا ومنهاجًا لشعر الغزل الذي ولِد على يديه، إنه لشاعر المعلقات وأهم الشعراء في العصر الجاهلي امرؤ القيس الذي يُسمى بـ جندح بن حجر… بن معاوية الكندي، ويُعرف بكُنى عدة منها أبو وهب، ذو القروح.

كانت قبيلة بني أسد بنجد شاهدةً على ميلاد مَن أجاد وصف الليل والخيل في قصائده ألا وهو امرؤ القيس أمير شعراء عصره، الذي ولد سنة 496 م وترعرع في أكناف إحدى القبائل اليمنية كندة.

ما بين اللهو والطيش | تستوطن حياة امرؤ القيس

ظلّت حياة امرؤ القيس مقتصرةً على اللعب والبلاهة بعيدًا عن تحمل المسؤوليات رغم كونه أحد الأمراء حتى تلقّى الصفعة الشديدة بمقتل أبيه على يد أحد أفراد قبيلة بني أسد، فاستفاق من شروده ولهوه بهذا الخبر التعيس، فقرر أن يعيش حياةً طبيعيةً تاركًا خلفه شرب الخمر واللهو مع النساء حتى يأتي بثأر والده من قاتله بل دماء العشرات من عشيرته.

وليل كموج البحر | قصيدة امرؤ القيس في وصف الليل

جميلة هي قصيدة امرؤ القيس في وصف الليل التي ألّفها في القرن السادس الميلادي وأطلق عليها اسم وليل كموج البحر ، فهي إحدى روائع الشعر العربي التي نُظّمت على البحر الطويل، واختُلف في عدد أبياتها إذ قيل إنها 77 بيتًا وقيل غير ذلك.

كان امرؤ القيس شاعرًا وصّافًا بما تحمله الكلمة من معنى، فلقد أبدع في وصف الليل في قصيدته وليل كموج البحر وصفًا مميزًا، فرائع هو ذاك التشبيه الذي مزج فيه بين عتمة وكآبة الليل وموج البحر حينما قال في أول شطور معلقته الجميلة:

وليلٍ كمَوجِ البحر أرخى سدولَه  ..  عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه  ..  وأردف أعجازًا وناء بكلكل

– يا لك من ليل كئيب غامض!

تُستنبط من شرح وليل كموج البحر ارخى سدوله شدة تعاسة الليل التي جعلت الشاعر يرى حياته من الزاوية المظلمة الكئيبة، مما دفعه ذاك الأمر إلى تشبيه تغطية الطيسل له بالأشجان والهموم بالأمواج المتأرجحة على سطح البحار، فكم كان يعيش امرؤ القيس في تلك الأوقات حياةً مرتبكةً مكدسةً بالغموض.

يقصد الشاعر في معلقته وليل كموج البحر ذاك الديجور الذي به من الوحشة كثيرًا، فيقول إنه رغم عتمته الكثيفة لا زالت الستائر والسدول تُسدل في سبيل تكوين هذا السدف المخيف، وها هو الطيسل “الليل” قد أسدلها مع الأسى ليمتحنه: أيصبر أم أيذعر!

– ألا تنجلي أيها الليل الطويل بظلمتك!

ألا أيها الليل الطويلُ ألا انجلي  ..  بصبح وما الإصباحُ منك بأمثلِ

فيا لك من ليل كأن نجومَه  ..  بكل مُغار الفَتلِ شُدّتْ بيَذْبُلِ

تسرد لنا هذه الشطور الأدبية من قصيدة وليل كموج البحر ما تمناه الشاعر بأن ينصرم الليل الطويل بسفر الصباح، ولكن أي نهار سيشرق! فلا فرق بينه وبين ظلمة الليل في مقاسمته للهموم، فحتى لو انقضت الليالي الظلماء وعاد الصباح إليه سيظلّ حاله كما هو مهموم، فكل ما يرغب فيه هو التخلص مما يتعرض له في الليل والناس نيام.

يفصح لنا البيت الثاني هذا من معلقة وليل كموج البحر عن مدى تعجب الشاعر من نجوم الليل التي ظلّت ثابتةً في أماكنها دون أن تتحرك، ويكانها قد قُيّدت بحبال متينة للغاية لتؤازر الأحزان بالدُجى، مما تسبب ذلك في استطالة الليل وتضاعف أوقاته، وما كان عليه سوى الاستغاثة من الليل بقوله: فيا ليل ما أطولك، ألم يئن الأوان لرحيلك من أجل سفر الإصباح!

– كأن النجوم مشدودة بأشد الحبال

كأن الثريّا علّقت في مَصامها  ..  بأمراس كتّان إلى صُمّ جندَلِ

يصوّر لنا امرؤ القيس في هذا البيت من معلقته وليل كموج البحر مدى تماسك النجوم بالزمام الموصلة بينها وبين الصخور الصلبة، فكم أبدع هذا الملك الشاعر في تصوير الليل بهذه الأوصاف الفريدة التي لا تخطر على أي أذهان!

كثيرون من الرواة ما قالوا (مصامه) أسندوا وصف الشاعر في هذا البيت إلى الفرس وليس الليل، فكان تفسيرهم أنه تخيل النجوم شديدة البياض والمقيدة بحبال كتان مثبتة على مقام الفرس، وكأنه أراد بذلك تشبيه حجل “تحجيل” الفرس في شدة نصاعته بهذه النجوم، كما شبّه حوافره بالحجارة في شدة صلابتها.

شرح وليل كموج البحر ارخى سدوله

شرح وليل كموج البحر ارخى سدوله

السمات الفنية لأشعار امرئ القيس

إن ما جعل امرؤ القيس أحد أعظم الشعراء العرب على مرّ العصور هو تحلي شعره بخصائص فريدة من نوعها وضعته في هذه المكانة السامية، ولعل من أبرز السمات الفنية لأشعاره ما يلي:-

– جزالة الأسلوب وإتقان اللغة: فكان للبيئة البدوية التي ترعرع فيها دور عظيم في جعل ألفاظه جزيلةً، ومدلولاتها بسيطةً بعيدةً كل البعد عن التعقيد.

– إجادة التصوير والتشبيه: فكم كانت معلقة امرئ القيس وليل كموج البحر كفيلةً بإبراز ذلك، فلقد صوّر فيها الليل بظلامه ومآسيه وأرانا روعة التشبيه والتعبير.

– الوصف الدقيق: فلقد تألق في وصف جمال المرأة ومظاهر الطبيعة الخلابة في معلقاته، إذ أجاد تصوير وميض البرق قائلًا: “أحار ترى برقًا أُريك وميضه .. كلمع اليدين في حبِي مكللِ”.

– البراعة في الخيال: لطالما أدخل هذا الشاعر التشبيه في قصائده ليكون عونًا له على إظهار الخيال، فكان بارعًا في ذلك إذ شبّه عنق المرأة التي ترفع إياه برقبة الظبية.

قصيدة وليل كموج البحر | الإبداع في التصوير

وليل كموج البحر أرخى سدوله من القائل ؟ سؤال يطرح نفسه على الجميع، ولكن ليس من أجل البحث عن اسم قائل هذا البيت بل لتذكّر الشاعر الملك امرؤ القيس، الذي يحب الكثيرون قصيدته هذه التي لا زالت محفورةً في عقولهم رغم تأليفها منذ آلاف السنين.

تألق الشاعر الملك في باب الغزل

لقد دوّن امرؤ في قصائده الغزلية اجمل ما قيل في الحب حقًا، فقال في إحداها “أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي .. وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ” فكم كان بارعًا في انتقاء ألفاظ أبياته الشعرية كالتي تحدّث فيها عن الهيام.

آراء الشعراء في قصائد امرئ القيس

– كان الإمام علي بن ابي طالب من الذين أثنوا على أشعار هذا الشاعر الملك إذ قال عنه: “رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرةً، وأسبقهم بادرةً، وإنه لم يقل لرغبة أو لرهبة”.

– قال أبو القاسم الآمدي ممتدحًا شعر امرئ القيس متلفظًا: “وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام”.

– أثنى أحد فحول الشعر العربي (جرير) على أشعار امرئ القيس فقال عنه: إنه كان شديد الاقتدار على شعره ومتمكنًا بارعًا منه.

لماذا سُمي امرؤ القيس بهذا الاسم؟

يُسمى امرؤ القيس بـ حندج بن حجر ولكنه اشتُهر بامرئ نسبةً إلى كونه رجلًا صارمًا، ويعبر لفظ القيس عن أحد أصنام الجاهلية.

متى توفي الشاعر الملك امرؤ القيس؟

تفاوت المؤرخون في تاريخ وفاة امرئ القيس إلا أن الكثيرين قد اتفقوا على أنه عام 540 بعدما تمكّن مرض الجدري من جسده، ودُفن في مدينة أنقرة التركية.

ما الصورة البلاغية في وليل كموج البحر ؟

شبّه الليل(المشبه) بالموج(المشبه به) وأداة التشبيه(الكاف) في الظلمة(وجه الشبه).

ماذا قال عمر بن الخطاب عن امرئ القيس؟

قال عنه عمر: (امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معانٍ عور أصح بصرًا).

مواضيع ذات صلة

معلقة-امرؤ-القيسمعلقة امرؤ القيس | قصيدة أدبية تاريخية تسحر الألباب والعقول

مقدمة تعبير وخاتمة للصف السادس الابتدائىكيفية كتابة مقدمة تعبير وخاتمة للصف السادس الابتدائى؟