عبد الرحمن الأبنودي : شاعر الشّعب

الأبنودي

شاعرٌ رسم الخريطةَ الضائِعة للشعر الشعبي في مصر، تسابق كبار الفنانين من أجل الحصول على قصيدةٍ واحدةٍ منه، ابن الصعيد وقرية أبنود: عبد الرحمن الأبنودي ، وهذه سيرة ذاتيّة له تنوِّرُ لمحات عن حياتهِ الممتلئة بالأفراح والأتراح.

نشأة عبد الرحمن الأبنودي

ولِدَ عبد الرحمن الأبنودي عام 1938، بمحافظة قنا تحديدًا في قرية أبنود التي نسب إليها،  كان أبوه يعملُ مأذونًا شرعيًّا يدعى الشّيخ محمود، تنقَّل الشيخ محمود إلى شارع بني علي، حيث كان الشعراء الجوّالون يتغنّون بالسيرة الشعبيّة الهلالية، فتأثر بها عبد الرحمن الأبنودي وهو صغير، وعندما كبر قرّر جمع شتات هذا التراث قبل أن يندثرَ فأخرج السيرة الهلالية التي نعرفها الآن من أفواه شعراء الربابة.

تزوّج عبد الرحمن الأبنودي نهال كمال المذيعة المصرية، وأنجب منها طفلتين هما آية ونور، وعاش عبد الرحمن الأبنودي متنقلًا بين الصعيد والشمال، حتى انتهى به المطاف في أقصى شمال مصر بمدينة الإسماعيلية في أواخر حياته.

في ضواحِي قرية أبنود ونواحِيها تشكَّلت ملامِح الفتى الأسمرِ، حيث امتلأ بالعادات والتقاليد التي كان يتبعها أهل القرية، وتشبّع بالحكايات التي كان يسمعها من شعراء الربابة الجوّالين وهذه الحكايات هي التي أَثْرَتْ وجدانهَ وشعوره، وأِوقدت بحنينه إليها قصائد الأبنودي الرومانسية .

كانت أمّه فاطمة قنديل تحفظ تراث القرية بأشعارِها وطقوسِها كاملةً، لقد كانت موسوعة غنائية تسير على قدمين، وكانت جدته لأبيه أيضًا كذلك، فكانا معًا يمثلان رباطًا قويّا يتمسّك به عبد الرحمن الأبنودي من أجل إثراء ثقافته الخاصة وتشكيل حياته الشاعرية، لقد عاش سنواته الأولى مع أمّه وستّه لقد كان محظوظًا بهما.

من ثمّ هاجرت أسرة الأبنودي إلى شارع بني عليّ، وهناك كان الغناء الشعبي مشتعلًا على أوجهِ، فشبّ الصّبي على عشقِ السيرة الهلالية وأخبار بني هلال وصار حلمه أن يجمع كل هذه الأشعار حذرًا من ضياعها، فكان يردّد دائمًا “الغناء كان جزءا لا يتجزأ من إطار طفولتي، امتزج بي وامتزجت به حتى صرت صاحبه”، ومن أجل تحقيق حلمه كان لا بد أن يرحل للقاهرة وقد كان ذلك.

إنّ الأبنودي كان يفخر دائمًا بانتسابهِ لأمّه أكثر من أبيه، لقد كان يردد دائمًا في المحافِل أنّه ابن فاطمة قنديل، فقد استلهم منها أغانيه وأشعاره، وعلى الرغم من كونها أميّة لا تقرأ ولا تكتبُ إلَّا أن ذاكرتها كانت قوية وموسوعية في حفظ تاريخ بلده وقريته والفلكلور الشعبي الغنائي، لقد كان مدينًا لها، وقال عنها”أمي الشجرة المظللة التي أدين لها بالأبنودي كله”، وأدى ذلك إلى اخضرار شعر عبد الرحمن الأبنودي عن الأم .

الخروج إلى القاهرة مدينة الأحلام

سافر عبد الرحمن الأبنودي من مدينة قنا إلى مدينة القاهرة بحثًا عن أحلامه المشتهاة رفقة الشاعر الشاب وقتها أمل دنقل والقاص يحيى الطاهر عبد الله، حيث احتضنتهم القاهرة وأحياؤها الفقيرة ممنِّين الغدَ فرصةً وحيدة من أجل الظهورِ والانتشار.

التقى عبد الرحمن الأبنودي بالشاعر الكاريكاتيري وقتها صلاح جاهين صاحب رباعيات صلاح جاهين المشهورة فقدم له جاهين فرصة نشر أشعارهِ في أكبر جريدةٍ وقتها وهي جريدة الأهرام، وكانت هذه الانطلاقة الأولى في عالم الغناء والشعر، حيث نشر قصيدته “تحت الشجر يا وهيبة” بمجلة صباح الخير، وقد غناها الفنان الشعبي محمد رشدي بعد ذلك، وحققت نجاحات مبهرة، من ثم توالت الأغاني والنجاحات واحدة تلو الأخرى.

علاقته مع عبد الحليم حافظ

إنّ المغنّين الكبار تسابقوا من أجلِ الحصولِ على كلماتِ الأغاني التي يكتبها عبد الرحمن الأبنودي بعد أن أثبت شاعريته وكفاءته في هذا المجال، وعلى الرغم من أن ام كلثوم لم تغني للأبنودي إلا أن عندليب الغناء العربي الفنان عبد الحليم حافظ قد فعل، وقدّم الأبنودي معه أفضل الأغاني التي يسمعها الشعب المصري في كثير من المحافل الوطنية مثل أغنية ” أحلف بسماها وبترابها” وأغنية “أحضان الحبايب” وأغنية “ابنك بيقولك يا بطل”.

حكى عبد الرحمن الأبنودي أنّه ذات يومٍ التقى بعبد الحليم حافظ في مقر الإذاعة المصرية بعد النكسة المشهورة، نكسة يونيو 1967، فانتهز العندليب الفرصة وطلب منه أن يكتب شيئًا يغنيه عن هذه الهزيمة المرة يبعث الأمل من جديد في قلب الشعب المسكين، فأسمعه عبد الرحمن الأبنودي أغنية “عدى النهار” ففرح بها العندليب لأبعد حد، من ثم لحنها بليغ حمدي، و هذه الأغنية الآن تسمى موال النهار.

الأبنودي

الأبنودي

جمعه للسيرة الهلالية

شدَّ الأبنودي الرِّحال لمغامرةٍ رائعة وحلمٍ كبيرٍ راوده منذ كان صغيرًا ألا وهو جمع السيرة الهلالية، وقد بدأ بتنفيذ هذا العمل بعد نكسة يونيو سنة 1967، واستغرق هذا الجمع ثلاثين عامًا، خلال هذه المدة كان يلهث وراء المنشدين والحكائين، ليرصدَ الأشعار الهلالية وينقلها من الشفاهة إلى التدوين قبل أن تندثرَ، وكانت على مراحلة عدة كالتالي:

1- البحث عن المنشدين والحكائين للسيرة الهلالية ليتم رصدها.

2- – رصد هذه الغنائيات ثم مقارنتها ببعضها حتى يتضح الاختلاف الشفوي بينهما.

3- البحث عن أصول السيرة الهلالية في المخطوطات القديمة.

4- مقارنة هذه الأصول بما يقوله شعراء الربابة.

5- استخلاص الأبيات الشعرية الأقرب للسيرة الهلالية واستبعاد ما يظن أنّه ليس من هذه الأخبار.

وقد ذهب الأبنودي خلال هذه الرحلة الكبيرة إلى بلدان مختلفة وبعيدة، مثل السودان والجزائر وتونس، وليبيا، وتشاد، والنيجر، وقد أتت السيرة الهلالية في أكثر من مليون بيتٍ شعريٍّ ببعض الروايات، وهي قصة ابو زيد الهلالي وقد خرجت في نهاية الأمر عملًا تشع فيه الحكمة العربية، والزهو الدرامي في أقصى تجلياته، لقد كتب السيرة الهلالية عبد الرحمن الأبنودي وكانت ملحمة تاريخية كبرى في تاريخ الأدب العربي والعالمي.

حينما غنَّى عبد الرحمن الأبنودي بصوته

كتبَ عبد الرحمن الأبنودي أغانيَ كثيرةً للأفلام المصرية، مثل كلمات أغاني “البريء” وفلم “شيء من الخوف” وأيضًا كتب تتر مسلسلات تلفزيونية مشهورة مثل مسلسل “ذئاب الجبل” حتى صارت هذه الأغنية تغنى بكثرة في الأفراح الجنوبية، والجدير بالذكر أنّ عبد الرحمن الأبنودي قد غنَّى بنفسه أحد الأغاني بهذا المسلسل دون أن يعرف الأبنودي فكيف ذلك؟ كان علي الحجار يجعل الأبنودي يغني الأغنية بنفسه حتى يأخذ اللحن منها ومن هنا قرر علي الحجار في إحدى الأغاني أن يضع صوت الأبنودي المسجل فيها.

الأبنودي وعبد الناصر

عودةً بالزَّمِن لعام 1954 تحديدًا في محافظة قنَا، حيث أغرقَ فيضانَ النّيل البيوتَ والشّوارع والنَّاس، وفي ذلك الوقت تحديدًا ذهبَ مجلس قيادة الثورة فقيادة الزعيم جمال عبد الناصر ليشاركهم هذه المأساة ويخفف عنهم ويستطلع أحوالَهم، وبينما هو كذلك إذ يقابله طفل ملتمع العينين، شامخ الكبرياء، يهرول نحوه ليمد يده ويسلم عليه، فانحنى الزعيم الراحل ليسلم على هذا الطفل الذي ظلّت نظراتهُ تشعُّ شموخًا، وأصبح هذا الطفل شاعرًا كبيرًا يسمى عبد الرحمن الأبنودي، ويظلّ الأبنودي يتحدث عن هذه المقابلة دائمًا بكل فخرٍ ، وعلى رغم من معاناته الكبيرة في سجون عبد الناصر إلَّا أنّه رثاه بعد موته ومدحه كثيرًا قائلًا:

“مش ناصري ولا كنت في يوم
بالذات في زمنه وفي حينه
لكن العفن وفساد القوم 
نسّاني حتى زنازينه”

إن هذا المقطع الشعري يعدّ جزءًا بسيطًا من قصيدة الأبنودي التي يرثي فيها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، فهو لم يكتب مدحًا فيه إلا بعد موته، أما طوال حياته في عهد الناصرية ظلّ في أكناف المشروع الناصري، حيث كتب عن السد العالي، ونقل تفاصيله بكل تأثيراتها القومية للبسطاء عبر قصيدة جوابات الاسطى حراجي القط كاملة الرؤية.

الأبنودي في زمن السادات

شاعر الدولة

في فترة النَّاصريّة كان صلاح جاهين هو شاعر الدولة، ولكن بعد أن تولّى محمد أنور السادات حكم البلاد ظلَّ يحلم بتمجيده غنائيًّا من خلال الشعراء، وظنّ السادات أنّ الأبنودي هو الشاعر المطلوب، وقد ظلّت هذه العلاقة ساكنة حتى تلقى الأبنودي مكالمة هاتفيّة تخبره أنَّ رئيس الدولة محمد أنور السادات ينتظره في استراحة المعمورة بالإسكندرية.

مقابلة خادعة

وعندما وقف الأبنودي أمام رئيس الجمهورية مدَّ يده للسلام، فتم التقاط هذه الصورة من زاوية معينة تبيّن بشكلٍ مخادعٍ أنّ الأبنودي ينحني للسادات مما أدى إلى توتر العلاقة بينهما وانضمام الأبنودي إلى حزب التجمع اليساري وغضب السادات منه.

المصير المقلق

لكن السادات الذي حصل على جائزة نوبل للسلام حاول كسب ود الأبنودي ولم يكل أو يمل، وأرسل مبعوثًا يخبره أنّه سيصبح وزيرًا في حكومته وستكون هذه الوزارة معنية بالتثقيف الشعبي، لكن الأبنودي رفض هذه الوزارة معللا ذلك أن الشارع المصري هو من صنعه وليست الحكومة لكي يكون مواليا لهم، وأخبر مدير المكتب برفضه لهذه المهمة غير المناسبة له، لتشتعل العداوة بينهما ويصبح ضيفًا دائمًا في مقرّات أمن الدولة.

اتهامات باطلة

ورغم ذلك تم اتهامه باطلًأ باللهث وراء الرؤساء طلبًا للسلطة فهو بذلك شاعر السلطة كما يدعي البعض، وخصوصا بعد أن منحه الرئيس الراحل مبارك جائزة الدولة التقديرية عام 2001 كأوّل شاعرٍ عاميّ يفوز بها، لكنّ الأبنودي شاعرٌ كبيرٌ وله مكانة رفيعة في تاريخ مصر والأدب الشعبي، ولم يكن يسعى أبدًا وراء المال ولا وراء سلطة فمن الذي كتب إذن قصيدة الأبنودي وطنك متباع ؟ لقد كان يسعى دائمًا لزمانٍ هادئٍ وحياة كريمة لا إلى عراكٍ وضوضاء فارغة.

العودة للريف

عاد الأبنودي في أواخر حياتهِ إلى قريةٍ صغيرة بالإسماعيلية، في منزلٍ ريفيٍّ، ظلّ هذا المنزل مفتوحًا للمثقفين والفنانين للحوار والتشاور وتناول المأكولات الريفية التي ظلّ يحن إليها مذ كان في معترك المدينة، يتابع الشأن الوطني، يعلق عليه بقلبه، ويحيا حياة هادئة، وفي يوم 21 أبريل من عام 2015 رحل الأبنودي ، بعد مغامرة كبرى كان فيها فارسَ الأغنية الجنوبية ومنقذ السيرة الهلالية، الشاعر المحبب لدى الجماهير المصرية.

ما أشهر قصائد عبد الرحمن الأبنودي؟

أشهر هذه القصائد كلها هي قصيدة يامنة عبد الرحمن الابنودى .

كيف أتصفح كل قصائد عبد الرحمن الأبنودي مكتوبة ؟

بإمكان أي باحث كتابة تحميل الأعمال الكاملة للشاعر عبدالرحمن الأبنودي pdf وستسطيع بكل سهولة ويسر تحميلها لأنّها متوفرة بشكلٍ مجاني على مواقع الانترنت.

ما كانت علاقة الأبنودي بالرئيس الحالي المشير عبد الفتاح السيسي؟

لقد كان مؤيدا له منذ اللحظة الأولى التي تولى فيها الحكم حتى وفاة الأبنودي.

مواضيع ذات صلة

عثمان بن عفانالخليفة المظلوم عثمان بن عفان

الحاجب المنصورالحاجب المنصور | من لم يذق طعم الهزيمة يومًا